الاتحاد

دنيا

الفنان التشكيلي كرو سليمان: لوحاتي هويتي وجواز سفري


دمشق - فاطمة شعبان:
هناك ملاحظة توضيحية عليّ تقديمها حتى نستطيع أن نفهم بعض إجابات الفنان كُرو سليمان، وبدون هذه الملاحظة، تبقى بعض الإجابات غريبة وليست ذات معنى· عندما يقول كُرو إنه بلا جنسية، فهذا ليس تعبيراً مجازياً، بل هو لا يملك أي جنسية فعلاً، وليس لديه أية أوراق ثبوتية، تثبت أنه وُلد في هذا العالم، ولا يستطيع أن يثبت أنه موجود، إلا بجسده المادي، وجسده المادي، لا يؤهله لأن يتملك أي شيء، ولا يستطيع أن يسجل أولاده على اسمه، ولا يستطيع أن يملك جواز سفر، لأنه غير موجود بالنسبة للقيود الرسمية، فهو 'مكتوم القيد' حسب توصيف هذه الحالات في سوريا، والتي لا يعاني منها كُرو وحده بل عشرات الآلاف من الأكراد، وهو ما يسمى في الخليج العربي 'البدون'·
وعليه تأتي تجربة كُرو سليمان الفنية من أقصى مواقع المعاناة، من الصراع على الاعتراف بالوجود ككائن بشري، قبل الاعتراف به كفنان، ومن هذه التجربة المرة جاءت الألوان المعتمة في لوحة كُرو، والتي لا تخلو من ضوء، لأن الأمل يبقى دائماً المرجع النهائي للبشر· لم يتعلم الفن في كلية ولا في مدرسة، تعلمه في الحياة، ولكنه استطاع أن يملك أدواته الفنية الخاصة·
حول تجربته كان لنا معه الحوار التالي:
ü البدايات حاسمة في تاريخ الفنان وتكوينه، ماذا عن بداياتك؟
üü أول وقفة على قدمي في الفن كانت في قريتي 'سفر'، التي انطبعت في ذاكرتي بيئتها الجميلة والغنية بالنباتات الزهرية التي تتفتح في الربيع بكثرة، وهي ما تزال حية في ذاكرتي وستبقى معي إلى آخر حياتي· وما أرسمه من الأزهار والورود يأتي من الذاكرة الأولى، أو تلك التي شاهدتها خلال إقامتي في دمشق، التي يوجد فيها تنوع هائل من الأزهار والورود·
بداياتي كانت مع قلم الرصاص، رسمت خمسة عشر عاماً بقلم الرصاص فقط مواضيع متنوعة لها علاقة بالإنسان والطبيعة، ثم تحولت إلى الرسم بالألوان·
جميع الفنانين يقولون، كنا نرسم منذ نعومة أظافرنا، بينما أقول كنت أرسم عندما كانت أظافري تدمع دماً· وقتها كنت أساعد والدي في بناء البيوت، ولم يكن والدي يعرف، بأنه سيأتي يوماً وتدمع أظافري وروداً وزهوراً وشقائق نعمان·
الواحد المتعدد
ü تدور أعمالك حول موضوع واحد، لماذا؟
üü موضوع واحد نعم، ولكن دون الوقوع في التكرار· كل لوحة مختلفة عن الأخرى بالألوان والإضاءة والتعبير، يعود هذا إلى قدرة الفنان وطبيعة شخصيته وقوة خياله وما اختزنته ذاكرته من صور وألوان· أعمالي كلها من ذاكرتي وخيالي· ما عدا عباد الشمس الذي أرى فيه وجهي، وجه كُرو، في اللوحات التي رسمت فيها عباد الشمس تعمدت أن تكون ألوان اللوحة معتمة لتبرز لون الزهرة الأصفر، هذه الزهرة تعطيني الحرية والأمل الذي أفتقده، لأن أزهار عباد الشمس تتجه إلى الشمس دائماً· أعمالي أكثر حرية مني فهي تسافر وتعرض في أماكن متعددة، ولكني لا أستطيع السفر، فأعمالي جواز سفري وهويتي التي حرمت منه، أعمالي تقطع مسافات بعيدة، ولكني أبقى مكاني·
ü الورود حزينة في لوحاتك، هل هذا تعبير عن الألم والحزن الإنساني؟
üüأنا أنظر دائماً إلى الإنسان، وعندي الإنسان فوق كل شيء، لا أقيم الإنسان من خلال هويته أو جنسيته، قيمة الإنسان أهم من كل شيء وفوق كل تقييم· نعم أحاول التعبير عن الألم الإنساني، معرضي الأول عبرت فيه عن المعاناة الإنسانية، وكيف يحترق الإنسان، وكيف ينعدم من حياته الأمل والحرية· من خلال ورودي المتعددة والألوان المعتمة في غالبيتها، أنا أضع روحي ومعاناتي وآلامي في أعمالي· أرسم اللوحة أكثر من مرة، إذا لم أجد فيها هذا التعبير عن الألم الإنساني لا أرضى عنها، لا أعترف بها ولا أضع توقيعي عليها·
عتمة الألوان
ü الألوان في لوحتك يغلب عليها الألوان الغامقة الباردة، وفي وسطها، هناك بؤرة ألوانها حارة فرحة مضيئة، هل هذا تعبير عن فكرة الخلاص من شيء ما؟
üü الألوان وسط اللوحة هي تعبير عن النور في وسط العتمة، لأني دائماً أشعر بأنني في سجن ليس له لا أبواب ولا شبابيك، ولكن هناك ثقبا صغيرا جداً يسمح بدخول الضوء والنور منه ليضيء عتمة سجني، وأشعر أن هذا الثقب سيكبر أكثر فأكثر، لأرى النور والشمس، هذه الأحاسيس والمشاعر هي التي تمارس الأثر الأكبر على أعمالي· أنا لا أملك أي شيء، لا يحق لي أن أملك أي شيء، أو أملك نفسي، حتى أولادي لا أستطيع أن أمتلكهم (أي لا أستطيع أن يسجلوا باسمي بالمعنى الرسمي) وهذا من أصعب الأمور·
لوحاتي هي تعبير عن توقي للحرية والخروج من سجني الذي وضعت فيه رغماً عني لأني بدون جنسية· أنا أقول، من السهل أن تصبح رساماً ولكن من الصعب أن تكون فناناً، لأنك يجب أن تكون إنساناً أولاً·
من السهل على الإنسان أن يكون كاذباً، ولكن من الصعب أن يكون صادقاً، وأي عمل فني إذا لم يكن صادقاً في التعبير لا أعتبره عملاً فنياً، مهما كان فيه من جمالية وقوة، فالعمل يجب أن يكون صادقاً قبل كل شيء·
صدق الطفولة
ü الصور التي يختزنها الفنان في ذاكرته، إلى أي مدى تظل مؤثرة في أعماله، خصوصاً تلك القادمة من الطفولة؟
üü إلى حد كبير، من الصعب تغيير هذه المؤثرات· عشت أجمل سنوات عمري في قريتي 'سفر'، سنوات طفولتي قضيتها هناك· والطفولة أصدق سنوات الإنسان، فيها صدق البراءة، كنت أشعر كل ما حولي عائلة واحدة· كانت الطبيعة رائعة جميلة خصوصاً في الربيع···أزهار غريبة الألوان، كلها انطبعت في ذاكرتي الأولى· لم أرسم حتى الآن كل الألوان التي أحملها عن طبيعة قريتي، وأتمنى أن أرسمها كلها، وأني أحاول ذلك· بالرغم من صيف القرية الحارق وشتائها القارس، أجمل فترة من حياتي عشتها هناك·
ü تسكن المدينة منذ ربع قرن، ما مدى تأثير المدينة عليك؟
üü بالرغم من أنني أعيش في المدينة منذ خمسة وعشرين عاماً، لم أتأثر بأي شيء فيها، ما تزال القرية وأجواؤها وألوانها حاضرة في ذاكرتي وحياتي وكأني ما زلت أعيش في القرية، وربما سأظل هكذا حتى أموت·
الحياة صعبة جداً في المدينة، ربما أثرت عليّ نفسياً، ظروفها القاسية وطبيعة الحياة، لم أترك عملاً شاقاً، إلا وعملت به، منذ كنت طفلاً كان العمل شاقاً، وكان الرسم بالنسبة لي الحياة· الحياة علمتني الرسم، لم أدرس في جامعة أو أي مكان آخر، أنا طورت نفسي وتعبت على نفسي، حتى استطعت أن أصل إلى ما أنا عليه كفنان· دائماً كان هناك شيء في داخلي أقوى من كل الظروف·
ü يلاحظ على أعمالك تأثيرات فنية متعددة، هل أنت ضد الالتزام بمدرسة فنية معينة؟
üü أطلع على أعمال فنانين ينتمون إلى كل المدارس، وأنا أحب أعمال الكثير من الفنانين وأحترم إبداعاتهم، ولكني لم أتأثر بأي فنان، لأني أعتبر هذا معيب بحقي، لكل إنسان إبداعاته الخاصة به· بالنسبة لي أنا لا أحب أن أتقيد بمدرسة بذاتها، الكل أصبح يمزج بين أعماله وبين هذه المدارس الفنية· في النهاية يرسم الإنسان الشيء الذي يستطيع رسمه والشيء الذي يحس به، أو يستطيع أن يعبر عنه· برأيي كل فنان يشكل مدرسة لوحده، وأنا كذلك لدي مدرسة خاصة بي· انتماء الفنان إلى مدرسة فنية معينة يفقده إبداعه وشخصيته الفنية· لا تهمني المدرسة الفنية، بقدر ما يهمني إنجاز لوحة غير مسبوقة، لم يتطرق إليها أحد سابقاً، تحمل أبعادا ومضامين جديدة عندما يراها المتلقي ويميزها، ويعرف أنها تنتمي لهذا الفنان وليس لأي فنان آخر·

اقرأ أيضا