الاتحاد

دنيا

تساؤلات قبل الزواج الثاني

المشكلة
أنهيت دراستي الجامعية، وأنفقت الأسرة كل مدخرات والدي في علاجه رحمه الله من مرض عضال قبل وفاته، وتركني أواجه المسؤولين وأنا لا أتجاوز الثالثة والعشرين، والابن الأكبر لستة أخوة وأخوات، ولم أقصر في رعايتهم، ويشهد الله على ما أقول، حتى أنني تخليت عن أمر زواجي في البداية حتى ينهي اشقائي وشقيقاتي دراستهم الجامعية، وانشغلت عن نفسي في سبيل والدتي واخوتي·
المهم، أنني التحقت بعمل مناسب، وان لم يكن يرضي طموحي، الا أن وضعي أخذ في التحسن تدريجياً، وأنشأت شركة صغيرة، وبدأت أجنبي ثمار تعبي بعد سبع سنوات، وفي هذه الاثناء اتصلت بي زميلة قديمة، كانت صديقة لإحدى شقيقاتي، وخطيبتي السابقة، وكانت تقاربني في العمر، وبعد أن تبادلنا أطراف الحديث، أخذ كل منا يحكي للآخر، ماذا فعلت به السنوات السبع، وبعد تكرار الاتصال من جانبها بحجة السؤال عن شقيقتي، أو استشارتي في أمر ما، بادرت بعدم ممانعتها في الزواج مني، وانها استخارت الله، ولذا لم تتردد في طلب ذلك، ولقد فاجأتني بهذا الأمر، وشعرت بالحرج، ولخجلي منها، وخوفي على مشاعرها وحرصي على عدم جرح هذه المشاعر، حاولت أن أرفض بأعذار واهية، ولكنها كانت توافق على كل ظروفي، وأبدت كل استعدادها للوقوف إلى جانبي، وأن كل امكاناتها المادية المتيسرة ستكون عون لنا بعد الزواج·
المهم، لم أكن مندفعا عاطفياً، ولا متحمساً لها، ولكننا تزوجنا، وأنجبنا طفلة في السنة الأولى، وكثيراً ما كانت تتركني وتنام في غرفة ابنتنا، أو اخرج أنا وأنام في الصالون، وصار هذا هو الحال، هي في غرفة وأنا في غرفة، ثم انتقلنا إلى بيت كبير (فيلا) تم بناؤه وتأثيثه من قبل أهلها مع مساهمتي فيه، وبقي الحال على ما هو، الا بالمناسبات تأتي للنوم عندي، ويكون شيئاً تقليدياً جداً وتذهب، حتى إنها لا تنام عندي الليل كله، وأنجبنا 3 أطفال خلال 7 أعوام من الزواج·
لكن الحق يقال: إنها تدير بيتي بطريقه جيدة، وتربي أطفالي بطريقة حسنة ولكن مشكلتها - أنها طموح، لكن هذا للأسف لا يهمها، تريد أن أذهب لأعمل وأحضر المال ونجلس لننفقه على البيت ولا شيء لعلمي أو لوضعي أمام الناس - عندما أعطي أهلي المال تتضايق وتقول: إن بيتها وأولادها أولى به، مزاجية فمعظم الوقت تكون عابسه وقاسية وفي القليل تكون حنونة ولطيفة ومحبة·
اهتمامها منصب على الأولاد تنام معهم وتذهب معهم حتى اعتقدت مرة أني ضعيف جنساً؛ كل هذا كنت صابراً عليه؛ لأني من الأصل لغيت وجودي واعتبرت وجودها مع أهلي فقط وعلي أن أسعدهم كلهم، وكنت أعيش فقط لأعمل وأحضر المال وأنفق على الجهتين وأنا صابر، وأقسم بالله أنه لم يشعر أحد منهم بضيق مني ناحيتهم أو من ثقل المسؤولية على كاهلي ومن سن 22 سنة ولغاية الآن وأنا 38 سنة وأنا على هذه الحال·
أخاف الله رغم أنني لست متدينا ولا أصلي، ولكن الحمد لله عندي أخلاق وبشهادة جميع من يعرفني أنها أخلاق مؤمن متدين، والذي وللآن يصبرني عندما أتضايق كثيراً يأتي والدي إليّ في المنام، وبعد أن أكون أوشكت على الاستسلام أرجع وأصمد أكثر·
إلى أن جاءت فرصة أخرى لأعمل بمؤسسة حكومية كمدير بوضع أفضل وراتب أفضل وهو في منطقة أخرى تبعد 4 ساعات عن مدينتي وشجعتني زوجتي لأن المرتب أعلى، انتقلت إلى المدينة الجديدة، وكنت كل اسبوع أو اسبوعين 'أذهب الى البيت لكن أبداً ما كانت زوجتي تستقبلني بلهفة الزوج الغائب، بل معظم الوقت تكون في مزاج سيئ، أحياناً تكون لطيفة جداً· ومنذ تقريباً سنة ونصف تم تعيين فتاة من أسرة جيدة وهي لطيفة ومؤدبة وطيبة القلب، عمرها 26 سنة، وبحكم أني أعرف والدها كنت دائماً أقف بجانبها وأساعدها، ولكن والله منذ اللحظة الأولى التي رأيتها فيها وأنا شعرت أنها نصيبي ولا أدري وكأني أعرفها منذ زمن، ولأول مرة منذ أعوام أشعر بنفسي كرجل أحببتها حبا كبيراً وأشعر أن سعادتي معها، وهي أحبتني ولكن لا ندري ماذا نفعل؟·
لا أستطيع أن أترك زوجتي إذا لم تطلب هي ذلك، ولا أطيق الاستمرار معها، والشعور هذا ليس وليد معرفتي بالفتاة، ولكنه والله منذ زمن، وأستطيع أن أقول من بداية زواجنا وسأظل ارعاها، وفتاتي خائفة من أمرين: أولهما أهلها لن يوافقوا على هذا الزواج، وثانيهما هي خائفة من أن تكون زوجة ثانية، وهل تستطيع أن تتحمل تبعات هذا الزواج ماذا أفعل؟ بماذا تنصحونني أنا وهي؟
س·ج·ح/ الرياض
الحل:
اسمح لي أولاً أن أعبر عن تقديري لاهتمامك بعائلتك بعد وفاة والدك وتضحيتك بحبك الأول في سبيل اسعادهم، ومع ذلك فتقديري هذا لا يمنعني أن انكر على من هو في سنك أن يكون ذا اخلاق ولكن لا يصلي، مع أن صلاة المرء هي صلته بربه وهي أول عمل يسأله الله عنه فإن صلحت صلح سائر عمله وإن فستد فسد سائر عمله، فإذا كانت أخلاقك كاملة يا أخي العزيز فما المانع أن يكون اسلامك كاملاً؟
مع حلول شهر رمضان اذكرك في شهر البر والاحسان بأن تبر نفسك وتحسن اليها قبل أن تحسن إلى أي أحد، والاحسان للنفس لا يكون الا بقيادتها في طريق الطاعة·
فمشاكلنا كلها ليست الا لأننا لم نفهم ديننا حق الفهم، ومن أساسيات ديننا الصلاة بأركانها الرائعة، إذ تحقق اقتراباً للعبد من الله لا تحققه عبادة أخرى، أرجو أن تتذكر قوله تعالى: 'من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فنلحيينه حياة طيبة ولنجزينهم اجرهم بأحسن ما كانوا يعملون'، وان تتذكر أن هذه الحياة الطيبة التي تحلم بها لن تكون الا بالعمل الصالح وتقوى الله والاخلاص له ابتغاء مرضاته·
وبذلك تكون كل أعمالنا حتى الدنيوية منها في ميزان حسناتنا ما دمنا اخلصنا النية لله، والا فإن سعينا وبحثنا عن السعادة لن يكون الا 'كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه'·
فالدنيا قال عنها الرسول عليه الصلاة والسلام: ' لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء' فانظر ما هو همك الآن: انه الدنيا 'عمل أو امرأة' ولكن أين الآخرة في اعتبارك؟ بالنسبة لمشكلتك، فمن الواضح أن اختيارك لشريكة حياتك كان مبنياً على عدم محبة وعلى عدم اقتناع، ولابد أن أشير هنا إلى خطئها هي في عرضها نفسها عليك بهذه الطريقة التي تحمل اهانة للمرأة واحراجاً للرجل، ولا أدري كيف صلت استخارة وعلى أي أساس؟! ولا أدري إذا كنت لم تقتنع بها كيف لم تبلغها رفضك بطريقة أكثر تأكيداً؟ وهل سبب سكوتك حقاً هو ما تكره من خجلك الزائد أم رغبتك في أن تحل مشكلتك حيث هي غنية وأنت لست كذلك؟! طبعاً أنا لا أؤنبك هنا، لكن أنبه الفتيات إلى الخطأ الذي يقع من بعضهن، حيث تعرض الفتاة أو المرأة نفسها بهذه الطريقة الغبية، واقول الغبية؛ لأن المرأة الذكية تضع في حسبانها أن من تعرض نفسها عليه قد لا توافق آماله في المرأة التي يتخذها زوجة له أو قد يكون له ظروف معينة تمنعه من الزواج منها، فما هو موقفها حال الرفض؟
ليس من المعيب على الفتاة أن تطلب الرجل، لكن المقصود هو أن تحسن الطريقة إلى قلب الرجل أو عقله، بحيث ترسل له اشارات ذكية وفي نفس الوقت حية فالحياء هو أجمل ثوب سابغ للمرأة، وان عدمت تلك الاشارات فلن تعدم الصديقة أو القريبة أو حتى الأب أو الأخ أو أي أحد تعتمد عليه أن يكون وسيطاً حكيماً بينها وبين من أعجبها؛ وأنبه كذلك الشاب الذي يتعرض لموقف كهذا أن يتخلص من الموقف بسهولة، فماذا إذا تم تجاهل طلبها مثلاً؟ هل ستلاحقك برغبتها في الزواج منك؟
أما أنت فإن صدقك مع نفسك يحل ثلاثة أرباع المشكلة، وربما تنازعتك نوازع الخجل منها والرغبة بمالها، وعلى كل حال فقد استفدت من هذا الزواج كما يبدو، وأنجبت منها ثلاثة أطفال يعتبرون أيضاً زينة الحياة الدنيا، وأما ما تذكره عن صفاتها من أنها لا تفهمك ولا تهمها طموحاتك وتهتم بالأولاد أكثر منك كما تعترض على انفاقك على أهلك إلى غير ذلك مما ذكرته من سلبياتها فهذا ما لا أستطيع الحكم عليه، كما نقول دائماً حين نسمع بأذن واحدة، وحتى لو شجعتك على العمل في مدينة بعيدة كي تحضر لها النقود على حد تعبيرك، فهل هي دفعتك لهذا أم أنه كان بمحض إرادتك حيث تقول: لأعمل بمؤسسة حكومية كمدير بوضع أفضل وراتب جد أفضل؟
هذه الأسئلة لأني أخشى أنك متحامل عليها، نتيجة عدم محبتك لها، وعدم اقتناعك بها، فأين الصراحة بينكما وهي قوام الحياة الزوجة؟
الآن وجدت امامك من شعرت أنها نصيبك؟ وتقول: ولأول مرة منذ أعوام اشعر بنفسي كرجل، فهذا يؤكد كلامي السابق أن المرأة التي تطلب الرجل بتلك الطريقة الفجة، لا يمكن أن يشعر الرجل تجاهها بالقوامة والمسؤولية، ومع ظهور هذه الفتاة نبض القلب وسرى الحب ودغدغت المشاعر، ولكن ظهر العقل متسائلاً من طرف الفتاة عن وضعها كزوجة ثانية ورفض أهلها، ولكن ماذا عن عقلك أنت وتساؤلاته؟!
ماذا عن زوجتك الحالية؟ لم تذكر أي شيء عن رأيها في زواجك الثاني، سوى أنك لا تستطيع تركها الا إذا رغبت هي في ذلك، فهل وضعت هذه الرغبة في حسابك؟ ما هو مصير أطفالك الثلاثة في حال الطلاق؟ هل سيكونون مع والدتهم أم معك؟ غالباً لن تستطيع زوجتك أن تتخلى عن أطفالها فهي كما يبدو متعلقة بهم لدرجة أنها تفضل نومها في غرفتهم على النوم معك، فماذا لو منعتك من رؤيتهم بعد الطلاق؟ أو ماذا لو تعرضوا لمن يذكر أباهم بسوء؟ وإلى أي حد من السوء ستكون نفسياتهم إذا ما قارنوا أنفسهم بأصدقائهم الذين يعيشون في حضن الوالدين؟ ماذا لو ظهر الاحتمال السلبي الآخر أن أمهم كانت تنام معهم لتتخلص من المشكلة الجنسية التي لديك، وفي حال طلاقها منك فإنها ستدع أطفالها لك ولزوجتك الجديدة؟
وهل تستطيع هذه الجديدة أن تتحمل أخطاء اختيارك السابق؟ لنفرض أن كل هذا لم يحصل في البداية واتفقت انت وزوجتك أن تبقيا صديقين بعد الطلاق من أجل الأولاد 'وهو أمر نادر في مجتمعاتنا العربية، إذ يعتبر الطلاق قاصمة الظهر للعلاقة الزوجية بما فيها الإنسانية وبالتالي يذهب الأولاد 'بين الرجلين' كما يقال لأنهم أول ضحايا الطلاق' وبقي الأولاد عند والدتهم فهل ستكون قادراً على زيارتهم بعد أن تشغل بزوجتك الجديدة وأولادها لاسيما أنك في مدينة وهم في مدينة؟ أو ماذا لو خطر لزوجتك الزواج بعد أن تلتقي برجل مناسب أيضا، فيحلو لها الزواج منه، فأي مصير ينتظر الأولاد بين الأب وزوجته أو الأم وزوجها؟!
كل هذا وغيره من الاسئلة لم تثرها في عرضك للمشكلة فكأن ادراكك للمشكلة اقتصر على الفتاة التي ظهرت في حياتك، لكن ماذا عن مشاكلك التي ستظهر في حياتك أنت؟
صدقني أنا لا أعسر الأمر عليك، لكن أنصحك بأن تحاول الاجابة عن هذه الأسئلة كلها، وأن توازن بين خسائرك وأرباحك، ولا أذكرك بشيء الا بأنك راع ومسؤول عن رعيتك، أمام ضميرك في الدنيا وأمام الله في الآخرة، وأعلم اني زدت من حيرتك، لكن السبب أني ألقيت بالضوء على كثير من خفايا طريقك، فابحث جيداً عن أفضل السبل، لكن لا تنس ما ذكرته لك في البداية من أن لجوءك إلى الله عبر الصلاة والطاعة هو نور لك، وما أحوجك إلى نور الايمان والعقل في هذه الحلكة التي أنت بها!

اقرأ أيضا