صحيفة الاتحاد

ثقافة

«الطفل المفقود» الحياة الحقيقية تميل نحو العتمة

غلاف «الطفل المفقود»

غلاف «الطفل المفقود»

إعداد - مدني قصري

على مدى أكثر من 2000 صفحة، تحكي الروائية الإيطالية الغامضة، إيلينا فيرانتي، في «الطفل المفقود»، قصة صديقتَي طفولة، تغطي ستّين عاماً من تاريخ إيطاليا.
حَياتانِ متشابهتان جداً، ومختلفتان جداً. صداقةٌ معذّبة لصديقتَي طفولة، وُلدتا في حيّ فقير في نابولي في أوائل الخمسينيات من القرن العشرين. قصّةٌ تمتدّ من الشباب إلى الشيخوخة. الصديقتان مزدوجتان، متناظرتان، مِرآتان معكوستان، ضدان. الأولى، ليلى سيرولو، غارقةٌ في الاندفاع والدمار. والثانية، لينا غريكو، تائهةٌ في التفكير والبناء. ليلى لا تترك حيّها في نابولي، لأنّ عالمها الداخلي محتدِمٌ دائماً. فهي لا تحتاج إلى الذهاب إلى الحياة، لأنّ الحياة تفيض من كيانها الجواني. أمّا لينا فتسافر في جميع أنحاء العالم، لتعزّز بنجاح كتبَها. فهي تبحث دائماً عن تجارب جديدة تغذي بها عملها الإبداعي. لقد أضحى عالمُها واسعاً وراسخاً. ليلى سيرولو، التي تمكث في حيّها، تعيش في الحركة الدائمة. ولينا غريكو، التي تغادر حيّها، تعيش حالة استقرار شبه دائمة. علاقتهما قلْبُ جداريةٍ عميقة، غيابُ المشاعر فيها يضرب القلب.
الروائية الإيطالية فيرانتي تُعامل الصداقة كما نُعامل نحن الحب. إنها تجعل منها شغفاً ممتداً وعشقاً حقيقياً. تروي لنا التنافسَ، والغموضَ، والولاءَ، والفرحَ، والدموعَ، والثقةَ، والخيانة. لينا وصلت إلى حدّ تمنّي الموت لصديقتها ليلى. صديقتان متشابهتان جداً، ومختلفتان جداً.

تنافس عبر الأطفال
إنه السعيُ لأن تكون كل منهما شخصاً آخر، وأن تكون في مكانٍ آخر. الصديقتان تكافحان كي لا تعودا إلى بؤس الحي، حتى لا تظلا سجينَتين في دور الأم. ولكن، هل يمكن الهروب من الماضي دون إنكار الأسرة؟ تتخلى ليلى عن دراستِها لتعمل. وتواصل لينا دراستَها وتصبح كاتبةً يُحتفَى بها. نجدُهما هنا في أواخر السبعينيات، وعمرُ كلاهما في الثلاثينيات. ليلى تعمل مع إنزو في مكتب كمبيوتر صغير في نابولي؛ ولينا تعيش علاقة حبّها مع نينو، وتسافر إلى مختلف البلدان. ويستمر تنافُسهما من خلال أطفالهما.
عالمُ الروائية فيرانتي نمطٌ دائري، وهواجس ذهنية، وحيوات في حلقات. تروي الروائية سِحر وتنافر الأصول. الصديقتان تنجذبان وتنفُران من حيّ نابولي الشعبي. الصديقتان تنفصلان وتلتقيان بلا انقطاع. العاطفة الجياشة انفعالٌ يستمر بين الصديقتين، خارج المنطق، وتظل علاقتهما علاقة شغف مستمر. تظل لينا متيقّظة حول تفوَق ليلى الأخلاقي والذهني بين مجموعة الأصدقاء: «كلنا انحنينا، بعضنا للبعض الآخر، وهو ما جعلنا في النهاية، نصغُر ونتقلص إلا ليلى فهي لا تصغر ولا تتقلص».
قوة الرواية، تكمن في مستوياتها المختلفة من القراءة. إيلينا فيرانتي تربط الحميمية والحياة الاجتماعية بالحياة الشمولية والخاصة، وبالخيال والتفكير والتأمل، وبالبرود العاطفي والشغف. كل شيء قريب، كل شيء بعيد، عند فيرانتي. الصديقة المذهلة هي أيضاً تاريخ إيطاليا السياسي والاجتماعي المُقَطّع. مواضيعُها الرئيسة هي العنف والأمومة والصراع الطبقي والفساد والبطريركية. وصفٌ طويل وبارع وقاسٍ لملامح الغاوي الفاتن نينو ساراتور عبر علاقته مع لينا غريكو.
إيلينا فيرانتي لا تُبسّط أي شيء. فهي روائية نسوية لا يقبل طبعُها النسوي أيّ تنازلات. تفاصيل سوارٍ لامعٍ في محفظةٍ حمراء تكشف عن تعقّد الكائنات. «خلافاً للقصص، الحياة الحقيقية، بعد أن تمر، تميل ليس نحو الوضوح ولكن نحو العتمة».
الراوية لينا جريكو تستحضر في مراتٍ عديدة تذبذباً بين المرئي والمخفي. تتحدث عن التخفي والذوبان والتفكك. كل شيء في الرواية يتحدّث عن الانصهار في الصديقة المذهلة. تغادران حيّهما، وتُخفِيان شخصيّتيهما، وتفقدان طفليهما. تغادران دون أن تتركا آثاراً وراءهما.
أكثرُ من أيّ وقت مضى، في روايتها «الطفل المفقود»، تعطينا فيرانتي عالَماً كاملاً، غنيّاً ومُربِكاً، على شاكلة الروائيين العظماء في القرن التاسع عشر... إنه عالَمٌ لا يُنسَى.