الاتحاد

دنيا

أسرار الأوروبيين تحت رحمة الكاميرات على مدار الساعة

اعداد: عادل علي
عندما خرج جون ستيوارت من منزله في الصباح ليستقل سيارته كالعادة الى مكتبه في حي الاعمال في قلب لندن، لم يكن يعرف ان 'مشواره في ' ذلك اليوم سيتسبب في تدمير حياته العائلية بعد شهر بالضبط· فقد تلقى جون عبر البريد اشعارا من الشرطة بغرامة مالية لمخالفته قانون السير اثناء سلوكه الطريق السريع الى خارج العاصمة البريطانية· وبدلا من ان يجد مبررا يقنع به زوجته عن سبب تغيير وجهة سيره في ذلك اليوم، دخل في مكاتبات مع الشرطة ينفي فيها سلوكه الطريق السريع· لكن الشرطة كان لديها الدليل ارسلته بالبريد ايضا ليقع في يد الزوجة التي قررت طلب الطلاق فورا··· كان الدليل صورة ملتقطة من كاميرا مراقبة على الطريق يظهر فيها جون وبجانبه سيدة··· لم تكن بالطبع زوجته!
وانتشار كاميرات المراقبة في شوارع لندن والعواصم والمدن الاوروبية الأخرى بات يقلق الناس العاديين والناشطين الخائفين على ضياع الحريات الشخصية التي يقدسونها وان كان السبب هذه المرة وجيها يتلخص في كلمة واحدة هي: الأمن·
فالعادة البريطانية في نصب كاميرات مراقبة في كل مكان بدأت تنتقل الى كل الدول الاوروبية، وخصوصا الفرنسيين الذين دخلوا في جدل حول جدواها·
ولم تجد صحيفة 'كوريير' النمساوية أفضل من شعار 'الأخ الأكبر يراقبك' المأخوذ من رواية للكاتب البريطاني جورج أورويل لوصف ما تشهده دول أوروبا حاليا من تشديد للإجراءات الأمنية التي تستخدم شبكة هائلة من كاميرات المراقبة المنصوبة في الأماكن العامة وعلى نواصي الشوارع وحتى في وسائل النقل·
فالعاصمة الفرنسية باريس قررت، بناء على مشروع أعده وزير الداخلية نيكولا ساركوزي، نشر مئات كاميرات المراقبة في الشوارع وأمام المحال والكنائس والبنوك والأماكن الحساسة الأخرى· ومن المفترض أن يتم تزويد أربعة آلاف باص من باصات النقل العام في باريس وحدها بهذه الكاميرات قبل نهاية العام· وسيصبح بالإمكان تخزين بيانات كل شخص يتنقل بواسطة الطائرة أو القطار أو يستخدم الانترنت أو الهاتف للاتصال لمدة عام وإخضاعها للرقابة· واستصدرت فرنسا قانونا برلمانيا، لتشريع نظامها الرقابي الجديد·
ويقول ساركوزي عن مشروعه 'إننا تعلمنا من البريطانيين أربعة أمور: التركيز على مراقبة الاتصالات، التركيز على التنصت على المكالمات الهاتفية، وتسجيل المراسلات بالإنترنت، وتركيب كاميرات المراقبة'· وبرغم وجود 23 ألف كاميرا مراقبة في باريس وحدها، إلا أن ساركوزي يرى أن بلده مازالت مقصرة في هذا المجال·
وقبل عام قررت مدينة ليون المزدهرة ان تسلط في وسط المدينة حوالى خمسين كاميرا بالغة الدقة بهدف الرقابة، قادرة على الاستدارة 360 درجة والتقاط صورة هوية عن بعد 300 متر··· ويسهر ثلاثة عاملين في قيادة المركز على حركة الرواح والمجيء في الشوارع ليلاً ونهاراً· وهم قادرون بلمسة واحدة على تحريك 52 كاميرا رقمية·
وبدأت هذه الشبكة تثير اسئلة من نوع: هل ستستخدم آلات التصوير هذه لاغراض أخرى؟ يقول احد اعضاء البلدية: 'من اجل منع العين من النظر بعيداً، نستخدم برنامجاً يحجب آلياً المساكن الخاصة'· لكن جمعية 'لا للأخ الأكبر' في مدينة ليون تعتبر ان هذا الحاجز لن يطبق حرفياً اذ 'كيف يمكن التأكد من ان هذه الكاميرات لن تستعمل لجمع المعلومات عن السكان والتعرف الى انماطهم الاستهلاكية وتقصي الانتماءات السياسية خلال التظاهرات او ايضاً ابعاد من لا يملكون مساكن ثابتة عن بعض الاحياء المعتبرة واجهة المدينة؟'· والمعروف ان البريطانيين كانوا السباقين الى اعتماد الكاميرات في الاماكن العامة للحفاظ على الأمن· وتقول المعلومات انه قبل وصول توني بلير الى رئاسة الحكومة في العام 1997 كان عدد كاميرات المراقبة يبلغ 50 الف كاميرا في لندن وحدها، وهو تعهد في برنامجه الانتخابي ان يزيد العدد الى مائة الف، الأمر الذي لاقى الاستحسان عند المواطنين في مدينة تشهد نسبة جريمة عالية، وذلك قبل ان يضربها الإرهاب· ووفى بلير بوعده خلال سنتين ولكن الآن تفيد التقديرات انه يوجد حوالي 150 ألف كاميرا، في لندن، تستخدم بشكل خاص لاستيفاء ضريبة تقدر تقريبا بـ 8 دولارات عن كل سيارة تفد إلى وسط المدينة· ومفهوم أن هذا الأمر يفسح آفاقا إضافية لإجراء رقابة على كل الأشخاص المشتبه بهم· إلا أن مستوى الجريمة لم يتدن في بريطانيا مع ذلك بل ارتفع حتى في الآونة الأخيرة على المستوى القومي العام على الرغم من نصب 5,2 مليون كاميرا في شوارع المدن البريطانية· وتتندر الصحف الشعبية البريطانية، حيث تحتل مسألة الحرية الشخصية أعلى مركز في نظام القيم، بأن المقيم في لندن بات مراقبا على مدار الساعة من لحظة خروجه من منزله حتى لحظة عودته· وذلك ليس مبالغة، فالمثال على ذلك، هو تمكن شرطة سكوتلنديارد من كشف جريمة ذهبت ضحيتها المذيعة التلفزيونية المشهورة جيل داندي، من خلال تتبع حركتها بواسطة كاميرات المراقبة العامة في اليوم الذي قتلت فيه·
اما في العاصمة الاميركية واشنطن حيث يوجد مركز قيادي مشترك مع الجهاز السري في الولايات المتحدة ومكتب التحقيقات الفيدرالي، فقد اتخذ المجلس البلدي قرارا يحد من استخدام كاميرات الفيديو ويطالب بإعلام الرأي العام قبل تشغيلها ويعطي الحق للشرطة بتدمير المعلومات بعد مرور أسبوعين من الزمن ويحظر اجراء تسجيلات صوتية·
وفي فيينا حيث كانت تشتد الاعتراضات على توسيع انظمة المراقبة، سواء بواسطة الكاميرات او من خلال التنصت، قامت الأجهزة الأمنية بتزويد هيئة مواصلات فيينا بنظام مراقبة بالكاميرات؛ حيث زرعت كاميرات مراقبة داخل العربات في مترو الأنفاق، ويتم الاحتفاظ بالصور التي يتم تسجيلها عبر هذه الكاميرات، لكنها لن تفحص إلا في حالة وجود مشاهد تستحق المراقبة·

اقرأ أيضا