الاتحاد

ثقافة

حقيبة الثقافة بين يديّ «عدوة الإخوان»

إيناس عبد الدايم

إيناس عبد الدايم

إيهاب الملاح (القاهرة)

لم يكن اختيار الفنانة، والموسيقية ذائعة الصيت، وعازفة الفلوت العالمية، ورئيسة دار الأوبرا المصرية، د. إيناس عبد الدايم وزيرة للثقافة المصرية، ضمن التعديل الوزاري المحدود الذي أجري مطلع الأسبوع الجاري مفاجئاً للوسط الثقافي المصري، بقدر ما كان مبهجاً ومثيراً للتفاؤل «الحذِر»، وتضاعف طاقة أمل كادت تخبو لأسباب عديدة.
لاعتبارات الظرف العام ومسارات الأمور خلال السنوات الخمس الأخيرة، يعد اختيار إيناس عبد الدايم لحقيبة الثقافة الرسمية المصرية أمراً جديراً بالاحتفاء، فهي أول امرأة تتولى منصب وزيرة الثقافة منذ ظهور كيان يحمل هذا الاسم، وهي واحدة من ست وزيرات دفعة واحدة يتولين حقائب وزارية في حكومة المهندس شريف إسماعيل الحالية، وهو أمر لم يحدث في تاريخ الوزارات المصرية الممتد، من قبل!
لعل هذا ما دفع بهيئة الأمم المتحدة للمرأة في مصر أن تصدر بياناً خاصاً تهنئ فيه الوزيرتين المنضمتين حديثاً للحكومة المصرية؛ إيناس عبد الدايم للثقافة، ورانيا المشاط للسياحة؛ جاء في البيان: «يسر هيئة الأمم المتحدة للمرأة في مصر انضمام وزيرتين جديدتين لمجلس الوزراء المصري؛ وهما الدكتورة إيناس عبد الدايم التي تولت وزارة الثقافة، والدكتورة رانيا المشاط كوزيرة للسياحة مما يزيد نسبة السيدات في مجلس الوزراء 20 %، وتعتبر هذه المرة الأولى لتولي سيدات منصب الوزيرة في كلتا الوزارتين».
كما أصدرت نقابة المهن السينمائية المصرية، برئاسة المخرج مسعد فودة، رئيس اتحاد الفنانين العرب، بياناً رسمياً عبرت فيه عن أملها في «أن يحالف التوفيق الفنانة الدكتورة إيناس عبد الدايم وزيرة الثقافة لما عرف عن إسهاماتها الوطنية من خلال دورها كفنانة عالمية رفعت اسم مصر في المحافل الدولية وعملها رئيساً لدار الأوبرا المصرية بإخلاص ودأب لسنوات متصلة حققت خلالهما الكثير واستحقت إشادة واحترام الجميع».
حسنٌ، هذا رائع كله، لكن بعض التأمل فيما بين الوزيرين، السابق والحالي قد يضيء مساحات تسمح لنا بقراءة المشهد واستشراف ما يمكن أن تؤول إليه الأمور في الفترة القادمة!
جاءت إيناس عبد الدايم خلفاً للوزير السابق، الكاتب الصحفي حلمي النمنم، الذي تولى المنصب في سبتمبر من العام 2015، وحتى يناير 2018.. خلال هذه الفترة، لم يكن النمنم على مستوى طموح الوسط الثقافي الذي أعلن غالبيته حين أُعلن عن توليه منصب الوزارة ترحيبه بالنمنم وقبوله وزيراً، وأبدوا تفاؤلاً كبيراً لاعتبارات الشخصية ذاتها وتاريخها، ومكانتها وإسهامها الثقافي المقدر، لكن التجربة لم تسِر إلى ما كان يطمح إليه الجميع. البعض وصف هذه الفترة التي تولى فيها النمنم بـ«الركود الكبير»، والبعض الآخر اعتبر أن «الثقافة المصرية الرسمية غابت عن الوجود. تماماً!»، فيما شن بعضهم هجوماً عنيفاً وحاداً على النمنم واعتبروه في منصبه الوزاري قد تراجع عن ما كان يؤمن به سابقاً ويدعو إليه! فقالوا إن المثقف العلماني هادر الصوت قد تراجع عن علمانيته، ومالأَ التيارات السلفية الجامدة والمحافظة. وتراجعت في عهده كل فعاليات الثقافة الحقيقية، وصارت أقرب إلى الشكل الفارغ منها إلى المحتوى الحقيقي والفعالية المؤثرة، فضلاً على التراجع الكبير، بل توقف أنشطة وفعاليات لم يدر بخلد أحد أنها يمكن أن تتوقف أو تتراجع فضلاً على خفوتها من الأساس!

فماذا عن إيناس والوزارة؟
إيناس عبد الدايم من ألمع وجوه الثقافة المصرية الرسمية، هي رئيسة دار الأوبرا المصرية، فضلاً على كونها واحدة من أمهر العازفات في العالم على آلة «الفلوت». شهرة عبد الدايم واسعة وقديمة، تتمتع بشبكة علاقات اجتماعية وفنية وإنسانية هائلة، ثمة إجماع على نشاطها وحركيتها الدائمة الدائبة، مواقفها إبان فترة حكم الإخوان معروفة ومشهورة، وكان قرار إقالتها من منصبها كرئيسة لدار الأوبرا الذي أصدره وزير الثقافة الإخواني الأسبق علاء عبد العزيز، هي الشرارة التي ألهبت المثقفين فقاموا باعتصامهم الشهير بـ«اعتصام وزارة الثقافة» قبل أيام من 30 يونيو التي أطاحت بالإخوان!
كانت كلمة المثقفين واحدة؛ وموقفهم واحداً، فبعد أن أطاح الوزير المتأخون بأبرز مسؤولي المؤسسات الثقافية آنذاك (أحمد مجاهد من رئاسة الهيئة العامة للكتاب، وأنور مغيث من رئاسة المركز القومي للترجمة، وأخيراً إيناس عبد الدايم من رئاسة دار الأوبرا المصرية) كانت الانتفاضة في وجه الوزير المتأخون ونظام الإخوان كله، وكان اعتصام المثقفين ضمن مجموعة متسارعة من الأحداث والمواقف التي عجلت بثورة 30 يونيو وإنهاء حكم الإخوان الأسود.
عقب سقوط نظام الإخوان 2013، طرح اسم إيناس عبد الدايم بقوة لتولي حقيبة الثقافة خلفاً للوزير الأسبق عبد الواحد النبوي، وأعلن آنذاك أن السبب وراء التراجع عن اختيارها وزيرة للثقافة اعتراض التيار السلفي المحافظ (الممثل في البرلمان!) على وجود امرأة «متبرجة» على رأس وزارة الثقافة المصرية، والمؤسف أن هذا الاعتراض قد أدى إلى تأخر تولي إيناس عبد الدايم منصب الوزارة لما يقرب من ثلاثة أعوام!

تصريحات أولى
انتهى العبث وتبدد الهزل، وجاءت رئيسة دار الأوبرا المصرية وزيرة، فماذا عن الآتي؟
في أول تصريحات صحفية لها عقب حلفها اليمين الدستورية أمام رئيس الجمهورية، عبد الفتاح السيسي، تبدت حنكة ودبلوماسية عبد الدايم ووعيها بما ينتظرها في وزارة مثقلة بالأعباء، ومهامها لا تنتهي ومشكلاتها «صداع مزمن»! قالت إيناس عبد الدايم في تصريحاتها:
«فخورة بما حققته في دار الأوبرا، وأنني فنانة، وأول سيدة تتقلد مهام منصب وزيرة للثقافة، أعتز بثقة الإدارة السياسية، وهي مسؤولية كبيرة»؛ هكذا استهلت عبد الدايم، تصريحاتها كوزيرة للثقافة، مع الصحفيين، بعد أن تسلمت مهام عملها من مقر الوزارة، بمكتبها بالزمالك، مباشرة. أكدت عبد الدايم أن أولى مهامها تتركز في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ49، الذي سيفتتح خلال أقل من أسبوعين، وقالت: «سنبدأ مباشرة فور عودة الدكتور هيثم الحاج علي رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب من الكويت، ونستكمل ما بدأه الكاتب الصحفي حلمي النمنم، وزير الثقافة السابق، لكي يخرج المعرض في أحسن صوره من خلال التعاون مع كل قطاعات الوزارة لتقديم أنشطة كثيرة ومتنوعة خلال المعرض».
وأضافت الوزيرة: «إن الهيئة العامة لقصور الثقافة من أهم الملفات التي توليها اهتماماً كبيراً، حتى تقدم الخدمة التي نأمل أن تحققها للجمهور»، وأشارت إلى أن خطتها هي وجود الثقافة خارج الجدران مما سيسمح بتقديم أنشطة عديدة، متمنية استكمال ما بدأه الكاتب الصحفي حلمي النمنم وزير الثقافة السابق، واصفة مشواره بـ«المحترم»، واختتمت وزيرة الثقافة تصريحاتها بالتأكيد على أن الرئيس المقبل لدار الأوبرا سيكون أحد أبنائها وليس من خارجها.
تصريحات رصينة، دبلوماسية، هادئة النبرة، مطمئنة إلى حد كبير، وواعية بأولويات المهام الكبرى، ولكن.. يبقى السؤال: ما الذي يمكن أن تقدمه عبد الدايم؟ وماذا ينتظر منها المثقفون المصريون خلال الفترة القادمة؟
عبر كثير من المثقفين عن ترحيبهم وتفاؤلهم باختيار عبد الدايم وزيرة للثقافة خلفاً للنمنم، وتوالت تعليقاتهم عبر صفحاتهم الخاصة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي؛ «تويتر»، و«فيسبوك»، أو من خلال تصريحات صحفية وإعلامية.. ومقالات كاملة أيضاً، وهو ما يعني أن المثقفين يترقبون بتفاؤل حذر ما سيحدث على الأرض خلال الفترة القادمة.

اقرأ أيضا

«الشارقة للكتاب» تعزز علاقاتها مع إيطاليا