الاتحاد

دنيا

الأخلاق الحميدة نهج رسولنا الكريم في التعامل مع الآخرين

الحمد لله الذي أنعم علينا بالإسلام وشرح صدورنا للإيمان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وأصحابه أجمعين.. وبعد:
يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)، «سورة فصلت: الآية 34».
ذكر الشيخ الصابوني في كتابه مختصر تفسير ابن كثير في تفسير الآية السابقة: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ)، أي فرق عظيم بين هذه وهذه، (ادْفَعْ بالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، أي من أساء إليك فادفعه عنك بالإحسان إليه، كما قال عمر - رضي الله عنه-: ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، وقوله عز وجل: (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)، وهو الصديق أي إذا أحسنت إلى من أساء إليك، قادته الحسنة إليه إلى مصافاتك ومحبتك والحنوّ عليك حتى يصير ?{?(كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) أي قريب إليك من الشفقة عليك والإحسان إليك»، (مختصر تفسير ابن كثير للصابوني 3/264).
إنَّ الشريعة الإسلامية الغراء والحمد لله مبنيةٌ على الرفق واليسر لا على الشدة و العسر، وعلى السماحة ورفع الحرج، لا على التشدد والغلوّ، والرفق في ديننا الإسلامي الحنيف ليس شعاراً يردده أتباعه لترغيب الناس فيه، ولكنه واقع ملموس من تعاليمه وأحكامه ومبادئه السمحة.
منزلة عظيمة
ومن المعلوم أن للرفق منزلة عظيمة في الإسلام، فقد جاءت الآيات الكريمة في القرآن الكريم تحضّ على هذا الخُلُق الرائع وتبين محاسنه، من ذلك:
- قوله سبحانه وتعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ)، «سورة آل عمران: الآية 159».
ومن خلال دراستنا لسنة رسولنا - صلى الله عليه وسلم - فإننا نتعلم دروساً كثيرة، منها: حكمته - صلى الله عليه وسلم - في التربية بالرفق واللين وعدم مقابلة المخالفة بالعقاب، كما أنه - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا كيف نعالج ونصلح ونغير عن طريق الموعظة والرفق واليسر.
رفقه - صلى الله عليه وسلم - باليهودي
روى أن يهودياً يُدعى زيد بن سُعْنَة كان له عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دَيْنٌ، فأراد أن يطلب دَيْنَه قبل حلول أجله، كما جاء في الحديث: «قَالَ زَيْدُ بْنُ سُعْنَةَ: فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ مَحِلِّ الأَجَلِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ أَتَيْتُهُ فَأَخَذْتُ بِمَجَامِعِ قَمِيصِهِ وَرِدَائِهِ، وَنَظَرْتُ إِلَيْهِ بِوَجْهٍ غَلِيظٍ، فَقُلْتُ لَهُ: أَلا تَقْضِينِي يَا مُحَمَّدُ حَقِّي، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُكُمْ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَمُطْلٌ، وَلَقَدْ كَانَ لِي بِمُخَالَطَتِكُمْ عِلْمٌ، وَنَظَرْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَإِذَا عَيْنَاهُ تَدُورَانِ فِي وَجْهِهِ كَالْفَلَكِ الْمُسْتَدِيرِ، ثُمَّ رَمَانِي بِبَصَرِهِ، وَقَالَ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ، تَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَسْمَعُ، وَتَصْنَعُ بِهِ مَا أَرَى؟ فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ، لَوْلا مَا أُحَاذِرُ قُوَّتَهُ لَضَرَبْتُ بِسَيْفِي رَأْسَكَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَنْظُرُ إِلَى عُمَرَ فِي سُكُونٍ وَتُؤْدَةٍ وَتَبَسُّمٍ، ثُمَّ قَالَ: «يَا عُمَرُ، أَنَا وَهُوَ كُنَّا أَحْوَجَ إِلَى غَيْرِ هَذَا، أنْ تَأْمُرَنِي بِحُسْنِ الأَدَاءِ، وَتَأْمُرَهُ بِحُسْنِ التِّبَاعَةِ، اذْهَبْ بِهِ يَا عُمَرُ فَأَعْطِهِ حَقَّهُ وَزِدْهُ عِشْرِينَ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ مَكَانَ مَا رُعْتَهُ»، قَالَ زَيْدٌ: فَذَهَبَ بِي عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَعْطَانِي حَقِّي وَزَادَنِي عِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ الزِّيَادَةُ يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَزِيدَكَ مَكَانَ مَا رُعْتُكَ، قُلْتُ: وَتَعْرِفُنِي يَا عُمَرُ؟ قَالَ: لا، مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: أَنَا زَيْدُ بْنُ سُعْنَةَ، قَالَ: الْحَبْرُ؟ قُلْتُ: الْحَبْرُ، قَالَ: فَمَا دَعَاكَ أَنْ فَعَلْتَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا فَعَلْتَ، وَقُلْتَ لَهُ مَا قُلْتَ؟ قُلْتُ: يَا عُمَرُ، لَمْ يَكُنْ مِنْ عَلامَاتِ النُّبُوَّةِ شَيْءٌ إِلا قَدْ عَرَفْتُ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حينَ نَظَرْتُ إِلَيْهِ، إِلا اثْنَتَيْنِ لَمْ أُخْبَرْهُمَا مِنْهُ، يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلَهُ، وَلا يَزِيدُهُ شِدَّةُ الْجَهْلِ عَلَيْهِ إِلا حِلْمًا، فَقَدِ اخْتَبَرْتُهُمَا فَأُخْبِرُكَ يَا عُمَرُ أَنِّي قَدْ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا، وَأُشْهِدُكَ أَنَّ شَطْرَ مَالِي، فَإِنِّي أَكْثَرُهَا مَالا، صَدَقَةٌ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ عُمَرُ: أَوْ عَلَى بَعْضِهِمْ، فَإِنَّكَ لا تَسَعُهُمْ، قُلْتُ: وَعَلَى بَعْضِهِمْ، فَرَجَعَ عُمَرُ وَزيْدٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ زَيْدٌ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ وَبَايَعَهُ وَشَهِدَ مَعَهُ مَشَاهِدَ كَثِيرَةً، ثُمَّ تُوُفِّيَ زَيْدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ مُقْبلا غَيْرَ مُدْبرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ»، (أخرجه الطبراني).
المعاملة الحسنة
نتعلَّم من هذا الموقف السابق، الأثر الطيب للمعاملة الحسنة من رسولنا - صلى الله عليه وسلم - لهذا اليهودي الذي أساء إليه، فهذه المعاملة الحسنة والأخلاق الحميدة من رسولنا - صلى الله عليه وسلم - تجاه هذا اليهودي، كانت سبباً في دخوله في الدين الإسلامي الحنيف، ومن الجدير بالذكر أن هذه المعاملة الكريمة تُمثل أبلغ الدروس في وجوب التأسي برسولنا - صلى الله عليه وسلم - كما جاء في قوله تعالى: (ادْفَعْ بالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ).
ومن المعلوم أن خُلق الرِّفق ملازمٌ لرسولنا - صلى الله عليه وسلم- في جميع أحواله، ولا أدل على ذلك من قوله - صلى الله عليه وسلم - : «إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ، وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ»، (أخرجه مسلم)، لذلك فقد علّم - صلى الله عليه وسلم - أمته أن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله.
رفقه - صلى الله عليه وسلم - بالأعرابي
عن أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: «قَامَ أَعْرَابِيٌّ، فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: دَعُوهُ، وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلا مِنْ مَاءٍ - أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ - فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ»، (أخرجه البخاري).
هذا أعربي يدخل مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيتنحى طائفة منه ويتبول، فهو لا يدري حرمة المساجد التي أمر الله أن تعظم وتطهر، عندئذ قام الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - يسرعون نحوه يريدون ضربه وتأديبه، فيقول - صلى الله عليه وسلم-: «دعوه» أي لا تقطعوا عليه بوله، ثم أمر- صلى الله عليه وسلم - بذنوب من ماء فَطَهَّرَ به مكان البول، ثم قام - صلى الله عليه وسلم - باستدعاء الرجل وقال له: «إن هذه المساجد لا يصلح شيء منها للأذى والقذر، إنما هي للصلاة وذكر الله والتسبيح، والتكبير، والتهليل».
في هذا الموقف تعليم للدعاة بوجوب الرفق بالمتعلمين، وضرورة مخاطبتهم على قدر عقولهم، فصفة الرفق من أهم الصفات التي يجب أن يتصف بها الدعاة؛ كونها من أهم العوامل في استجابة المخاطَب لما يدعو إليه الداعية، حيث يجد الرفق واللين في خطابه وفعله فيستجيب له.
هذا هو اللين والرحمة في دعوته - صلى الله عليه وسلم - وكذا دعوة كل نبي، فقد أرسل الله موسى وهارون - عليهما الصلاة والسلام - إلى فرعون فقال لهما: (فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)، «سورة طه: الآية 44»، ولو أن المسلمين تمسكوا بهذا الخُلُق الرفيع - من الرِّفق في الدعوة، وحسن النصح والإرشاد - لعاشوا سعداء.
كما ويكشف رسولنا - صلى الله عليه وسلم - عن عظمة ديننا الإسلامي الحنيف، فيصفه بأنه دين متين، يحمل في ذاته، عناصر الخلود والبقاء، ويوصي أتباعه بأن يوغلوا في هذا الدين برفق، فذلك أعون على استقامة النهج وبلوغ الغاية، فيقول - صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ، فَإنَّ الْمُنْبَتَّ لا أَرْضًا قَطَعَ وَلا ظَهْرًا أَبْقَى»، (أخرجه أبو داود).
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.



بقلم الشيخ الدكتور/ يوسف جمعة سلامة
خطيب المسجد الأقصى المبارك
www.yousefsalama.com

اقرأ أيضا