الاتحاد

دنيا

الجريمة كشفت المستور

تلقى “ياسر” اتصالا هاتفيا من “منى”، لم يكن مثل اتصالاتها السابقة ولا طريقة كلامها معه، اللهجة كانت مختلفة ومتغيرة، لم تمنحه فرصة للتفاهم أو الاستفهام، أمرته وهي غاضبة أن يسمع فقط، لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تفاتحه في الموضوع وتعبر عن سخطها من مماطلته، قالت وهي تواصل كلامها بلا توقف، لن أصبر عليك أكثر من ذلك، لقد مر أكثر من عامين على زواجنا العرفي، وأنت تسوف وترفض أن نعيش حياة طبيعية مثل كل خلق الله، لا أجد سببا واحدا يبرر تصرفاتك، ولماذا تتهرب وتختفي هذه الأيام؟ لماذا لا ترد على اتصالاتي؟ أنا لست لقمة سائغة كي تلتهمني ولن تستطيع، أنا أعرف كيف أحصل على حقي كاملا، إذا حاولت أن تتلاعب أكثر من ذلك فلن أسمح لك، ولدي من الوسائل ما يجعلك تأتيني راكعا، لكنني مازلت أتعامل معك بشكل محترم لأنك زوجي.
نفد صبري
حاول ياسر أن يوقفها عن الكلام لينجز شيئا في عمله، وكذلك فإنه غير قادر على الرد عليها أو إفهامها أن حوله عددا من الأشخاص ولا يتمكن من التفاهم معها، استمرت في طريقتها وواصلت كلماتها التي كانت تخرج مثل الطلقات ولا ينقصها التهديد والوعيد، قالت: مازلت تخلف وعودك وتنكث فيها، لم تصدق يوما، ولذلك فقد نفد صبري ووصلت إلى النهاية، لن أصدقك بعد الآن، لم يعد أمامي وأمامك خيار إلا توثيق الزواج وإعلانه رسميا، خاصة بعد أن علم إخوتي بما حدث ويرفضونه جملة وتفصيلا، ويمنحوننا فرصة لإصلاح الخطأ، صحيح أن زواجنا كان شرعيا وحلالا ومشهرا، ولكن كان من وراء ظهر أسرتي، فلا أعرف لماذا تغيرت ولم تف بوعودك؟ الآن ليس أمامي إلا استخدام كل وسيلة متاحة للحصول على حقي المشروع، ثم أغلقت الهاتف قبل أن تتلقى ردا فهي لا تريد كلاما أجوف بلا معنى مثل كل مرة لا يقدم ولا يؤخر، تعمدت ذلك من أجل التأثير عليه نفسيا، حتى يستجيب بعد أن عانت تصرفاته كثيرا، وكذلك تعمدت ألا تخبره عما ستفعل لتجعله يضرب أخماسا في أسداس فهو لا يعرف بماذا تهدد ولا ماذا ستفعل، ولم يستطع الوصول إلى ما يمكن أن يتوقعه.
لم يستطع ياسر أن يصبر كثيرا، وخلال ساعات توجه إليها، نجحت خطتها فجاءها صاغرا يسترضيها، ولم يكن يتعامل معها برقة إلا ليتوصل إلى ما تفكر فيه، وبذلك يمكنه أن يحبط خططها أو يفشلها قبل أن تشرع فيها، لكنها مازالت على حالة الغضب التي كانت عليها حين كانت تحادثه، استقبلته بعبوس وفشل في انتزاع ابتسامة ليهيئ الأجواء للحوار، وليحصل منها على ما يريد، لكنها لم تمكنه من معرفة ما تعتزم فعله، استطاعت أن تقاوم إغراءاته ووعوده، فقط أكدت مطلبها الذي لا يجب أن يتأخر في تنفيذه، وهي لا تطلب المستحيل فهذا حقها، وكل ما نجحت فيه أنها حصلت على وعد منه بأن يتم ذلك خلال أسبوع واحد، فاعتبرت أنها الفرصة الأخيرة، لكنه كعادته نكث بعهده وخلف وعده وظل على ما هو عليه، فنفذت تهديدها.
الفرصة الكاملة
كانت هذه المرة واضحة حادة، خطتها بسيطة ومحددة، أخبرته أنها ستذهب إلى زوجته وأسرته وتخبرهم بأنه تزوجها من وراء ظهورهم، وبذلك تسبب له فضيحة لأنه خدع الجميع وبذلك لن تتقبل زوجته هذه الزيجة، والمؤكد أن أبناءه سيكرهونه ويغيرون رأيهم فيه، وتضيع أسرته ويتشتت أولاده، ويخسر كل شيء، علاوة على أنها محامية وستلجأ إلى المحكمة للحصول على حقها وهي قادرة على ذلك، ولو أرادت أن تخدعه لفعلت ذلك من البداية، لكنها وثقت به ومنحته الفرصة كاملة، حتى فاض بها الكيل ووجدت نفسها في الضياع وفي طريق مسدود، الكلمات هزته بشدة وزلزلت كيانه، وجد حياته تهدم فوق رأسه وسيخسر كل شيء في لحظة، ويقرأ في عينيها الجدية وليس مجرد التهديد، سينهار كليا وهو على شفا حفرة سحيقة، وليس أمامه وسيلة للخروج من المأزق، تركها بوعد قاطع بإنهاء الأمر في اليوم التالي.
عاد ياسر إلى منزله لا يكاد يرى أمامه، أفكاره متداخلة مختلطة غير قادر على التركيز، يريد أن يصل إلى حل قبل أن تقع الكارثة، ليس أمامه وقت، ساعات قليلة ويأتي الصباح ولا بد من الإسراع بإحباط خطتها، فهو لم يكن صادقا عندما طلب منها أن تمهله كي يخبر هو زوجته وأسرته بطريقة غير مباشرة وبمقدمات، حتى يقبلوا الأمر، ولا تكون هناك أي توابع لهذا الزلزال المدمر، فهو في موقف لا يحسد عليه ولا يستطيع الرجوع فيه بعد أن وقع الفأس في الرأس، الطرق كلها مسدودة وعقله توقف عن العمل بعد أن أعياه التفكير، عندما وصل إلى البيت لم يتناول عشاءه ولم يستطع النوم، لاحظت زوجته تغيره، سألته عن السبب فكذب عليها وأخبرها بأنه لا شيء يشغله، كل ما في الأمر هناك خلافات بينه وبين بعض زملائه في العمل.
كانت الليلة طويلة، وفي الصباح الباكر خرج متجها إلى منى، قبل أن تستيقظ وتشرع في تنفيذ تهديدها، وجدها مازالت نائمة وبمجرد أن شعرت به قامت ولم ترد عليه تحية الصباح التي بادرها بها، فركت عينيها، وهي تبد استياءها من مجرد رؤيته، لكن اعتقدت أنه جاء من أجل ما وعدها به وقد ثاب إلى رشده، لكن ما حدث كان خلاف ذلك عندما فاتحته ماذا سيفعل؟ ادعى فعلا ما دار في خلدها، وأخبرها بأنه سيصطحبها الآن إلى حيث توثيق عقد الزواج العرفي المحرر بينهما، واستدرجها إلى منطقة زراعية مجاورة لمسكنها، الأجواء هادئة في الحقول، المزارعون لم يأتوا بعد، عاجلها بالإطباق على رقبتها بكلتا يديه، لم يمنحها الفرصة كي تصرخ أو تستغيث، حاولت أن تقاوم لكنها ضعيفة أمام شاب قوي البنية في الثامنة والعشرين من عمره، وفوق هذا وذاك يريد التخلص منها بسرعة قبل أن يأتي أحد ويكشف جريمته، لكن لم يحدث شيء من ذلك وأنهى حياتها وتأكد أنها فارقت الحياة وألقى الجثة على جانب الطريق وتوجه إلى عمله، يبدو عليه الأرق والإرهاق والقلق.
معلومات مؤكدة
بعد ساعات تم العثور على الجثة، وقام الفلاحون بإبلاغ الشرطة، تم التعرف على شخصية القتيلة من بطاقتها التي كانت تحملها معها في حقيبة يدها، لأنها تعرف أنها ستحتاج إليها في إجراءات توثيق الزواج، لكن يبدو أنها هنا كانت لها فائدة أخرى وهي التعرف عليها بعد أن أصبحت جثة هامدة في منطقة غريبة، بالطبع تم الاتصال بأسرتها وإبلاغهم بالخبر المشؤوم، وبدأ التحري لمعرفة ملابسات الحادث وكشف غموض الجريمة، وقد كان ذلك سهلا وسريعا، بعدما اعتقد القاتل أنه لم يره أحد وارتكب جريمته في الخفاء وفر من العقاب ولا يوجد أي دليل ضده، لكن القتيلة كانت قد أخبرت أسرتها بأنه سيأتي في الصباح الباكر كما وعدها لتوثيق الزواج العرفي، وعلاوة على ذلك فإن جيرانها شاهدوهما وهما يخرجان معا في الصباح، وعندما ألقي القبض عليه حاول الإنكار، بل وحاول أن ينفي أنه يعرفها من الأصل.
لم يستطع أن يستمر في الإنكار بعدما تمت مواجهته بالمعلومات المؤكدة وخاصة ورقة الزواج العرفي التي كانت تحتفظ بنسخة منها، وبدأ يعترف بالتفاصيل، قال إنه يعمل في مهنة طلاء الجدران، وقد تعرف على المجني عليها منذ ثلاثة أعوام، عندما كان يعمل في منزلها، كانت بداية التعارف غير مريحة للطرفين، حيث بدأت بالخلافات حول التكاليف والوقت، لكن ما لبث ذلك أن زال بسرعة بعدما اقترب من إنجاز المهمة، وأداها بشكل جيد، حدث بينهما تقارب، رغم أنها تكبره بعدة أعوام وهي محامية وإن كانت غير معروفة وإمكاناتها محدودة، وهو مجرد عامل بسيط لا يجيد القراءة ولا الكتابة، متزوج وله ثلاث بنات، وزوجته ابنة عمه وهي مثله غير متعلمة، لذا وجد فرقا بينها وبين منى، فهذه تعامله بشكل راق جعلته يشعر بنفسه، فأراد ألا تنتهي العلاقة بينهما بانتهاء مهمة العمل، فعرض عليها الاستمرار في مساعدتها في بقية الأعمال المطلوبة في المنزل الصغير الذي تملكه، اعتقدت أنها أمام رجل شهم، وهو بالفعل قام بتولي إنجاز المهمة، لكنه كان يهدف إلى التقرب منها لأنها وحيدة وقد تخطت الثلاثين ولم تتزوج، الحقيقة أنها ليست على قدر من الجمال لكنه طمع في هذا المنزل ولو تزوجها فسيكون تحت يديه، وثانيا يعوض النقص الذي يشعر به في بيته مع زوجته.
يواصل ياسر اعترافاته، بأنه لم يصدق نفسه عندما عرضت عليه الزواج فلم يجرؤ هو على اتخاذ هذه الخطوة ولا النطق بالكلمة بسبب الفوارق الشاسعة بينهما، لكن جاءته الفرصة على طبق من ذهب فاستغلها مشترطا عليها بأن يكون الزواج عرفيا إلى أن يتمكن من إخبار أسرته وحتى لا تكون هناك مشاكل بعد ذلك، وأنه ارتكب جريمته للتخلص من الفضيحة التي أرادت أن تسببها له ثم أرادت أن تخرب بيته وتدمر حياته ففعل ما فعل، وجاءت النتائج بأسوأ مما توقع وخطط، فقد خسر الجميع وخسر نفسه، تم حبس ياسر إلى أن تتم محاكمته.
أحمد محمد (القاهرة)

اقرأ أيضا