الاتحاد

دنيا

مهن العراء··· علامات فارقة في شوارع بيروت

بيروت - ريميال نعمة:
فتح أصحاب مهن صغيرة جداً··· دكاكينهم مجرد عربة صغيرة، أو الوقوف في ركن أو زاوية على الطريق، بدون ديكور أو سينوغرافيا ولا رواتب تقلقهم لعمال أو موظفين، ولا فواتير كهرباء وماء تشغل بالهم كل أول الشهر··· بضاعتهم تأتي إليك ولا تنتظر الذهاب إليها، في المقهى في الشارع على الرصيف، في زحمة السير أو على قارعة الطريق··· هي مهن في العراء يعتاش بعض أصحابها من اللف والدوران يجوبون الشوارع ويفترشون الطرقات، لا مكان لأي واحد منهم إلا العراء، ولا رأسمال، بل بضائع على قد الحال··· ينتشر أصحابها على الطرقات وفي الأماكن المكتظة بالناس بين طاولات مقاهي الأرصفة··إنهم يطاردون لقمة العيش بما تيسر، أو تطاردهم، لا فرق، منهم بائع الكعك، وبائع أوراق اليانصيب، صاحب كشك الجرائد، وبائع الكستناء المشوية، بائع العصير وأصحاب البضائع المتنوعة الذين يفترشون مفارق الطرق من شبان وعجزة، وأطفال، فتلك الوظيفة تستقبل أياً كان، فلا شروط مسبقة أو قاسية لمن ينوي القيام بها··· بل لا تتطلب سيرة ذاتية··· ولا خبرة لان كل ما تتطلبه إرادة حقيقية في العيش الكريم مهما كانت الصعوبات··
بائع الكعك يسير على عربة خشبية صغيرة بأقل الأثمان وأبخسها و'أطيبها' بالنسبة لكثيرين من أمثاله، سعر الكعكة التي يبيعها لا يتخطى الألف ليرة في أحسن الأحوال، ورغم ذلك تراه منتظراً أمام مداخل الجامعات أو المدارس أو الدوائر الرسمية أو تلك التي يكثر فيها الطلاب من أنصار الكعك الذي يبيعه، مواسمه الجيدة كثيرة تماماً كما أيامه السيئة، ولكن غالباً ما تقفل بورصة غلته على مبلغ يتراوح بين 50 أو 60 ألفا بحسب حالة الطقس· أما بائع الكستناء المشوية وبعض الفواكه النادرة فتراه ينتقل بخفة من مكان إلى آخر··· محاولاً الانتصار على البرد بوسائل عديدة، مرة بموقده المشتعل (لزوم الشغل) والذي تتعدد استعمالاته في أيام الشتاء القارس في لبنان، ومرة بأن يحتمي بأحد الأسوار العالية التي تقيه لسعات المطر
··وفاء تقف تحت أحد جسور منطقة الكولا في بيروت يفاجئك صاحب بسطة الجرائد والمجلات المعروف بالنسبة لكثيرين حيث يعرفه أهل المنطقة جيداً ومنذ سنوات، تماماً كما يعرفه المارة، وأولئك الذين يرتادون بعض المؤسسات الحكومية والتعليمية والرسمية التي تحيط بالمكان··· لا يخفي بائع الصحف عدم رغبته بترك المكان واقتناء محل أوسع أو العمل ضمن مكتبة محترمة، رغم العروض الكثيرة والعديدة التي تأتيه، فهو يعلن ببساطة تمسكه بالمكان وارتباطه به ويعلق: 'لقد اعتدت التواجد هنا يومياً منذ السادسة صباحاً حتى الخامسة بعد الظهر، تماماً كما اعتاد المارون على وجودي وعلى رؤيتي، وعلى شراء الجريدة اليومية مني، وكثيرون هم الذين يرفضون اخذ الجريدة من باعة الجرائد المنتشرين بكثرة على الطرقات حيث ينشطون خلال إشارة السير الحمراء ويفضلون أن يأخذوها مني، هذا وفاء من بعض الأشخاص لي، يجدر بي أن أكون وفياً لهم أيضا، بأن يجدوني متى أرادوا ذلك وان يجدوا بين يدي ما يبحثون عنه من صحف ومجلات ومطبوعات مختلفة'··لا يخفي بائع الصحف سروره بعمله رغم المدخول المحدود فيقول: 'مهنتي بدون قيود فلا أوقات محددة، ولا أوامر من احد ولا أمور اضطر القيام بها، رغم أني ملتزم جداً بأوقات وقوفي هنا··· حيث احضر باكراً للحاق بموزعي الجرائد في الصباح الباكر جداً لأستطيع تأمين الصحف لزبائني'· وعما اذا كان يعيقه الطقس والمطر يقول زياد: 'ليس البرد والمطر هو ما يعيق عملي لأنني اقف تحت الجسر وألجأ الى الكشك الخشبي عند اشتداد المطر··· بل هي حركة المرور حيث يمنع الناس أحيانا من النزول لشراء الصحف والمجلات··· ونادراً ما يخرج في تلك الحالة الناس من سياراتهم··· وهو ما يخفف حركة البيع وبالتالي يخفف من المدخول ومع ذلك ماشي الحال'!··النساء أصعبي غير بعيد يقف احد باعة اليانصيب يحاول رمي بعض أوراقه في جيب الآخرين يقول: 'المصلحة' تؤمن لي ولأخوتي الأربعة مدخولاً جيداً بحسب حركة الناس والمتجولين وبحسب الجالسين في مقاهي الأرصفة··· وبحسب الإكراميات أيضا··يضيف: 'الأمر ليس سهلاً فإقناع المارة بالشراء وبتجربة حظهم ليس بالأمر السهل··· انه أصعب بالنسبة للمرأة التي لا تستهويها مسألة اليانصيب'!!يضيف: ما يجعل 'الحال يمشي' هي تلك الكلمات الجميلة التي ابتكرها، وبعض كلمات الغزل تارة وتلك التي تثير العطف تارة أخرى، ومن سيئات الشتاء القادم هو انه نادراً ما ينتهي النهار ببيع كل أوراق اليانصيب التي بحوزتي··· انه الأمر الوحيد المزعج في مهنتنا!!!حضور إلزامي ثرثمة باعة كثر ينتشرون في بعض الشوارع المعروفة في المدينة يضعون بضائعهم الصغيرة على مداخل الأبنية أو في بسطات متراصة على الأرض أو ربما يعلقونها على شباك احد البيوت المطلة على الشارع يحاول هؤلاء ابتكار ما يقيهم المطر ويحميهم من الطقس البارد بأفكار عديدة مصرين على ممارسة مهنتهم مهما يكن، متحدين كل الموانع في سبيل لقمة العيش· أما الباعة المتجولين الذين يخبئون بضائعهم في 'شنط' وفي أكياس ولا يعرضونها إلا للراغبين أو الراغبات فقط من ربات البيوت أو الموظفات، فيصرون على ممارسة عملهم صيفاً كما شتاءً، نهاراً كما ليلاً، فالوظيفة تتطلب 'الحضور الإلزامي' والشنطة هي 'سلاح الوظيفة' الأقوى والأكثر تأثيراً!··ناهيك عمن يعرض بضاعته على سيارته المتوقفة إلى جانب احد الأرصفة ليبقى الاحتياط بالنسبة إليه واجب عبر اقتناء مساحات من النايلون لتغطية البضائع، وبالتالي اللجوء إلى مخرج طوارئ ضرورة لا بد منها في الأيام الممطرة، إنها مهن البسطاء في لبنان··· تتحدى الطقس الماطر، والبرد تماماً كما تتحدى الجوع والتسول برغبة حقيقية في العيش الكريم··· ولتبقى 'الحاجة أم الاختراع'··لقد تخلى أصحاب محال كثيرة عن محالهم بسبب ضيق الحال والمنافسة والضرائب لصالح بعض المهن المفتوحة في العراء، فيما يجد العاطلون عن العمل فرصة لبيع أي شيء في الهواء الطلق خاصة في الوسط التجاري أو حتى داخل أزقة الأحياء الشعبية··جزء من المشهد بات بعض أصحاب مهن العراء في بيروت جزءاً من مشهد المدينة، باتوا يشبهون إشارة السير أو العلاقات الفارقة لهذا الشارع أو ذاك، وأي غياب لأحدهم كأنه غياب كامل أو رحيل سيطول· يتقاسمون أحيانا المفارق مع المتسولين الذين يزعجون عادة الباعة··إن نصف هؤلاء ليسوا من اللبنانيين، فهذه المهنة تستهوي أحيانا غير اللبنانيين ممن يجدون أنها المهنة الصعبة وغير الصعبة في آن، لا ضمان فيها ولا أمان··وكثيرة هي المرات التي يطارد فيها رجال الأمن هؤلاء الباعة لان القانون يمنع ممارسة هذه المهنة سواء على الأرصفة وأمام أبواب المحال التجارية أو عند مفارق الطرق وإشارات السير··لقد صارت بعض المفارق الرئيسية في بيروت صارت سوقاً مفتوحة، فعند توقف الإشارات الحمراء يهجم الباعة وهم يحملون في يدهم معرضاً متحركاً للساعات والسجائر، والحلويات واليانصيب، والصحف وحتى لعب الأطفال وأحيانا الأدوات المنزلية المختلفة··ان ما يميز بعض العواصم والمدن في العالم هي هذه الظاهرة التي تعتبر عالمية ولا يمكن مواجهتها مهما اتخذت السلطات من الإجراءات لأنه سيظل عند البعض الرغبة في ممارسة الأعمال الحرة السهلة التي يظل الشارع مسرحها رغم أن البعض بنظر للبائع كما لو انه متسول أحيانا نظراً للتشابه في الطريقة التي تعتمد لمخاطبة الزبائن··انه عراء كامل للأحلام والجيوب الفارغة، يسكن فيه بعض من لا سقف له··· إلا سقف الوطن فقط فيحق له البيع أينما يشاء··

اقرأ أيضا