الاتحاد

الاقتصادي

توقعات بقرب انفراج أزمة الديون المتعثرة في مصر


القاهرة ـ محمود عبدالعظيم:
يشهد ملف أزمة رجال الأعمال المتعثرين والمتوقفين عن سداد قروض البنوك المصرية تطورات مهمة تأتي انعكاسا للسياسات الائتمانية الجديدة التي بدأت البنوك تنفيذها وخطط اعادة هيكلة الجهاز المصرفي والسياسات النقدية التي يطبقها البنك المركزي المصري منذ فترة طويلة وتستهدف تخفيض الضغوط على البنوك خاصة الصغيرة مع اتمام تسويات كبيرة مع عدد من المتعثرين في مختلف الأنشطة الاقتصادية سواء كانت نقدية أو عينية وبدء التفاوض مع بعض رجال الأعمال المحبوسين على ذمة قضايا مصرفية وفي مقدمتهم مجدي يعقوب نصيف صاحب مجموعة شركات الثلاثية وحسام أبوالفتوح ومحمد عبدالقادر الجارحي إلى جانب إعادة الاتصال مع بعض رجال الأعمال الهاربين خارج البلاد ومنهم رامي لكح صاحب أكبر مديونية متعثرة بقيمة 2,2 مليار جنيه وعمرو النشرتي مليار جنيه ومارك دوارف 600 مليون جنيه وتيسير الهواري 400 مليون جنيه الأمر الذي قد يمهد للتوصل إلى تسويات مع هؤلاء الهاربين وإمكانية عودتهم للبلاد لاستئناف انشطتهم·
ففي بنك القاهرة الذي صدر قرار بدمجه في بنك مصر نفذ أحمد البردعي رئيس البنك السابق خطة لتنقية المحفظة الائتمانية أسفرت عن تسوية مديونيات في حدود المليار جنيه في الوقت الذي مازالت فيه محفظة البنك تنوء بقروض رديئة تتجاوز أربعة مليارات جنيه لم يتم حسم أي منها·
وفي البنك العقاري المصري العربي الذي تجاوز حجم القروض المتعثرة به ثلاثة مليارات جنيه نجح فتحي السباعي الذي تولى رئاسة البنك مؤخرا تمهيدا لدمجه في بنك التعمير والإسكان في إبرام تسوية يبلغ حجمها 1,5 مليار جنيه تعد الأكبر من نوعها حتى الآن في تاريخ الجهاز المصرفي المصري مع مجموعة شركات 'المهندسون المصريون'· كما تم تجميع المحفظة العقارية للبنك في صندوق قوامه 500 مليون جنيه بعد توريق هذه المحفظة وتقرر اسناد تسويتها إلى احدى الشركات المتخصصة وتمثل هذه المحفظة حصاد تسويات عينية مع عدد كبير من عملاء البنك العاملين في قطاع الإنشاءات والمقاولات·
وفي بنك مصر والإسكندرية تتم مفاوضات مع وزارة الاستثمار بهدف تسوية مديونيات شركات قطاع الأعمال العام والتي تتجاوز 30 مليار جنيه وقد تم التوصل إلى اتفاق مبدئي يتم بموجبه اصدار سندات توازي مبلغ المديونية ومضمونه من وزارة المالية -المالك الرسمي لشركات قطاع الأعمال العام- وستدور فائدة هذه السندات عند حدود عشرة بالمئة وهو اتفاق من المتوقع ان يتم اعتماده من الجهات المختصة في غضون الاسابيع القليلة القادمة·
وفي بنك مصر رومانيا الذي تجري حاليا مفاوضات لبيعه لأحد البنوك اللبنانية قال عبدالرحمن بركة رئيس مجلس إدارة البنك انه تمت تسوية قروض متعثرة في حدود 400 مليون جنيه بينما تجري مفاوضات مع عملاء اخرين لتسوية مديونياتهم خاصة في حالة اتمام صفقة بيع البنك حيث تمثل 'المحفظة النظيفة' احد عوامل جذب المشتري اللبناني·
وفي البنك الأهلي -أكبر بنوك القطاع العام المصرية حجما- تمت تسوية مديونيات في حدود المليار جنيه حسبما قال حسين عبدالعزيز رئيس البنك مشيرا إلى ان القروض غير المنتظمة في السداد لا تزيد على 4 في المئة من اجمالي محفظة البنك وهناك جهود لخفض هذه النسبة والتوصل إلى تسويات مماثلة مع أصحاب هذه المديونيات·
عوامل نجاح
ويرى محمود عبداللطيف رئيس بنك الاسكندرية ان هناك عددا من العوامل التي تساعد على نجاح السياسات الائتمانية الجديدة في الجهاز المصرفي المصري ومنها لجان التسويات التي تشكلت في معظم البنوك لبحث حالات المتعثرين كل على حدة واستطاعت التمييز بين من تعثروا لظروف خارجة عن ارادتهم تتعلق بحالة الركود في الأسواق أو تغيير انماط الانتاج أو ارتفاع أسعار الصرف ومن تعثروا نتيجة سوء استخدام أموال البنوك أو نتيجة سوء ادارتهم لمشروعاتهم سواء لقلة الخبرة الفنية أو لتركز السلطات الذي قد يؤدي إلى الفشل الإداري· وعند هذا التمييز يبدأ التعامل مع ملف العميل المتعثر ومساعدته في حالة رغبته في الخروج من تعثره وابداء المرونة الكافية فيما يتعلق بجدولة المديونية أو فترات السداد وهذه اللجان تعمل بالتنسيق والمتابعة الكاملة مع لجنة مماثلة في البنك المركزي المصري وتحظى التسويات التي تبرمها هذه اللجان بموافقة السلطة النقدية·
ومن العوامل الأخرى وجود رغبة مشتركة بين قيادات الجهاز المصرفي والبنك المركزي والعملاء المتعثرين أنفسهم في الخروج من دائرة التعثر نظرا لأضرارها على حركة الاقتصاد الوطني وخسارة كل الاطراف بسبب استمرار هذا الوضع الأمر الذي اتاح نقاط التقاء ساعدت على تقريب المسافات ووجهات النظر· كما ان انكسار حالة الركود وبدء تحرك النشاط الاقتصادي بالبلاد بصفة عامة وتحقيق معدلات نمو جيدة خلال العامين الماضيين بفضل السياسات التي تتبعها حكومة الدكتور أحمد نظيف أدى إلى تحسن أوضاع الكثيرين الذين حصدوا أرباحا تعوض الخسائر في السنوات الماضية وبالتالي أصبحت لديهم قدرات مالية جيدة تمكنهم من سداد مديونياتهم أو توقع تدفقات مالية جيدة تجعل من برامج السداد التي قدموها للبنوك أمرا واقعيا وهذا ما يلمسه المتابعون في مثل قطاع المنسوجات الذي شهد تحسنا كبيرا خلال العامين الماضيين بفضل نمو صادراته حيث خرجت شركاته من دائرة التعثر·
كما ان الأرباح الجيدة التي حققتها البنوك نتيجة نمو قطاعات اخرى مثل الاتصالات والبتروكيماويات والطلب المتزايد على العقارات -صاحب أكبر حصة من القروض المتعثرة بسبب الركود العقاري في السنوات السابقة- ساعدت البنوك على تحسين مراكزها المالية وضخ المزيد من الأموال من المخصصات والأرباح المرحلة وبالتالي تخففت بعض البنوك من الضغوط المعنوية والنفسية لملف القروض المتعثرة وبدأت التعامل مع الملف بمعزل عن هذه الضغوط الأمر الذي أسفر عن أفكار جديدة لمعالجة القروض الرديئة والتوصل إلى سياسات ائتمانية مبدعة تتجنب إلى حد كبير الوقوع في فخ التعثر مرة اخرى·
ويتفق مع هذه الرؤية حسين عبدالعزيز -رئيس البنك الأهلي المصري الذي يؤكد ان ثمة تطورات ايجابية داخلية شهدتها معظم البنوك -خاصة البنوك الحكومية- على مدى السنوات الثلاث الماضية بفضل نجاح خطط إعادة الهيكلة والتحديث التكنولوجي واقتحام مجالات توظيف جديدة· وهذه التطورات خلقت مناخا مواتيا لإعادة التعامل مع ملف المتعثرين بروح ورؤية جديدة تستند على الثقة المتبادلة بين البنك والعميل كما ان رغبة البنك جادة في مساعدة العميل والتوصل إلى برامج سداد غير مجحفة بحقوق البنوك الأمر الذي مهد الطريق إلى التوصل إلى تسويات واقعية وتراجع نسبة الديون الرديئة في محفظة الجهاز المصرفي المصري بمعدلات جيدة·
وقال ان البنوك لن تعتبر ملف الديون المتعثرة قد أغلق إلا بعد الحصول على اخر قرش مستحق لها لدى هؤلاء العملاء مع مساعدتهم على العودة للسوق وللانتاج بما يفيد حركة الاقتصاد القومي·
وشدد على ان البنوك تسعى للتوصل إلى تسويات عادلة حتى مع هؤلاء الذين هربوا إلى خارج البلاد من خلال التفاوض مع الممثلين القانونيين للهاربين ومستشاريهم مما يمهد لعودة الهاربين إلى مصر خلال الفترة المقبلة·
تسارع التسويات
وتتوقع بسنت فهمي -كبير الخبراء في الأكاديمية العربية للعلوم المصرفية تسارع وتيرة التسويات المصرفية خلال الشهور القادمة بفضل الدفعة التي أعطاها البنك المركزي للقيادات المصرفية الجديدة وتشجيع هذه القيادات على إبرام تسويات مع رجال الأعمال المتعثرين بما يحفظ حقوق البنوك·
وقالت انه أصبح لدى جميع العاملين بالجهاز المصرفي المصري وممثلي السلطة النقدية قناعة مشتركة مفادها ضرورة الخروج من هذه الدائرة الجهنمية التي أضرت بالكثيرين وترتب على هذه القناعة ضرورة الدخول في مفاوضات جادة وعدم تعقيد الأمور وابداء قدر من المرونة باعتبار ان عملية الائتمان بها نوع من المخاطرة والا ما كان هناك عمل مصرفي في الأساس· كما ان البنوك مطالبة باستثمار حالة التحسن الاقتصادي العامة والنمو الجيد الذي بدأت تحققه قطاعات اقتصادية عديدة في استعادة جانب من أموالها وهو أمر ممكن في ظل الرغبة المشتركة بين البنوك والعملاء المتعثرين لتسوية هذه الأوضاع·
وتؤكد آن كوب -نائب رئيس منظمة فيزا العالمية- ان توسع البنوك المصرية على مدى السنوات الخمس الماضية في مجال التجزئة المصرفية وفر لها عوامل اضافية لمعالجة قضية الديون المتعثرة بشكل جيد لأن هذا المجال الجديد يعني للبنوك ربحية أعلى ومخاطر أقل· كما اتاح للبنوك توجيه جزء من السيولة النقدية لديها لهذا النشاط الجديد في عملية توظيف مضمونة وناجحة إلى حد كبير وتخلصت البنوك نسبيا من ضغوط القروض المتعثرة وبدأت تتجة إلى المجالات المصرفية الحديثة التي توفر ربحية جيدة·

اقرأ أيضا

«فيسبوك» تواجه مخاطر التفكيك