صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

بخارى·· المدينة الباحثة عن الظل والماء

عمارة المساجد من معالم بخاري

عمارة المساجد من معالم بخاري

احتلت مدينة بخارى مكانة جغرافية جديرة بالاهتمام في نظر العرب المسلمين الفاتحين، وذلك لقربها من خراسان، فكانت لها مكانة فريدة تبوأتها بين سائر مدن وأقاليم آسيا الوسطى بصورة خاصة، وأقاليم الشرق بصورة عامة، فمنها كانت تمتد الطرق جهة الشرق، حيث سائر بلاد الترك، ومن خلالها نفذ التجار منذ القدم، وقد ساهم عاملا العقيدة الإسلامية والجغرافيا في الدور التاريخي المهم الذي لعبته بخارى في نشر الإسلام والحضارة الإسلامية على مدى فترة زمنية طويلة الأجل، الأمر الذي يعكس مدى اهتمام الحكام المسلمين بهذا الإقليم، ورغبة الكثير منهم في جعل هذه المدينة عاصمة لدولته· أما عن سبب تسميتها، فيذكر الجويني أنه كان يوجد ببخارى معابد للبوذية، وأورد مايفيد أن بخارى مشتقة من (بخار)، وهي بلغة (المعان) رجال الدين الزرادشت تعني (مجمع العلوم)· رواية أخرى تقول إن الاسم مأخوذ من أصل سنسكريتي من كلمة (فيهار)، وتعني الصومعة أو الدير·















عمار السنجري
alsanjari@yahoo.com

هذه المدينة أنجبت الإمام البخاري إمام المحدثين وصاحب الجامع الصحيح للحديث النبوي الشريف الذي يعتبر أصح كتاب بعد القرآن الكريم، ولو لم تنجب أحداً غيره لكفاها ذلك فخراً، كما أنجبت الإمام بهاء الدين النقشبندي، الذي يعتبر قطب الطريقة الصوفية النقشبندية التي انتشرت في العالم الإسلامي، وكانت في القرنين العاشر والحادي عشر عاصمة لدولة السامانيين، وفي القرن السادس عشر أصبحت عاصمة لدولة الخانات· وقد نفت القوات الروسية الغازية آخر أمير لبخارى من الخانات عند دخولها المدينة عام 1920م، واعلنت حينها بخارى جمهورية مستقلة· في عام 1925م أعيدت بخارى إلى الوطن الأم جمهورية أوزبكستان الاشتراكية السوفييتية· وأعلنت منظمة ''اليونسكو'' أن مركز المدينة يعتبر من المواقع المعمارية التي تحظى بحماية· يوجد في بخارى أقدم الآثار الإنسانية التي تعود إلى 2500 سنة، ولعل من أبرزها وأقدمها آثار قلعة اراك·
قلعة اراك
هو حصن بخارى المسمى حصن (اراك) أو السفينة، وهو مسكن حكامها من الخانات، وحسب آخر الحفريات الأثرية، فإن القلعة قد شيدت في هذا المكان في القرن الرابع قبل الميلاد· وقد بنيت فوق تلة صناعية ترتفع 20 متراً عن مستوى سطح الأرض· وقد تعرضت الاراك على مدى تاريخها لفترات من البناء والتخريب ثم الترميم والإضافة· بنيت أجزاؤها العليا في عهود آخر أمرائها من الخانات· الجزء الخشبي من السفينة أو القلعة دمره حريق نشب فيها عام 1920م· يذكر النرشخي في كتابه ''تاريخ بخارى''، أنه وطبقاً لإحدى الأساطير التي تتحدث عن تاريخ بنائها تشير إلى أنها تهدمت بعد أن بناها (بيدون بخار خداه) فتمت إعادة بنائها فانهدمت، وهكذا مراراً حتى استجمع الحكماء أمرهم وصار الاتفاق على أن تبنى الاراك على سبعة عمد حجرية على شكل بنات نعش التي في السماء· استقامت بعدها هذه القلعة، ولم يهاجمها ملك من بعد إقامة هذه الأساطين الحجرية السبعة، إلا وهلك عند أسوارها، فلم تهدم على تلك الصورة بل لم ينهزم فيها ملك، ولم يمت فيها أحد أيضاً من الملوك· وكان أول من بناها في بخارى سياوش بن كيكاوس، وفضلاً عن أهميتها الدينية، فقد كان في داخلها إلى جانب القصر الملكي الدواوين المالية وبيت الحريم والسجن والخزانة· كما يوجد بداخلها شوارع وزعت عليها المنازل الخلفية، وساحة المحاكم ودواوين الدولة الرسمية، ثم سكن الأقرباء والمسؤولين من الوزراء والقواد وكبار رجال الدولة· كما توجد فيها إدارة الشرطة وقاعة السجن، وكانت تستخدم لاحتجاز المذنبين، وغرف للإدارة وإسطبلات الأمراء ومخازن الملابس والسجاد ومستودع الأواني والكنوز وورش الجواهرجية ومساجد وأضرحة وغرف أخرى كانت تستخدم لشتى الاستعمالات·
منارة كاليان
تقع منارة كاليان وتعني القاعدة العظيمة، حيث كانت تستعمل ليس لرفع الأذان للصلوات الخمس فقط، بل كانت تعبر عن قوة وعظمة السلطة الروحية التي امتازت بها مدينة بخارى في ذلك الوقت، وتقع المأذنة على طريق الأسواق الأربعة في قلب بخارى القديمة، وهي عبارة عن برج أسطواني الشكل بارتفاع 45 متراً ترتفع قاعدته 9 أمتار ويرتفع برجه الأعلى 6 أمتار عند القمة، يمكن الصعود إلى السطح عن طريق سلم مكون من 104 درجات يقود إلى الأعلى من ممر يوجد في المسجد المجاور· والمئذنة جزء من مجمع مبانٍ هي عبارة عن مسجد كاليان نفسه الذي تعد هذه المئذنة أحد أهم معالمه، ومدرسة مير عرب (أو الأمير العربي) وقد شيدت هذه المئذنة عام 1127م من قبل المعماري باكو· أما مسجد كاليان، فقد شيد في القرن السادس عشر الميلادي في بدايات حكم الشيبانيين، ومنذ ذلك الحين وإلى العهد السوفيتي اعتبر مسجد كاليان هو المسجد الجامع الذي كانت تقام فيه صلاة الجمعة في بخارى· وقد حل محل المسجد الجامع القديم الذي شيده القرخانات في القرن الثاني عشر، وقد عاصر العمل في هذا المسجد الذي شيده الشيبانيون مسجدي الجمعة اللذين شيدهما الأمير تيمور (تيمورلنك) في سمرقند وهراة· ويحوي مسجد كاليان أربع (ايوانات) الإيوان الرئيس يطل على ساحة (بوي ؟ كاليان) بمدخل مقوس ترتفع فوق بناء المسجد 288 قبة صغيرة والمسجد مزين بالموزاييك الملون وبالنقوش والآيات القرآنية التي كتبت بالخط العربي· يقابل مسجد كاليان مبنى مدرسة مير عرب، وتعد من أهم الجامعات التي أثرت الحضارة العربية الإسلامية بما قدمته من مساهمات أساتذتها ومفكريها العلمية وقد شيدت في عصر الشيبانيين أيضاً في القرن السادس عشر أنشأها شيبان خان تخليداً لذكرى ابن أخيه عبيد الله خان الذي توفي سنة 1539م· وقد سماها على اسم أستاذه وكبير علماء بخارى المسلمين العربي الشيخ عبدالله اليماني الذي قدم من اليمن واستقر في بخارى·
استمر الأوزبك الذين دخلوا الإسلام في مطلع القرن الرابع عشر، في بناء المساجد والمدارس في سمرقند وبخارى، وأصبحت بخارى محجاً يأتيها الحجاج من الهند وكشمير والأندلس وبلاد الشام وفارس واليمن وتركستان، وذلك لشهرة مدارسها العلمية التي كانت تعتبر جامعات ذلك الزمان الأكثر شهرة· وحتى نهاية القرن الثامن عشر، كان في مدارس بخارى ثلاثون ألف تلميذ، مما جعلها المدينة الجامعية الأولى في عالم ذلك القرن· في مطلع القرن التاسع عشر، كانت روسيا القيصرية قد بدأت تزحف نحو آسيا الوسطى، حتى عام 1868م حين ضمتها إلى إمبراطوريتها وعزلتها عن العالم الإسلامي، حتى جاء العام 1920م، حيث نجح البلاشفة الشيوعيون في إسقاط حكامها الخانات وأغلقوا جميع مدارسها ماعدا واحدة فقط، ومنعوا الصلاة في مساجدها ماعدا ثلاثة فقط· ولا تزال بخارى إلى اليوم تزخر بالدرر المعمارية من مختلف العصور· ولعل المساجد والمدارس المبلطة بالقيشاني والفسيفساء الزرقاء والمحيطة ببرج كاليان تعد من أجمل مافي بخارى من تحف معمارية من تلك العصورالغابرة·
أما مسجد سوق العطارين المسمى بـــ(ماجوكي ـ اتوري)، فيعد من اقدم المساجد في بخارى ويقع في وسط السوق الرئيسي للمدينة إلى الغرب من ساحة البركة (ليابي حاووظ)· في العصور الأولى كان هذا المكان يشغله معبد الشمس وهو معبد مجوسي، حيث كانت تقام ايام الربيع احتفالات عيد النوروز، وعند دخول الفاتحين العرب المسلمين الأوائل اتخذوا في الموقع اول مسجد يشيد مكان ذلك المعبد في مدينة بخارى· أما تاريخ بناء مسجد ماجوكي ـ اتوري فوفق كتابة مدونة تقول إنه شيد في القرن العاشر الميلادي· وماجوكي تعني تحت الأرض واتوري تعني الباعة أو العطارين، وفي حقبة من الزمن ارتفع سطح الأرض في المنطقة التي تحيط بالمكان، مما أدى إلى انخفاض المسجد أكثر، وقد تعرض المسجد للتدمير عام 937م وتمت إعادة تشييده في القرن الثاني عشر·
مسجد المآذن الأربع
في الجزء الشرقي من مدينة بخارى إلى الشمال من بركة لياب حاووظ يقع مبنى مدرسة (تشور مينور) التي تعني المآذن الأربع، والمسجد هو جزء من مدرسة دينية كبيرة شيدت عام 1807م بمبادرة من الثري التركماني كليف نيازكول، تقليدياً تحوي المدرسة باحة داخلية واسعة محاطة بطابق من الغرف المخصصة للطلاب من الجانبين· إن المبنى المميز لمدرسة ومسجد المآذن الأربع، حيث يقود المدخل المقوس إلى أربع قباب مستديرة داخلية ترتكز عند زواياها الأربع المآذن الأربع شامخة زينت من الأعلى بالقيشاني الأزرق الأخاذ، بينما تقود سلالم داخلية إلى الطابق الثاني من مبنى المدرسة، حيث تقع قاعة المكتبة·
الضريح الساماني
كانت أيام بخارى العظيمة في العصر الساماني، والسامانيون أسرة قدمت من بلاد فارس، وكانت أول أسرة مسلمة لأول دولة إسلامية في آسيا الوسطى· وجعل السامانيون من بخارى المدينة - القدوة في كل آسيا الوسطى· وبحكم موقعها الاستراتيجي على طريق الحرير، أصبحت في عهدهم أهم مركز تجاري وثقافي في العالم الإسلامي· وامتدت إمبراطورية السامانيين من هراة في الشرق إلى أصفهان في الغرب، وشملت منطقة هي باتساع أوزبكستان وطاجكستان اليوم، إلى جانب جزء كبير من أفغانستان وإيران· وكانت لغات البلاط فيها العربية والفارسية والتركية· ولعل غياب الآثار السامانية الكثيرة يرجع إلى ضعف عمليات التنقيب وإهمال الحكم السوفييتي لهذه المناطق وسياسة طمس العلاقة العربية - الإسلامية والتي كانت أحد أسس السياسة السوفييتية في الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى· ولعل الأثر الوحيد البارز تقريباً للتاثيرين المعماري والهندسي العربيين هو المقبرة السامانية التي تعود إلى القرن العاشر والتي تقع في وادي زرفشان في بخارى والتي تعود للأسرة السامانية· وقد نجا هذا الأثر الضخم، الذي هو عبارة عن ضريح مبني كله من الطين المشوي ومزدان بالآيات القرآنية والخطوط الهندسية العربية محفورة على جدران عالية وقبة طينية كبيرة، إذ كان مدفوناً تحت الارض وقد عثر عليه مصادفة· وأضرحة الأسرة السامانية هذه شيدها مؤسس الدولة إسماعيل الساماني لأبيه نصر بن أحمد الساماني، وهي اليوم من أهم معالم بخارى، إذ تقع وسط حديقة كبيرة وجميلة يؤمها الناس باستمرار·
نافورة ساحة البركة
تعد بخارى بكل شوارعها الضيقة وأسواقها وجوامعها مدينة بقيت تبحث عن الظل والماء، وهذا واضح نظراً لطبيعة مناخها الحار والجاف صيفاً، لذلك فان الماء كان يحمل إليها منذ القدم من نهر زرفشان عبر أقنية مفتوحة إلى المدينة متصلة ببحيرات اصطناعية صغيرة تسمى هنا (الحاووظ)، والتي تشكل مركز تجمعات سكنية ومتنفساً للأهالي أيام الصيف، وأكبر هذه البحيرات هي (ليابي حاووظ) والكلمة تعني (البحيرة المقدسة) التي تتوسط مركز المدينة القديمة والمحاطة بأشجار الجوز الباسقة وهي قديمة قدم المكان، حيث تعود إلى مئات السنين، كما سمعنا محيطة بهذه البحيرة أو البركة بمعنى أدق، كما تحيط بها المقاهي التي تسمى هنا (الشاي خانات) والمطاعم التقليدية· وهي من أكثر الأماكن شعبية لدى زوار المدينة من السياح· وهذا المكان عرف منذ العصور الوسطى كمكان محبب لتجمع أهالي بخارى، أما مساحة البركة، فهي 45,5 متر طول وبعرض 36 متراً وبعمق خمسة أمتار تحوي مايقارب أربعة آلاف متر مكعب من الماء يروي البركة (نهر شهرود) أو ماكان يعرف قديماً بالنهر الملكي· تحيط بالبركة درجات حجرية، حيث كان سقاؤا بخارى قديماً ينزلون هذه الدرجات إلى حافة البركة ليملأوا للمواطنين ما يحتاجونه من المياه· حفرت بركة ليابي حاووظ سنة 1620م بأمر من نادر ديوان بيغي، بجانب مبنى مدرسته والزاوية أو (الخانقاه)، وهي عبارة عن دار للاستراحة تحوي العديد من الغرف المجانية المخصصة للاستراحة والنوم للطلاب والمريدين والزوار والتي أمر ببنائها سنة (1622 ؟ 1623م) في الجهة الشرقية من ليابي حاووظ ملحقة بمبنى المدرسة· زين مدخل مدرسة نادر ديوان بيغي برسومات غاية في الروعة والحرفية لازالت محافظة على بهائها، وهي عبارة عن طائرين كبيرين ملونين يلاحقان غزالاً متجهان إلى الأعالي إلى الشمس· أما تمثال جحا -أو كما يسمى هنا الخوجة نصرالدين- تلك الشخصية المرحة الحكيمة التي وردت حكاياتها في الموروثات الشعبية العربية منها والأوزبكية فقد أقيم هنا في حديقة المدرسة في القرن العشرين·
الأعمدة الرشيقة
على بعد 3 كيلومترات من مدينة بخارى وفي الطريق إلى سمرقند يقع قصر سيتوراي موهي هوسا، وهو قصر الأمير الصيفي الذي شيد على طراز عمارة أوربا الشرقية، شيده الأمير عالم خان حاكم بخارى· القصر ذو المدخل الفخم المقوس والساحة الواسعة التي تحوي العديد من الكاليريهات، تمتد أمامه بركة مائية تذكر بالقصور التاريخية الخرافية· يتكون مبنى القصر الذي يمكن لعين الزائر أن ترى مظاهر الترف الواضحة في جنباته من طابقين، مزدان بالشرفات العالية والشبابيك المطلة أطلالة ساحرة على البركة المائية الأمامية، ملحقة به فيلا مخصصة لعائلة الأمير تقع في عمق بستان الفاكهة المحيطة بالقصر· سيطرت فكرة تشييد مبانٍ حديثة في بخارى فكان هذا القصر أحد الآثار المعمارية التاريخية التي يمكن ملاحظة نمط عمارتها المغاير للنمط الشرقي الإسلامي الذي كان سائداً في بخارى· وقد صمم من قبل المعماري مارغوليس· غطي السقف بالقرميد الأحمر الألماني وقد زود القصر بالأفران الاأمانية والعديد من المرايا الزجاجية الملونة التي زينت جدران القصرالتي جلبت من المصانع الروسية· الأسود المرمرية المتقنة الصنعة التي تزين مدخل القصر صنعها مثالون محترفون كما أبدعوا صنع منافذ المياه المرمرية الماخوذة من البركة الامامية والتي تصب فيما بعد من فم التنين· قاعة الاستقبال الفخمة وغرف الأمير توجد في المبنى الرئيسي للقصر، وقد خصصت قاعة الاستقبال في قصر ستوراي موهي هوسا لاستقبال الوفود الرسمية الأجنبية التي كانت تزور أمير بخارى، بينما يستقبل الوزراء ورجال الحكم البخاريين في القصر القديم للأمير· أما ثكنات حرس الأمير عالم خان ومحطة الوقود وأجنحة كبار الزوار والضباط ذوي الرتب العالية ثم أجنحة الخدم وعمال القصر وموظفيه ومخازن المؤؤنة، فكانت كلها ملحقة بالمبنى الرئيسي للقصر· أفخم قاعات القصر هي القاعة البيضاء وقاعة الاستقبال وقد أعيد ترميم القصر وتأثيثه عام 1912 ؟ 1914م، وقد شارك في هذا العمل كبار الحرفيين المتخصصين من أبناء بخارى· قاعة الاستقبال الكبرى التي كان يستقبل فيها الأمير كبار ضيوفه طليت جدرانها وزينت بالرسومات والزخارف الملونة البديعة من قبل فريق من الفنانين المعماريين المحترفين يقودهم المعماري الكبير حسن جان·
أما القاعة البيضاء التي أخذت اسمها من جدرانها وسقفها المزينان بنقوش وزخارف يغلب عليها اللون الأبيض الثلجي من إبداعات فريق عمل من الفنانين المبدعين بقيادة الفنان المعماري الأوزبكي المبدع المعروف بـــ(أسطة شيرين مرادوف) وقد اشتهر هذا الفنان بإبداعاته المعمارية ومنها مبنى دار الأوبرا والباليه في طشقند العاصمة الذي عنى بتزيين قاعته عام 1946م·
مقبرة البكريين
يقع مجمع مقبرة ومسجد البكريين المسماة (تشور بكر) أو البكريين الأربعة على بعد 8 كيلومترات إلى الغرب من مدينة بخارى في قرية تدعى (سوميتخان)، هذا المجمع الذي يحوي بالإضافة إلى المقبرة مسجداً وزاوية (خانقاه) أو دار الاستراحة والمدرسة يعود إلى القرنين الرابع عشر والخامس عشر، أسسه الخواجة إسماعيل شيخ عشيرة (خواجة جويبر) الذين كانوا مكلفين بشؤون بريد بخارى في عصر السامانيين· بني هذا المجمع المعماري حول ضريح أبوبكر سعد مؤسس العائلة البكرية وتشكل الجزء الأقدم من المجمع· اما الجزء الأساسي من هذا المجمع العمراني فقد شيد في النصف الثاني من القرن السادس عشر في عهد عبدالله خان الثاني الساماني، وهذا الجزء مرتبط بضريح آخر للشيخ خوجا محمد إسلام المتوفى سنة 1563م، والذي دفن إلى جانبه ابنه الخوجا أبوبكر سعد الذي توفي سنة 1589م· لفت عبدالله خان الثاني خان بخارى النظر إلى العناية بهذا الأثر المعماري التاريخي وفاء منه، حيث كان هو ووالده اسكندر خان من مريدي الشيخ خوجة محمد إسلام شيخ الطريقة النقشبندية الصوفية في آسيا الوسطى في القرن السادس عشر· وكان الشيخ محمد إسلام أيضاً هو شيخ الإسلام في عهد الخان عبدالله الثاني خان بخارى، وهو لقب ديني يعادل المفتي العام للدولة، وقد تبوأ بعده هذه المكانة ابنه الشيخ الخوجة أبوبكر سعد· ونظراً للمكانة الدينية والروحية وللسيرة العطرة لعائلة البكريين فقد وجه عبدالله الثاني خان بخارى بتوجيه كل الرعاية والعناية لهذا المجمع المعماري الذي وكما رأينا لا يزال يؤدي دوره العلمي والمعرفي اليوم من خلال المدرسة الملحقة به والمسجد، والذي زرناه ورأينا أعمال الترميم تجري على قدم وساق بعد أكثر من سبعة عقود من الإهمال عانتها معظم كنوزنا الأثرية المعمارية الإسلامية في هذه البلاد منذ عهد القياصرة الروس الذين انتهجوا سياسة تستهدف قطع الجذور القومية والتاريخية لأهالي المنطقة والقضاء على تراث الشعب المعنوي والثقافي والتاريخي و(روسنة) البلاد عملاً بمقولة أحد زعمائها الذي أعلن إنه ''للقضاء على قوم أو ملة ليس من الضروري إبادتهم بالكامل، بل يكفي القضاء على حضارتهم وفنونهم ولغتهم فيزولون من تلقاء أنفسهم''