صحيفة الاتحاد

الإمارات

أبوظبي وتطوير الزراعة.. سباق نحو الاستدامة (1)

طه حسيب (أبوظبي)

«أعطوني زراعة.. أضمن لكم حضارة».. مقولة أطلقها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، تلخص لنا مدى الوعي المترسخ لدى قيادة دولة الإمارات تجاه الزراعة كمحور استراتيجي في التنمية الشاملة، ضمن وعي مبكر بأهمية الزراعة يظهر بوضوح في سياسات تتجه نحو التنمية المستدامة وتسعى إلى حماية البيئة وتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية. لذا تسعى الأجندة الوطنية لرؤية الإمارات 2021 لتحقيق بيئة مستدامة من حيث جودة الهواء، والمحافظة على الموارد المائية، وزيادة الاعتماد على الطاقة النظيفة وتفعيل التنمية الخضراء. ولدى وزارة التغير المناخي والبيئة قناعة، بأن أي استراتيجية تنموية لتحقيق الأمن الغذائي لا بد وأن تتخذ من التنمية الزراعية المستدامة غاية لها.





في الإمارات باتت الاستدامة في الزراعة هدفاً واضحاً لدى الجهات المعنية بتطوير هذا القطاع الحيوي المنوط به تحقيق الأمن الغذائي، وتقليص الفجوة الغذائية، بحيث يتم الحفاظ على التربة وأيضاً تحقيق الاستخدام الأمثل للمياه سواء الجوفية أو ما يتوفر من مياه الأمطار، ولم تقف الخصائص المناخية ولا الطبيعة الجغرافية سواء ما يتعلق بشح المياه وقلة الأمطار وارتفاع درجات الحرارة وضعف التربة عائقاً أمام التفكير خارج المربع في هذا القطاع. فالمزارعون في أبوظبي محبون لمهنتهم، ومطلعون على كل ما هو جديد، ولديهم وعي بيئي قل نظيره في المنطقة. هم يشيدون بالجهد الحكومي في التوعية والإرشاد الزراعي وتقديم الدعم. والأهم أن فكرة التكامل داخل المزرعة واضحة في أذهانهم، فبعضهم يربط الاستزراع السمكي ببيوت محمية لإنتاج الخضراوات بنظام الزراعة المائية، ومنهم من يربط الاستزراع السمكي بالإنتاج الزراعي للأعلاف والخضراوات وفق نظام الحقل المفتوح، وهناك من ربط إنتاج النحل بالإنتاج النباتي وتربية المواشي والدواجن، بحيث يتحقق التكامل بين جميع أجزاء المزرعة الواحدة، ضمن منطق التنوع الحيوي المستند إلى زراعة عضوية حقيقية، تعزز الاستدامة. رؤية الدولة للزراعة تتسق مع الأهداف العالمية للتنمية المستدامة لعام 2030 التي تتضمن 17 بنداً، والتي أقرتها الأمم المتحدة، وبدأت في تفعيلها منذ بداية العام الجاري.





جهود الإمارات في المجال الزراعي تعتبر نموذجاً متميزاً على مستوى العالم، بشهادة مهدي الإدريسي ممثل منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة «الفاو» في الإمارات، جهود تنسجم مع التوجه العالمي المتمثل في أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر التي يتصدرها القضاء على الفقر والجوع، والحفاظ على المياه من خلال زيادة إنتاج الأغذية لكن باستخدام مياه أقل وهذا في حد ذاته من أكبر تحديات المستقبل. حيث نوّهت «الفاو» إلى أنه بحلول عام 2025 من المتوقع أن يعيش 1.8 مليار نسمة في بلدان أو مناطق تعاني ندرة مطلقة في المياه.



«أهداف التنمية المستدامة لعام 2030»

ولدى «الفاو» اهتمام خاص بـ«أهداف التنمية المستدامة لعام 2030»، لاسيما المرتبط منها بدور هذه المنظمة وبخاصة الهدف الأول: القضاء على الفقر بجميع أشكاله في كل مكان، الثاني: القضاء على الجوع وتوفير الأمن الغذائي والتغذية المحّسنة وتعزيز الزراعة المستدامة، الذي يعد أيضاً من ضمن الأهداف الاستراتيجية التي تسعى «الفاو» لتحقيقها. والسادس: ضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع وإدارتها إدارة مستدامة، والهدف السابع: ضمان حصول الجميع بتكلفة ميسورة على خدمات الطاقة الحديثة الموثوقة والمستدامة، والهدف الثاني عشر: الاستهلاك والإنتاج المسؤولين، والهدف الثالث عشر: اتخاذ إجراءات عاجلة للتصدي لتغير المناخ وآثاره، والهدف الرابع عشر: حفظ المحيطات والبحار والموارد البحرية واستخدامها على نحو مستدام لتحقيق التنمية المستدامة، والهدف الخامس عشر: حماية النظم الإيكولوجية البرية وترميمها وتعزيز استخدامها على نحو مستدام، وإدارة الغابات على نحو مستدام، ومكافحة التصحر، ووقف تدهور الأراضي ووقف فقدان التنوع البيولوجي. علما بأن «الفاو» تُعرِّف التنمية المستدامة بأنها إدارة وحماية قاعدة الموارد الطبيعية وتوجيه التغير التقني والمؤسسي بطريقة تضمن تحقيق واستمرار وتلبية الحاجات البشرية للأجيال الحالية والمستقبلية. إن تلك التنمية المستدامة (في الزراعة والغابات والمصادر السمكية) تحمي الأرض والمياه والمصادر الوراثية النباتية والحيوانية ولا تضر بالبيئة وتتسم بأنها ملائمة من الناحية الفنية ومناسبة من الناحية الاقتصادية ومقبولة من الناحية الاجتماعية.






الاستدامة..وعي «أممي»
وقد تطور الوعي داخل الأمم المتحدة ومنظماتها الفرعية بالتنمية المستدامة وارتباطها القوي بالزراعة منذ فترة طويلة، وليس أدل على ذلك من نص الالتزام الثالث في إعلان روما الصادر عن مؤتمر القمة العالمي للأغذية الذي انعقد بالعاصمة الإيطالية من 13 إلى 17 نوفمبر 1996، ويشير إلى اتباع السياسات والممارسات المستدامة في تحقيق التنمية الغذائية والزراعية والسمكية والريفية في كل المناطق سواء كانت لديها إمكانيات مرتفعة أو منخفضة، وهذه السياسات قادرة على المساهمة في توفير الإمدادات الغذائية الكافية والموثوق بها من خلال مكافحة الآفات والجفاف والتصحر نظراً لتعدد الوظائف التي تتميز به الزراعة.
وفي الأول من أبريل الماضي أطلقت الجمعية العامة للأمم المتحدة (عِقد العمل من أجل التغذية) الذي يستمر من 2016 إلى 2025، ورحبت «الفاو» بالقرار بوصفه خطوة كبيرة إلى الأمام في الجهود الدولية لتحسين التغذية حول العالم وتعبئة الجهود لخفض مستوى الجوع. وصادق القرار أيضاً على إعلان روما حول التغذية وإطار العمل الذي تم تبنيه خلال المؤتمر الدولي الثاني المعني بالتغذية، والذي استضافته كل من الفاو ومنظمة الصحة العالمية في نوفمبر 2014، والذي يؤكد حق كل إنسان في الحصول على غذاء مأمون وكاف ومغذ وإلزام الحكومات بالعمل على مكافحة سوء التغذية بجميع أشكالها.

وبالنسبة لمنطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، فإن لدى «الفاو» مبادرات إقليمية ثلاث وهي مبادرة ندرة المياه، ومبادرة الزراعة العائلية صغيرة النطاق لتحقيق التنمية الشاملة، ومبادرة بناء القدرة على الصمود لتحسين الأمن الغذائي والتغذية.

الإمارات و«الفاو»..محطات التميز
وفي يونيو 2008 تم توقيع اتفاقية بين دولة الإمارات العربية المتحدة و«الفاو» لإنشاء المكتب شبه الإقليمي للمنظمة الذي يقدم خدماته لدول مجلس التعاون الخليجي واليمن. وبموجب الاتفاقية تقوم منظمة الأغذية والزراعة بتقديم الخبرات في مختلف المجالات الزراعية والمياه والتنمية المستدامة إلى دول مجلس التعاون الخليجي واليمن انطلاقا من دولة الإمارات.. على أن يكون مقر المكتب أبوظبي.
وفي إطار تثمينها لـ«التراث» الزراعي الموجود في الإمارات، أعلنت المنظمة في 15 مارس 2015 أن واحتي العين وليوا تمت إضافتهما للنظم الإيكولوجية التي تقر «الفاو» بأهميتها كمستودعات حية للموارد الوراثية والتنوع البيولوجي والتراث الثقافي.

العين وليوا اشتهرتا بزراعاتهما التاريخية المروية وببساتين النخل التي باتت رافداً أساسياً لإنتاج التمور في الإمارات. وأقرت المنظمة بجهود الإمارات في تنشيط واحات النخيل واعتماد تدابير حمائية من الزحف العمراني وإعادة استخدام نظام الري بالأفلاج، وأشاد جوزيه دا سيلفا مدير عام «الفاو» بهذه الجهود لأنها (صون لمعارف انتقلت عبر الأجيال وتضمن استمرار زراعة النخيل وحماية الأمن الغذائي لدولة الإمارات).
وفي 24 أبريل 2012 افتتحت «الفاو» مركز الشيخ زايد للإعلام والمؤتمرات بمقر المنظمة في روما، المركز حمل اسم مؤسس دولة الإمارات، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي نجح، بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة، في تحويل مساحات واسعة من الأراضي الصحراوية إلى حقول خضراء من خلال الاستثمار في الزراعة وخصوصاً بدعمه لزراعة نخيل التمور. ومنذ عام 2010 اختيرت سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، قرينة الشيخ زايد رحمه الله، سفيرةً فوق العادة للنوايا الحسنة نيابة عن «الفاو» بهدف مواصلة الجهود الدولية الرامية إلى القضاء على الجوع.

كما تم تكريم الإمارات ضمن 72 دولة حققت هدف القمة العالمية للأغذية للقضاء على الجوع في العالم، خلال فعاليات نظمتها «الفاو»، بالتعاون مع برنامج الغذاء العالمي بروما في يونيو الماضي 2015، تحت مسمى «الإقرار الملحوظ والمتميز في مجال مكافحة الجوع»، الذي افتتحه جوزيه دا سيلفا مدير عام المنظمة.

وفي إطار التعاون بين «الفاو» وإمارة أبوظبي، وقع جهاز أبوظبي للرقابة الغذائية في مارس 2015 اتفاقية تعاون مشترك مع المنظمة في مجال استخدام المياه المعالجة (مياه الصرف) بالزراعة، وهذا يعكس حرص «الفاو» تفعيل إحدى مبادرتها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي مبادرة ندرة المياه.

اهتمام الإمارات بحماية البيئة يظهر بوضوح في الاتفاقيات الدولية التي أقرتها، حيث وقعت نحو 18 اتفاقية دولية في مجال البيئة، منها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر عام 1994، واستضافت أبوظبي أعمال الاجتماع الوزاري الآسيوي الثاني للدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر في يونيو 2003، وفي ديسمبر من العام نفسه اعتمد مجلس الوزراء استراتيجية وبرامج العمل الوطنية لمكافحة التصحر في دولة الإمارات، وتتضمن أربعة برامج، هي:المحافظة على الموارد الطبيعية المتجددة من التربة والمياه والغطاء النباتي والثروة الحيوانية المستأنسة والبرية، ومواجهة حالات الجفاف والتخفيف من آثاره، والحد من تعرية التربة وتثبيت الرمال المتحركة، وتنمية القوى البشرية المواطنة العاملة في هذه المجالات. وتعتبر هذه الاستراتيجية ببرامجها والأنشطة المتعلقة بها من أبرز ملامح مستقبل العمل في مكافحة التصحر في دولة الإمارات.

المركز الدولي للزراعة الملحية
وفي عام 1996، أُبرم اتفاق بين البنك الإسلامي للتنمية وحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، لتأسيس المركز الدولي للزراعة الملحية «إكبا» واعتباره كياناً رسمياً غير ربحي. كما قدم الصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وصندوق أوبك دعماً مالياً لتأسيسه. وفي عام 1997، منحت بلدية دبي مساحة 100 هكتار من الأراضي في منطقة «الروية».

«إكبا» مركز للبحوث التطبيقية والتنمية مقره دبي. يسعى إلى تطوير وترويج الأنظمة الزراعية المستدامة التي تستخدم المياه المالحة لتنمية 12 محصولاً. كان يعرف في السابق باسم مركز الزراعة الملحية حين ركز جهوده على إنتاج الأعلاف ونباتات الزينة في دول الخليج العربي ومناطق أخرى في العالم الإسلامي. يمثل الابتكار أحد المبادئ الأساسية لعمل المركز بحيث يتناول المنهج البحثي متعدد الجوانب لإيجاد الحلول لتحديات تتعلق بالمياه والبيئة والدخل والأمن الغذائي وتشمل أبحاثاً مبتكرة في مجالات تقييم الموارد الطبيعية، والتكيف مع التغيرات المناخية، وإنتاجية المحاصيل وتنويعها، والزراعة المائية، والطاقة الحيوية، وتحليل السياسات. يساهم المركز في تحقيق أهداف التنمية المستدامة في العالم من خلال العمل على تطوير العديد من التقنيات التي تشمل استخدام المياه التقليدية وغير التقليدية (ومنها المياه المالحة، والمياه العادمة المعالجة، والمياه الصناعية، ومياه الصرف الزراعي، ومياه البحر) وتقنيات إدارة المياه والأراضي، والاستشعار عن بُعد، ونمذجة التكيف مع التغير المناخي. يمثل تحصيل ونشر وتوزيع المعرفة هدفاً إستراتيجياً هاماً حيث نهدف إلى تطوير المركز ليصبح مقراً رائداً للمعرفة حول الإدارة المستدامة للموارد في الإنتاج الزراعي.


الزراعة..تاريخ التطور
وحسب تقرير «حالة البيئة لدولة الإمارات العربية المتحدة 2015»، الصادر عن وزارة التغير المناخي والبيئة، فإن الزراعة ظهرت في الدولة كنشاط قديم تمت ممارسته في بعض المناطق مثل رأس الخيمة والفجيرة والعين وبعض الواحات ك «ليوا»، واقتصر هذا النشاط على النخيل المروية بمياه الينابيع والأفلاج والآبار. واشتهرت العين ببساتين النخيل التي اعتمدت على المياه الجوفية من خلال الأفلاج وكان من أهمها «الصاروج» التي تعود تسميته إلى الطين المحروق، وكان مزارعو العين ينتجون الحنطة والبَر (القمح) حول أشجار النخيل وكانوا يحققون اكتفاء ذاتياً من المحصولين ويصدرونهما إلى دبي وأبوظبي.

ومع تدشين دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971، ونظراً للدور الرائد للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، تطورت الزراعة، حيث وفّر لها الدعم اللازم فازداد عدد المزارع من 4000 مزرعة عام 1971 إلى أكثر 35 ألف مزرعة عام 2011. وتنوعت المحاصيل لتشمل الخضر والفاكهة والأعلاف، وتصدرت التمور أهم الحاصلات الزراعية، ويوجد في الإمارات قرابة 120 نوعاً من التمور، ووصل إنتاجها عام 2011 إلى 6.8 مليون طن. ويشير تقرير لوزارة التغير المناخي والبيئة إلى نمو مساحة المحاصيل الحقلية في الدولة من 28221 دونماً عام 2009 إلى 45278 دونماً في عام 2012. قطاع الزراعة يعاني من عوائق وتحديات تتمحور حول ندرة مياه الري المناسبة وزيادة ملوحة التربة وارتفاع تكاليف الإنتاج، ما دفع باتجاه مبادرات أهمها رفع كفاءة استخدام مياه الري، تتضمن استبدال أنظمة الري التقليدية، كالري بالغمر، بنظم أخرى متطورة كالري بالرش والتنقيط، وبالفعل وصلت نسبة المساحات الزراعية التي يتم ريها بالأنظمة الحديثة 91 في المئة من إجمالي الأراضي الزراعية، بعد أن كانت نسبتها 33 في المئة عام 1999.

وقد احتلت إمارة أبوظبي بإنجازاتها في المجال الزراعي مكانة مرموقة ونجحت في التغلب على قسوة الطبيعة وتحويل الصحراء إلى مزارع منتجة، وحسب تقرير مركز الإحصاء في أبوظبي، فإن عدد الحيازات النباتية في الإمارة بلغ 24018 حيازة عام 2015، بمساحة إجمالية بلغت 749869 دونماً، أي قرابة 1 في المئة من المساحة الكلية للإمارة. وحسب أحدث تقرير للمركز، فإن الحيازات الزراعية في أبوظبي تضاعفت 38 مرة..من 364 حيازة عام 1971 إلى 24018 حيازة عام 2015. وتضاعفت مساحة الأراضي الزراعية في الإمارة 33 مرة من 22.377 دونم عام 1971 إلى 749.869 دونم عام 2015. تتركز معظم الحيازات الزراعية في العين بنسبة 60 في المئة من إجمالي حيازات الإمارة، تليها المنطقة الغربية بنسبة حيازات وصلت إلى 27.7 في المئة من إجمالي الحيازات الزراعية بالإمارة، أما الحيازات الواقعة في منطقة أبوظبي، فتصل نسبتها إلى 12 في المئة من إجمالي الحيازات الزراعية في الإمارة.

جهاز أبوظبي للرقابة الغذائية
ولتنفيذ أولويات أجندة السياسة العامة لإمارة أبوظبي الرامية لضرورة وجود قطاع زراعي مستدام يساهم في تعزيز الأمن الغذائي للإمارة، وضمن استراتيجية حكومة أبوظبي الخاصة بهذا القطاع، فقد تم نقل اختصاصات وصلاحيات قطاع الزراعة إلى جهاز أبوظبي للرقابة الغذائية، بموجب المادة الخامسة من القانون رقم (9) لسنة 2007، حيث أصبح الجهاز الجهة المسؤولة بشكل كامل عن رسم السياسة العامة، وإعداد الخطط والبرامج والأنشطة المختلفة التي تحقق التنمية الزراعية المستدامة لإمارة أبوظبي. ومن أهم المبادرات الزراعية التي أطلقها الجهاز في القطاع الزراعي، تأسيس مركز خدمات المزارعين بموجب القانون رقم (4) لسنة 2009، الذي تم تفعيله بالمنطقة الغربية كمرحلة أولى، لتحقيق السياسة العامة لحكومة أبوظبي في قطاع الزراعة الرامية إلى تطويره إلى قطاع مستدام عبر تطبيق أحدث النظم والممارسات الزراعية، وتقديم المشورة والدعم اللوجستي والخدمات الفنية للمزارعين، وتطوير مراكز التسويق وتحسين تنافسية المنتج الزراعي المحلي مما يسهم في رفع معدلات الأمن الغذائي على مستوى الإمارة.

وثيقة السياسة الزراعية
وحسب ما ورد في وثيقة «سياسة الزراعة وسلامة الغذاء في أبوظبي» الصادرة في أبريل الماضي عن «جهاز أبوظبي للرقابة الغذائية»، فإن قطاع الزراعة يعد ضمن القطاعات الاستراتيجية في إمارة أبوظبي، ويكتسب أهميته من دوره المنشود في تنويع الاقتصاد ليشمل القطاعات غير النفطية والمساهمة في إمدادات الغذاء والأمن الغذائي وأيضاً لما تتضمنه الزراعة من بعد اجتماعي كبير وارتباطها بالموروث الثقافي والتراثي للسكان.

استدامة مصادر المياه
ولأن المعدل المطري في الإمارة يقل عن 100 مليمتر سنوياً، ومعدل تجدد المياه الجوفية يقل عن 4 في المئة سنوياً، يتبنى جهاز أبوظبي للرقابة الغذائية مبادرات لترشيد استهلاك المياه في القطاع الزراعي، كمنع تسويق أعلاف الرودس التي تستهلك كميات ضخمة من المياه الجوفية، ونشر مفهوم الممارسات الزراعية الجيدة وفق مواصفات تعرف بـ«جلوبال جاب»، وتقنين استهلاك المياه في ري النخيل، وتحديث شبكات الري، وتفعيل تقنيات ذكية لحساب الاستهلاك الفعلي للمياه داخل المزارع، وإجراء دراسة على مياه الصرف الصحي المعالجة، لري 143 مزرعة، لكبح استنزاف مخزون المياه الجوفية بالإمارة.




«البيوت المحمية»
ارتفع عدد البيوت المحمية في الإمارة في عام 2015 ليصل - حسب تقرير لجهاز أبوظبي للرقابة الغذائية- إلى 16715 بيتاً محمياً بعدما كان العدد 10114 بيتاً في عام 2013 منها 10390 في مدينة العين، و4220 بيتاً محمياً في المنطقة الغربية و2105 بيتاً محمياً في مدينة أبوظبي. وبفضل الدعم الكبير لصندوق خليفة لتطوير المشاريع، استطاع المزارعون في أبوظبي تدشين بيوت محمية تستخدم تكنولوجيا متوسطة إلى متطورة تتميز باستخدام أنظمة التظليل وأجهزة استشعار درجة الحرارة والرطوبة التي ترصد الظروف داخل البيت المحمي علاوة على ميكنة العمليات لضمان ظروف النمو المثالية في جميع الأوقات. وحسب تقرير لمركز الإحصاء عن استخدامات الأراضي الزراعية 2015 استند فيه لبيانات جهاز أبوظبي للرقابة الغذائية، فإن المساحات المزروعة بالخضراوات في البيوت المحمية قد نمت مساحتها من 3375 دونماً عام 2011 إلى 5558 دونما عام 2015.




الزراعة العضوية
وتأتي الزراعة العضوية من بين المبادرات التي تهدف إلى الحد من استخدام المواد الكيماوية كالأسمدة والمبيدات من أجل الحفاظ على صحة الإنسان والبيئة والاستخدام الأمثل للموارد، وتحقيق التكامل بين الإنتاج النباتي والحيواني، وحماية الحياة الفطرية وضمان التنوع البيولوجي داخل المزرعة. ويرى مركز خدمات المزارعين بأبوظبي، أن الزراعة العضوية تعزز العلاقة بين الأنظمة البيئية وخصوبة التربة للحفاظ على صحة الإنسان، من خلال الاستخدام الأمثل للتنوع الحيوي والدورات الزراعية المناسبة للظروف المحلية، وعدم استخدام المبيدات الكيميائية والأسمدة المركبة والمدخلات المعدلة وراثياً.


وتتطلب الزراعة العضوية الحفاظ على التربة السليمة، وهو ما يمكن تحقيقه بتنويع المحاصيل عاماً بعد عام، وربط الأراضي الزراعية برعي الماشية. وتجنب استخدام المبيدات عن طريق رعاية وجود الكائنات التي تتحكم في الآفات التي تدمر المحاصيل. وضمن هذا الإطار أصدرت وزارة البيئة تشريعات وطنية تضمن تحقيق المعايير العالمية الدولية لمنح شهادات الإنتاج العضوي، وهذه الشهادات تقوم هيئة الإمارات للمواصفات والمقاييس بمنحها للمزارعين. ونتيجة الجهود الحكومية الرامية إلى تشجيع الزراعة العضوية ازداد عدد المزارع العضوية في الدولة ليصل إلى 54 مزرعة للإنتاج النباتي و3 مزارع للإنتاج الحيواني العضوي، ونمت مساحات المزارع العضوية من 218 هكتاراً عام 2007 إلى 3920 عام 2013 و4.286 هكتاراً عام 2014. وحسب مركز خدمات المزارعين بأبوظبي، فإنه في أواخر عام 2015، بلغ عدد المزارع العضوية في الإمارة 30 مزرعة حاصلة على شهادة تسجيل المنتجات العضوية من هيئة الإمارات للمواصفات والمقاييس.


«مركز الزراعة العضوية»
وحظيت الزراعة العضوية باهتمام كبير من حكومة أبوظبي، ففي 19 نوفمبر 2006 أصدر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي قراراً يقضي بإنشاء «مركز الزراعة العضوية» يتبع لديوان ولي العهد يكون مقره إمارة أبوظبي. وتنوعت المنتجات الزراعية العضوية لتصل إلى 60 صنفاً تتصدرها التمور والطماطم والشمام. ويتطور الإنتاج العضوي المحلي في دولة الامارات، حيث يتم إنتاج العديد من المنتجات العضوية المحلية مثل الخيار والخس والفلفل وغيرها، وهي متوفرة في الأسواق وفق المعايير الدولية، ويسهل تمييز هذه المنتجات في الأسواق المحلية من خلال الشعار الوطني عضوي organic المرفق بعبوات التسويق. حققت مزارع أبوظبي العضوية المركز الأول في المسابقة العالمية للعسل العضوي التي أقيمت خلال شهر فبراير 2011 الماضي بجزيرة صقلية بإيطاليا، وذلك بمشاركة أكثر من 186 دولة من مختلف أنحاء العالم، وذلك من خلال مشاركتها بعسل السدر العضوي الذي تنتجه منذ العام 2007.

اتجاه عالمي
وحسب أحدث تقرير للمنظمة الدولية للزراعة العضوية (IFOAM) بلغت مساحة الأراضي الزراعية العضوية في العالم 43.7 مليون هكتار في 2014، مقارنة بـ 11 مليون هكتار في 1999، وتتصدر أستراليا القائمة بـ(17.2 مليون هيكتار في 2013)، تليها الأرجنتين (3.1 مليون هكتار)، ثم الولايات المتحدة (2.2 مليون هكتار في 2011). ووصلت حصة الزراعات العضوية من إجمالي الأراضي الزراعية في العالم 0.99? حسب إحصاءات عام 2014. ونما عدد المزارعين المتخصصين في الإنتاج العضوي في العالم وصل إلى 2.3 مليون مزارع في 2014، مقارنة بـ 200 ألف مزارع في 1999
الهند (650 ألف منتج في 2013) وأوغندا (190.5 ألف منتج) والمكسيك (169.7 ألف منتج في 2013). وتشير المنظمة في أحدث تقاريرها إلى أن حجم سوق الزراعات العضوية في العالم بلغ 80 مليار دولار في 2014، مقارنة بـ 15.2 مليار دولار في 1999. وتتصدر الولايات المتحدة السوق العالمي للإنتاج العضوي (35.9 مليار دولار، تليها ألمانيا 10.5 مليار دولار، ثم فرنسا 6.8 مليار دولار.

أكبر مزرعة نخيل عضوية
والجدير بالذكر أن شركة «الفوعة» إحدى شركات «صناعات» الشركة القابضة العامة-أبوظبي، واتخذت العين مقراً رئيسياً لها قررت في مايو 2005 تحويل مزرعة الفوعة للتمور في العين من نظام الزراعة التقليدية إلى العضوية، لتصبح أكبر مزرعة نخيل عضوية بالعالم، وتبلغ مساحتها الإجمالية 1321 هكتاراً، وتعتمد على أحدث الأساليب الزراعية لزراعة النخيل وإنتاج التمور، وتطبق أنظمة الزراعة العضوية وفقاً للمواصفات العالمية. وقد نالت المزرعة شهادة الهيئة المخولة من الاتحاد الدولي لمنح التصديق على المزارع العضوية «إيكوسيرت» في يونيو 2008.


وفي 11 سبتمبر 2009 قدمت (مؤسسة الإمارات) دعماً بقيمة مليون درهم من أجل تمويل 6 بحوث علمية جديدة في كلية الأغذية والزراعة بجامعة الإمارات من بينها بحث حول الزراعة العضوية في الدولة بإبعاده الاقتصادية بالتواصل مع المواطنين ممن لديهم خبرات تراكمية ورؤية استشرافية لمستقبل الزراعة العضوية في الإمارات. ويتضمن البحث إقامة تجربة حية للزراعة العضوية بمحطة التجارب الزراعية بمزرعة كلية الأغذية والزراعة في منطقة الفوعة لإنتاج محاصيل عضوية وفق المعايير العالمية التي تعتمدها وزارة البيئة والمياه آنذاك وتتبع خطوات إصدار شهادة المنتج العضوي. وهذه النقلة التي أقدمت عليها «الفوعة» تكتسي أهمية كبيرة لأن الإمارات بها 40 مليون نخلة وتساهم بما قيمته 6 في المئة من الإنتاج العالمي للتمور، وفي إمارة أبوظبي وحدها توجد 33 مليون شجرة نخيل.
ولدى وزارة التغير المناخي والبيئة قناعة بأن دعم الزراعة العضوية يهدف لتعزيز استدامة الإنتاج المحلي وفي الوقت نفسه تعزيز سلامة الغذاء وحماية البيئة وضمان توفير منتجات تلبي احتياجات المستهلكين. ومن خلال «برنامج تنمية مجتمع المزارعين» تدعم الوزارة المواطنين الراغبين في تطبيق الزراعة العضوية بتوفير مستلزمات الإنتاج بنصف السعر، وتسعى الوزارة إلى زيادة المساحات المزروعة بمعدل سنوي يصل 5 في المئة وهذه الزيادة كانت هدفاً في الخطة الاستراتيجية للوزارة خلال الفترة من 2014 إلى 2016.


الزراعة العضوية..أفق الاستدامة

وحول واقع الزراعة العضوية، يرى راشد سليّم الكتبي، وهو صاحب مزرعة بمنطقة ناهل في العين، أن اهتمامه بالزراعة العضوية جاء من خلال انخراطه بالزراعة كعمل متوارث داخل العائلة، وبدأت تجربته العملية في عام 1995، آنذاك حصل على مزرعة كمنحة من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، كان في البداية ينتج محاصيل بنظام الحقل المفتوح في إطار زراعة تقليدية. لكن قرر منذ عشر سنوات تحويل مزرعته إلى النظام العضوي بشكل كامل، أي من دون استخدام مبيدات ولا أسمدة ولا بذور محسنة أو معدلة وراثياً. مساحة المزرعة 33 دونماً (الدونم قوابة 1000 متر مربع)، ويستخدم الكتبي نمط البيوت المحمية والحقول المفتوحة، ويرى أن الأخيرة تشغل حيزاً أفقياً، أما الأولى فتشغل حيزاً رأسياً. في عام 2006 بدأ الكتبي في الزراعة العضوية لإنتاج احتياجاته المنزلية من الخضراوات، وبعدها طوّر إنتاجه بحيث يتسع على نطاق تجاري، وذلك بطلب من المستهلكين أنفسهم، ممن يبحثون عن زراعة تنتج محاصيل عضوية. في البداية لم تكن هناك شهادات للإنتاج العضوي، وكان الأمر يتعلق - كما يقول الكتبي- بـ«ضمير المزارع». بحيث يكون هو الضمانة الوحيدة لسلامة المنتج العضوي وعدم تلوثه. الكتبي مقتنع تماماً بالزراعة العضوية، وازداد اهتمامه بها بعدما صارت محور تركيز وزارة البيئة (التغير المناخي والبيئة)، والتي تهتم بإصدار شهادات محلية لضمان زراعة عضوية سليمة مطابقة للمعايير الدولية.



وأكد الكتبي أن انهماكه في الزراعة العضوية، جعله يهتم كثيراً بمواسم الإنتاج، المرتبطة في منطقة الخليج بظهور «نجم سهيل»، في يوم 24 أغسطس من كل عام، والذي يعتبر بداية لانكسار موجة الحر، وبدأ انخفاض درجة حرارة الماء وزيادة طول الليل والبدء في انخفاض ساعات النهار، وهذه الظروف توفر فرصة جيدة للزراعة، حيث تصبح درجات الحرارة معقولة بالنسبة للنباتات، ومن ثم يقل البخر والفاقد من مياه الري. ويقول الكتبي إن البذور التي تستخدم في إنبات المحاصيل العضوية يتم استيرادها من أوروبا، وهي غير معدلة وراثياً ولم يتم معالجتها كيماوياً، وهي لا تزال مكلفة للغاية في الخضراوات مثل الفلفل والخيار والكوسة. لكن بذور الورقيات مثل البقدونس والجرجير فيتم إنتاج بذورها محلياً. وفي منطقة ناهل، حيث مزرعة الكتبي، يوجد مركز لخدمات المزارعين يقدم إرشاداً زراعياً ويشرف على إنتاج المحاصيل.

وعن مسألة التسويق، يشير الكتبي إلى أنه يتعاقد بشكل فردي مع مطاعم أو مؤسسات تبحث عن منتجات عضوية، وهو ينتج الطماطم والفلفل والفاصوليا في البيوت المحمية، أما الذرة والبطيخ والشمام والورقيات كالبقدونس والخس والجرجير فيقوم بزراعتها بنظام الحقل المفتوح.



أسمدة عضوية
الكتبي يستخدم سماد عضوي في مزرعته ويحصل عليه من مصانع معتمدة ولديها شهادات تؤكد أن السماد الذي تنتجه عضوي. وهناك مصادر أخرى للسماد منها مخلفات الماشية وكذلك «الكمبوست» الذي يتم تصنيعه من مخلفات النباتات كالجذور والسيقان بعد حصاد محصولها، ويلفت الكتبي الانتباه إلى أهمية ما يعرف بالدودة الحمراء التي تتغذي على مخلفات المزرعة وتنتج سماداً طبيعياً وتحفر أنفاقاً بالقرب من جذور النباتات ما يساهم في تهوية التربة، والدودة موجودة بشكل طبيعي بالمزرعة. وبالنسبة للمبيدات العضوية يستخدم الكتبي الفلفل الحار والثوم والزنجبيل لمقاومة بعض الآفات الزراعية. وفي حالة تعرض المحصول للإصابة بالذبابة البيضاء يمكن استخدام ما يعرف بالفخ اللاصق لمنع انتشارها، أو الفخ الأصفر، ويمكن خداع الحشرات الضارة من خلال تغيير طعم ورائحة النباتات التي تصيبها برش مسحوق البصل على النباتات لتغيير طعمها ومن ثم تنفير الحشرات، كما أن هناك حشرة تعرف بـ«أبو العيد» تتغذي على حشرة المن الضارة، وبهذه تكون وسائل مكافحة الآفات طبيعية ومن البيئة أي مستدامة.








التكامل في الزراعة العضوية
ويأكد الكتبي الذي يحب أن يقوم بنفسه بأدق تفاصيل العمل الزراعي، على أهمية عنصر التكامل داخل المزرعة الواحدة بين النباتات والماشية وكذلك النحل، فالأخير يمكن أن يلعب دوراً في الزراعة العضوية خاصة في نقل حبوب اللقاح بدلاً من استخدام الأيدي العاملة في التلقيح أو استخدام مركبات هرمونية ضارة. كما أن الماشية تستطيع تزويد المزرعة النباتية بالسماد العضوي، في حين تحصل مزرعة الماشية على الأعلاف الطبيعية من المزرعة، وهكذا، تصبح هناك دورة عضوية طبيعية داخل المزرعة الواحدة، تضمن التنوع البيولوجي وتحقق الاستدامة وتقلل تكلفة الإنتاج يوماً بعد يوم. وبالنسبة للحفاظ على التربة، فإن تنويع المحاصيل يضمن تزويد التربة بالعناصر التي تستهلكها النباتات وتجديدها، فمثلا محصول الباذنجان يضعف بعض مكونات التربة، وفي هذه الحالة يمكن زراعة محصول البرسيم أو أي نوع من البقوليات لتزويد التربة بعناصر مهمة مثل النيتروجين، ما يعزز الاستدامة. ويطمأن الكتبي المستهلكين بعدم التأثر بحجم الثمار العضوية كبيرة كانت أم صغيرة، فمن المحتمل أن الحجم يتأثر بمدى نجاح المزارع في توزيع المحصول على مساحة الأرض والتحكم الجيد في كثافته، فعندما تقل كثافة النباتات تكبر ثمارها والعكس صحيح. وعند تسويق المنتجات العضوية لا بد من سلامة نقلها واستخدام وسائل تمنع تلوثها بعوادم السيارات أو الرصاص، وينبغي نقل المنتجات في برادات، واستخدام غرف للتعبئة والتغليف تضمن وصول المنتجات بشكل آمن ونظيف لمستهلكيها. الكتبي نجح عام 2014 في تشكيل مجسم لعلم الدولة من خلال استخدام ثمار منتجات عضوية، ويعد هو أول مزارع يقوم بهذه الخطوة.. ويشير الكتبي إلى وجود سوق سنوي في دبي للمحاصيل العضوية مقره في منطقة «الداوتن تاون» في حديقة قريبة من «برج خليفة»، يبدأ في شهر ديسمبر من كل عام ويستمر لشهر مايو ويعرض المحاصيل العضوية بأسعار منافسة، تجذب الأجانب في هذا التوقيت من العام.

ويتوجه الكتبي بالشكر لبلدية العين لأنها وفرت له مساحة لتسويق منتجاته في حديقة ألعاب الهيلي، وهو ما يراه محاولة لاسترجاع منطق السوق الشعبي بالأماكن العامة. الكتبي يطمح في أن يصل سعر المنتج العضوي إلى نفس سعر المحاصيل الزراعية العادية، علماً بأن الوعي بأهمية المنتجات العضوية ودورها في حماية الصحة والاستدامة بدأ يتنامى.
الزراعة العضوية من وجهة نظر الكتبي هي التي تحترم الخصاص المناخية للمكان وتستفيد من التقنيات الجديدة. وأشار، الكتبي كمزارع متخصص في المحاصيل العضوية إلى معرض «سيال» بأبوظبي، ومعرض دبي الدولي للمنتجات العضوية.

استشارة متواصلة
وعن تجربته في الزراعة العضوية، يقول حمد أحمد الفلاسي، من بوكرية في منطقة الوقن بالعين، إن هناك عوامل تلعب دور في الزراعة العضوية مثل المناخ والتربة، التي تختلف نوعيتها من منطقة إلى أخرى في الدولة، ما يعني أن هناك فرقاً بين مزرعة وأخرى. ويرى الفلاسي أن هذا النوع من الزراعة يتطلب الاستشارة وأيضاً الإطلاع المستمر لمتابعة كل ما هو جديد، ومن المهم التركيز على الواقع الزراعي المحلي بمعني أنه يختلف عن تجارب أخرى في الزراعة العضوية في مناطق باردة في أوروبا مثلاً. ويشيد الفلاسي بدور المؤسسات الحكومية في توفير البنية التحية اللازمة للزراعة، ما أدى إلى توفير ما تحتاجه البيئة الزراعية الناجحة من مستلزمات.



الفلاسي الحاصل على ماجستير في المحاسبة أكد أن الخبرة في الزراعة العضوية تتنامى لدى المزارع عاماً تلو الأخر، فكل سنة تمر عليه في هذا المجال تصقل خبرته. فكرة الزراعة العضوية لدى «الفلاسي» جاءت من قناعته بأنها الأفضل لخدمة البيئة وسلامة صحة الإنسان، فالزراعة التقليدية تعتريها مشكلات كالإسراف في استخدام الأسمدة والمبيدات ما قد يلوث التربة وربما ينتقل إلى المياه الجوفية عبر مياه الري، ما يلحق الضر بالأجيال القادمة خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن الملوثات التي تتبقى في التربة تستمر لفترة طويلة. الزراعة العضوية تعد الأفضل من حيث الحفاظ على صحة الإنسان وضمان الاستدامة، والحفاظ على التنوع البيولوجي، على سبيل المثال توجد بعض الحشرات الصغيرة التي تلتهم بعض الآفات الزراعية، لكن عند استخدام المبيدات في الزراعات التقليدية، عادة ما تموت الحشرات النافعة، وفي المقابل تنمو الآفات الضارة التي تلحق الضرر بالمحاصيل. ويلفت «الفلاسي» الانتباه إلى تنوع المحاصيل في الزراعة العضوية، حيث نجح في إنتاج أنواع من الخضراوات والفلفل والبطيخ والطماطم وبعض الأعشاب مثل الزعتر والمراميه. ويقول «الفلاسي»: أصبحت الزراعة العضوية أفضل من ذي قبل، بسبب تنامي إدراك المجتمع لمزايا هذه النوع من الزراعة في مجال الاستدامة والحفاظ على البيئة وصحة الإنسان، وكونها تضمن استخداماً أفضل للمياه.



ويشيد الفلاسي بالدعم الذي تقدمه المؤسسات الحكومية في أبوظبي والذي من خلاله يتم تشجيع الزراعة العضوية ومن دون هذا الدعم يصعب تطوير الزراعة العضوية. ولديه قناعة بأهمية دور المزارع، فهو المحور الرئيسي للتنمية الزراعية.

من كندا إلى «ليوا»
ويقول حميد الهاملي، وهو صاحب مزرعة في محضر شاه في ليوا بالمنطقة الغربية إنه درس في كندا وحصل من جامعة «سيدني» على دبلوم «العلوم البيئية والصحية»، وأدرك من خلال مراكز التسوق الكندية أهمية المنتجات العضوية، وحصل على مزرعة في عام 2006 مساحتها 40 دونماً، ونجح بالفعل في زراعة نوعين من الطماطم بالطريقة العضوية، وتمكن من إنتاج البصل الأبيض والفجل والكوسة والملفوف الأحمر والخس الأميركي والذرة والبطاطا، ونجح في تخزين الذرة والبطاطا والطماطم، بحيث يتم استهلاكها خلال فترات طويلة. ولفت الهاملي الانتباه إلى أنه يقوم بالزراعة من أجل تلبية احتياجاته المنزلية، ويسوق الفائض داخل المنطقة التي يقيم فيها. وأكد الهاملي على أن مراعاة الصحة العامة في الإنتاج الزراعي مسألة يحكمها ضمير المزارع أولاً وأخيراً. ففي الزراعات التقليدية يتم استخدام المبيدات والأسمدة الكيماوية التي تؤثر سلباً على الصحة، خاصة عندما يجهل بعض العاملين في القطاع الزراعي خطرها، ومن ثم يطالب بضرورة ترجمة النشرات الإرشادية المرافقة للمبيدات بلغات العمالة الزراعية خاصة الآسيوية، فغالبا ما تكون هذه النشرات بلغتين فقط، الانجليزية والعربية. في الزراعة العضوية يلجأ المزارع للأسمدة العضوية كمخلفات مزارع الدواجن العضوية، وهناك أسمدة تأتي من إيطاليا مكونها الأساسي بهارات طبيعية، وبالنسبة للمبيدات العضوية، يقول الهاملي إن مكوناتها عادة ما يتم تحديثها من فترة لأخرى. ولدى الهاملي قناعة بأن أكبر مكسب في الزراعة العضوية أن الأسرة تحصل على منتج صحي طبيعي خالٍ من الملوثات.

إطار قانوني للزراعة العضوية
ولأن الزراعة العضوية تتطلب شروطاً ومعايير واضحة كي تكسب ثقة المستهلكين وتحقق الأهداف المرجوّة منها، سنّت الدولة تشريعات واضحة لتنظيم الإنتاج العضوي، وضمن هذا الإطار نجد القانون الاتحادي رقم 5 لسنة 2009 في شأن المدخلات والمنتجات العضوية. والقرار وزاري رقم (84) لسنة 2012 بشأن اللائحة التنفيذية للقانون الاتحادي رقم (5) لسنة 2009 في شأن المدخلات والمنتجات العضوية. والقرار الوزاري رقم (103) لسنة 2012 بشأن اعتماد العلامة التجارية (عضوي، Organic) للمدخلات والمنتجات العضوية. وقرار رئيس مجلس إدارة رقم (6) لسنة 2012م باعتماد النظام الإماراتي للتصديق على مدخلات ومنتجات الأغذية العضوية. والقرار الوزاري رقم (236) لسنة 2014 في شأن إجراءات تسجيل واستيراد المبيدات. والقرار الوزاري رقم 768لسنة 2014 بشأن تنظيم استيراد وتداول مدخلات ومنتجات الاغذية العضوية.




خطوات الحصول على العلامة العضوية
يقوم المزارع بتقديم طلب الإنتاج العضوي إلى هيئة الإمارات للمواصفات والمقاييس، وبعدها تُجري الأخيرة تفتيشاً على المزرعة للتأكد من مطابقتها لمتطلبات الإنتاج العضوي المعمول بها في الدولة، ومن ثم تمنح الهيئة شهادة المنتج العضوي بعد التأكد من معايير التحول إلى الإنتاج العضوي.



الزراعة المائية
ويُعرّف بمركز خدمات المزارعين بأبوظبي، الزراعة المائية بأنها نظام لإنتاج المحاصيل الزراعية من دون تربة وباستخدام المواد المغذية في مياه الري، وهذا يسمح بزراعة مكثفة بإنتاجية عالية في وحدة المساحة، وبمقدور الزراعة المائية اتاحة بعض المحاصيل في غير مواسمها الطبيعية ومن ثم يكون مردودها الاقتصادي عالياً.



الزراعة المائية (هايدروبنيك) تسهم في الحد من استهلاك الماء، خاصة في إنتاج الخضراوات، على سبيل المثال، فإن طرق الزراعة التقليدية تستهلك 360 لتراً من المياه لإنتاج كيلوجرام واحد من الطماطم، بينما تستهلك الزراعة المائية 12 لتراً من المياه لإنتاج الكمية نفسها. ومن مزايا هذا النوع من الزراعة أنه يوفّر مياه الري ومن ثم تكلفة الإنتاج، ويتغلب على مشكلة فقر التربة، حيث يمكن استخدامه في الأماكن التي لا تصلح للزراعة، والتوفير في استهلاك عنصر الفوسفور وهو عنصر رئيسي في مجال الأمن الغذائي لكنه غير متجدد، والفسفور مهم لمختلف العمليات الحيوية كالتمثيل الضوئي وانقسام الخلايا وتكوين البذور ونقل الصفات الوراثية...ومن مزايا الزراعة المائية بأنها تمكن من إنتاج عدد كبير من النباتات داخل مساحة محدودة، حيث يتم استخدام أنماط جديدة مثل الزراعة المتدرجة (الزراعة على الرفوف) أو الزراعة داخل الأنابيب.

تاريخ طويل

الزراعة المائية ليست جديدة، فأول كتاب تطرق إليها صدر عام 1627 للعالم والفيلسوف ورجل الدولة البريطاني فرانسيس باكون، وفي عام 1699 نشر جون ودورد تجاربه عن الزراعة المائية ووجد أن النباتات التي تنمو في الماء غير المقطّر أفضل من تلك التي تنمو في ماء مُقطّر. وظهر مصطلح «الزراعة المائية» عام 1937 على يد الأكاديمي الأميركي وليام فريدريك من جامعة كاليفورنيا. وفي عام 1950 طور الأكاديمي الأميركي دينيس هوجلاند مجموعة من المحاليل المغذية لاستخدامها في الزراعات المائية، ولا تزال تستخدم في الوقت الراهن، لكن بتعديلات تضمن ملائمتها لنوع المحصول المراد إنتاجه.



ويبد أن الشغف بهذا النوع من الزراعة لم يتوقف عند المتخصصين في الإنتاج الزراعي فقط، حيث أجرت وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» عام 1970 مجموعة من الأبحاث على الزراعة من دون تربة وطورت في العام نفسه نظاماً يعرف بالزراعة الهوائية. وتحتاج الزراعة المائية إلى بيوت محمية وملحقاتها من نظم تبريد وخزانات ري، وتوفير محاليل مغذية، ومستلزمات لخدمة النباتات من خيوط تربيط، وتوفير بيئات للزراعة من خلالها يمكن زرع الشتلات. وتحتاج الزراعة المائية ما يعرف بـ«الأوساط الزراعية» أو البيئة التي ينمو فوقها النبات، وينبغي أن تكون هذه الأوساط جيدة الصرف والتهوية ولها قابلية للاحتفاظ بالماء، وأن تكون خالية من الإصابات المرضية وبذور الأعشاب وأن تكون خفيفة الوزن وخالية من الأملاح الضارة.

تقنية رسمية منذ 2009

تم إدخال نظام الزراعة المائية (من دون تربة) أو (الهيدروبونيك) عام 2009 كأسلوب جديد في الزراعة، بل اعتبرته وزارة البيئة تقنة زراعية رسمية، علماً بأن الوزارة اهتمت بأبحاث الزراعة من دون تربة منذ عام 2007. وبلغ عدد هذا النوع من المزارع أكثر من 200 مزرعة في الدولة بنهاية عام 2012.، وتنوعت منتجات الزراعة المائية لتشمل الخيار والطماطم والفلفل الأحمر والملون والشمام والفراولة والخس. وفي إطار تشجيع المزارعين على تطوير زراعات مائية، أطلق وزارة البيئة مبادرة «إنتاجنا» في فبراير 2014 لتقديم الخدمات الإرشادية والفنية والخدمات للمزارعين، عبر زيارات ميدانية للكوادر الفنية المتخصصة لتعظيم المكاسب من وراء الزراعات المائية. وفي يونيو 2011، اتجه جهاز أبوظبي للرقابة الغذائية نحو التشجيع على ممارسة الزراعة المائية التي تسهم في حماية البيئة وترشيد استهلاك المياه، من خلال تقديم مبلغ 10 آلاف درهم لأصحاب المزارع المائية الحائزين شهادة أفضل الممارسات الزراعية العالمية. وتجدر الإشارة إلى أن وزارة البيئة والمياه وزعت خلال عامي 2010 و2011 على المزارعين في مختلف مناطق الدولة 290 بيتاً محمياً. وفي 23 مارس 2013 افتتح مركز خدمات المزارعين بأبوظبي مزرعتين إرشاديتين تم تطبيق نظام الزراعة المائية الحديثة فيهما في منطقتي حصان والثروانية بالمنطقة الغربية. كما أطلقت وزارة البيئة في عام 2015 صفحة للزراعة من دون تربة على موقع المرشد الزراعي الإلكتروني التابع للوزارة. وفي 18 يناير 2015، وافق «صندوق خليفة لتطوير المشاريع» على تمويل 130 مزرعة مائية بقيمة بلغت 130 مليون درهم، وذلك ضمن برنامج «زرعي» الذي أطلقه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، من أجل الحد من استهلاك المياه وتعزيز الأمن الغذائي للدولة. البرنامج يسعى لتمكين المواطنين العاملين في القطاع الزراعي ومساعدتهم على تطوير مزارعهم باستخدام أحدث القنيات القائمة على خفض استهلاك المياه. ويقول مركز خدمات المزارعين في أبوظبي: توجد في الإمارة 104 مزارع مائية حسب إحصاءات تعود لأواخر عام 2015.



تجارب عملية
وعن تجربته في الزراعة المائية، يقول حسن الزعابي، صاحب مزرعة مائية في منطقة الختم على طريق (أبوظبي- العين)، إنه بدأ الزراعة في«المحميات» أو الصوب الزراعية عام 2012، وقبل هذا التاريخ كان منهمكاً في الزراعات التقليدية أو الزراعات المفتوحة.. وفي عام 2014 انتشرت فكرة المزارع المائية في الدولة، وضمن هذا الإطار، يقول الزعابي: حصلت على دعم من مبادرة «زرعي» برعاية «صندوق خليفة»، ومن خلال المبادرة حصلت على دعم مادي وفني وأيضاً في مجال التسويق الزراعي. مبادرة «زرعي» يقول الزعابي تقدم مليون درهم، وهو مبلغ كاف لتجهيز 12 بيتاً محمياً بكافة مستلزماته، خاصة جهاز الحاسوب الذي يضبط كميات المياه والسماد. وقبل البدء في تشغيل المزرعة، يقدم مركز أبوظبي لخدمات المزارعين ضمن مبادرة «زرعي» المشورة للمزاع، من خلال دورة توعوية عن الزراعة المائية وأهدافها ويتم إطلاع المزارع على عدد من الشركات التي تقدم له عروضا سعرية لتجهيز المحميات، وطرح مستلزماتها، وهذا كله بإشراف «خدمات المزارعين». الزعابي تخصص في إنتاج الخيار والطماطم، ومن فترة لأخرى يقون بتجريب محاصيل جديدة واختبار مدى ملائمتها للسوق المحلي. ويلفت «الزعابي» الانتباه إلى الخدمة التسويقية التي يقدمها «مركز أبوظبي لخدمات المزارعين»، حيث يقوم بإبرام عقود لاستلام المحصول وتسويقه، على أن يقوم المزارع بتصنيف المنتج في فئات كـ«درجة أولى» و«ثانية» وهكذا.. ويساهم المركز في الإشراف على جودة المحصول من حيث خلوه من المبيدات الضارة وتحديد نوعيته.







تابع بقية الملف هنا