الاتحاد

ثقافة

"قصر الوطن".. كل هذا السحر!

قصر الوطن

قصر الوطن

نوف الموسى

وقفتُ عند بابكَ، أكتبُ أسبابكَ، أن أكون وطناً فيك، وأغمض عينيّ نحو تلك العتمة، واختبرُ صلواتكَ، وأنتَ تغني تحت القِباب، كل شيء فيها يدور، متى يَكسر زجُاج اللحظة زهرة معقودة بضوئك، ويَستنير الفضاء وانتشي من حبركَ حرفاً أوزّع به نفسي في المسارات كلها، بلا بدايةٍ أو نهاية.
أتكئ بيديّ على حواف النوافير القريبة، أنتظرك، وفي راحة يدي عطر الخُزامى، هُنا في «قَصْر الوطن»، أحدّق في عين الشمس، كما فعل فان غوخ، لأنه يراها روح الكون، وأقرأ على نفسي السلام، وبعضاً من قصائد الأنام: «أيا وطني، زرعتُ كُل ظلالي تحت ترابك، أنبت أشجاراً من الضوء، كل الجذور استفاقت، في عشقكَ يكون منتهى الفيء». استملتُ بجسدي ناحية الممر البهي، انصتُ لإحساسه المكتظ بالتجاويف الدقيقة التي تسيل برقة على جبين الدهشة، مستمدة من كل صمت الفراغات البديعة أسئلتي ورغبتي في الدخول إلى القصر المتجلي، بإمارة الجمال أبوظبي، منبعُ هدأة الامتداد بين ـ سبع ـ الإمارات العربية المتحدة. أحمل قلبي بين جوانحي، استعداداً تاماً للتلاشي، في متاهات اللغة والشكل والمعنى وحتى الموسيقى، عبر الفن العربي الإسلامي، وأصنع بذلك من نفسي «مسافة» أراقب فيها جّل التكونات، واتيقظ بحدس الفنان، وقدرته على التكوين، وربما، ربما، استشف بذلك شيئاً من حضوركَ.. فينا.

أصل الأشكال
«كيف بكل هذا الحُب، أرى عالمك ولا أراك»
جلال الدين الرومي
فُتحت الأبواب المصنوعة من خشب القيقب فاتح اللون، المحلاة بالذهب الفرنسي، بمهابة الحُب، عند اختياره أرضاً طيبة يُسكن فيها أبناءه، وارتميتُ في أحضان الفضاء الشاسع المفتوح بـ «قصر الوطن»، كأنني أغنية شبيهة بترنمية مارسيل خليفة للأم: «لديني لأشرب منكِ حليب البلاد، وأبقى صبياً على ساعديكِ، وأبقى صبياً إلى أبد الأبدين، أما آن لي أن أقدم بعض الهدايا إليكِ». ومشيتُ مثل كل المفتونين، على أطراف أصابعي، لا متأملة ولا متكلمة ولا حتى مفكرة، أتبع إسقاط الأشياء جلّها، لاستشعرها، متبعة مقولة كريشنا مورتي: «الإنسان الذي يعرف أنه صامتٌ أو يعرف أنه يحبّ، لا يعرف شيئاً عن الحبّ ولا عن الصمت»، وهي وصية مهمة في أن يترك الإنسان كامل كينونته لتجد طريقها في الحياة. وبينما كل هذا يحدث، انجذبت بإرادة واعية للوقوف على أرضية القاعة الكبرى، فوق زهرة مكونة من 12 بتله رخامية، إنها تصاميم «أرابيسك» الشهيرة بما يقصد به «التوريق»، التي تقوم على تجريد رقصة فروع النباتات والأغصان الزهرية في الزخارف، وتمنحها إحساس الأبدية، ومن منّا لا يود، ولو لبرهة أن يتلذذ بالخلود، ويتجنب الزوال والذبول في تجربته الإنسانية. وصلتُ إلى المنتصف تماماً، أي أسفل القبة الرئيسة ذات الـ 37 قطراً، ياه... الضخامة هنا، ليست في كونها إحدى أكبر القباب في العالم فقط، ضمن قاعة يبلغ الطول والعرض فيها 100 متر، ولكن ما تعنيه «القبة» في كونها بعداً ثلاثياً لـ«الدائرة»، العصب الرئيسي والمحرك الروحي والفلسفي والفكري والثقافي ومصدر كل الأشكال في الفنون الإسلامية. ماذا يعني أن أقف تحتها مباشرة؟!
رَفعتُ يديّ، كما يهيم الدراويش، بدوران مستمر، لفة لفتين وثلاث أخرى، سألتُ نفسي: هنا تحت القبة، فراغ شاسع، تتمركز فيه كل نقاط الطاقة المتكونة في الدائرة، فهل يا تُرى استمددتُ منها ترددات طبيعية، يصعُب قياسها مادياً، إلا أنه على مستوى الشعور يمكن إدراكها؟! علم هندسة التشكيل الحيوي، بالفنون الإسلامية، أو ما يعرف بـ«bio Geometry»، قد يهدينا بعداً علمياً، حول ذلك، إلا أن زيارة «قصر الوطن»، الذي استغرق بناؤه 150 مليون ساعة، تغويك إلى اتصال تام بمحيط الدائرة، ذلك النسق الرفيع لحرية الحركة وتعقيدها، فبمجرد النظر تتوصل بعينيك بأنه لا سُكون في التوليفة الدائرية للزخرفة الإسلامية، إنما تسليم كامل لدينامكية التشكل، وصولاً إلى الوحدة والكمال.. تخيّل أن كل شكل يتشكل في داخل الدائرة هو بمثابة فكرة لها شعورها، وأفقها، وامتداداتها. إذاً نحن لا نرى قُبة وشكلاً دائرياً ببعد تجريدي بل نتتبع حياة كاملة من التحولات في المكونات الثقافية لمجتمعنا وتاريخنا وحضارتنا، أتذكر جيداً كيف وصفت المهندسة مارينا تبسُّم، عند إنجازها تصميم مسجد «بيت أور روف» «Bait ur Rouf»، أنه إذا كان للعمارة مقدرة في أن تستحوذ عليك، أن تخاطبك وتثير اهتمامك، فإن ذلك سيسكنك للأبد، معتبرة أن الحداثة في كل مكان ولكن أن تجعل منها مكاناً، فالأمر يتطلب فهماً لموقعك: المناخ، الناس، الثقافة، والتاريخ، والبناء الذي يستحضر الإحساس الهائل بالروحانية، فهو يقيم صلة بينك وبين ما تود وصله، صله مع الله، مع الطبيعة، مع الشمس، أو مع أي شيء آخر تشاؤه، هذه الصلة تبقى حاضرة.


غوايات الضوء
«يطالعني النّهار، وضّاء كما الذّهب.. مماثلاً لذاته، يطالعني»
نيتشه
على أجنحة من التروي، أقتربتُ شيئاً فشيئاً من الجدران الجانبية لـ«القصر الوطن»، وأعمدتها الذهبية، قبل أن ينتشلني تجانس التكرار في الزخارف الممتدة، من غرقي التام بالضوء والظلال في عوالم تأثيث الفراغ، وأرسيتُ أصابع يدي على قطع الفسيفساء، ذات الأنماط التي هيمن عليها الفن المغربي، من القرنين الرابع عشر والخامس عشر، تتضمن قطعا صغيرة من الحجارة والمعادن والزجاج والبلاط والأصداف. وضع الحرفيون القطعة الواحدة تلو الأخرى، فوق سطح مرسوم عليه مسبقاً، وبمجرد الانتهاء من هذه العملية، تمّ إضافة ملاط أسمنتي لضم وترسيخ التصميم. برؤية الأصداف، انتابني شعورٌ لاذع، ألهمني لحركة موج البحر، ورائحة النسيم ذات الطعم المالح اللاسع. أتساءل: ما الذي يجعلني أرى كل شيء بوضوح متساو، تنتابني عدالة بصرية، أنا الرائي لكل تلك الاختلافات، أركن في أعماقي، بأن هناك ما هو متساوي التوزيع في هذا الفضاء، ولم اكتشف فعلياً السبب لذلك التساؤل إلا بعد أن مالت الشمسُ قليلاً في الفضاء الخارجي لـ«قصر الوطن»، ولحظتها جزمت بأن الإجابة هي «الضوء»، القادم من «المشربيات»، وهو مكوّن معماري تقليدي، متأصل في فن العمارة العربية والإسلامية، يغمر المكان بإضاءة طبيعية، من شأنها أن توحي ببعد روحي وفلسفي، ولاكتشفه أكثر مشيت بشكل أفقي، عبر الممر الممتد الذي يتضمن في جنباته الأجنحة الرئيسية لـ«قصر الوطن»، ورجعت أدراجي قليلاً إلى زوايا القاعة الكبرى، لأرى كمية الضوء التي تدخل إلى الحيز الداخلي وزاوية سقوط الضوء، وإذا بي أتأمل ألق «الزجاج المعشّق».
لا أدري، إن كان يحق لي أن أميل في تبيان عشقي الأزلي لتقنية الزجاج المعشّق، كونها الجمالية التي تعمد إلى كسر الضوء، ما يتسبب في إعادة تشكيل الأشياء، من خلال مشاهدتها بأبعاد متعددة، توازيها قيم السطح والعمق على الأرضية والجدران. والرسم على الزجاج المعشّق، يتطلب مهارة فائقة، إذ أنتجت كل قطعة في «قصر الوطن»، ضمن عملية تركيب بالغة الدقة، اعتماداً على حجم ووزن الزجاج المعشق، إذ بلغت أبعاده 170 في 350 سنتيمتراً، وبلغ وزنه 250 كيلو غراما، وتم تثبيت كل من النوافذ على ارتفاع 60 متراً. استمر في مغازلة تقنية المشربيات والزجاج المعشّق، لكونهما تعبيرين متساميين مع موقف الفراغ الداخلي من الضوء نفسه ومدى حاجته له، إلى جانب أن التقنيتين تساهمان في ربط الفراغ الداخلي بالفضاء الخارجي، ويمكن تجسيدها بالمعنى الفلسفي هو مرور الضوء بين داخل وخارج التكوين النفسي والروحي للناظر إلى ذاك الضوء. الذي بدوره يخلق اتزاناً مع الظل، ما يشي بوجود حركة داخل الفراغ، والذي يلزمني بالتجوال البصري من شكل إلى آخر، طوال الوقت، مع الاحتفاظ بالراحة المرئية على مستوى كل الأصعدة. والإثارة الفعلية مع الضوء، هو تكشف التكرار لإثبات التيقن من الشكل أكثر من مرة، ما يحدث وحدة في بناء العمل الفني، ويرسخ مبدأ التركيز.
الأشكال الهندسية في الفن العربي والإسلامي وتكرارها الفيسفيسائي مسألة واضحة جداً للمتلقي، ما يعود بنا إلى ما أكده الفنان مهدي مطشّر، الذي يُعد الخط بالنسبة له أساسا في عمله، ويقوم بتطويره عبر تحويله إلى تراكيب، من خلال عمله في الخطوط الهندسية، متخذاً من المربع النقطة المبدئية في كل عمل، كونه القاعدة الجذرية في الزخارف العربية والخط العربي، ولأنه يتبع منهج الحديث عن الأشياء التي تهمه بوضوح، جاءت الأشكال الهندسية تعبيراً بديهياً لطريقة تفكيره، وهو بعد يقدم لنا المرجعية الفكرية في مسألة «الوضوح»، في المنهج المعرفي والسلوكي للثقافة وأثرها على المتلقي الذي هو جزء من فضاء التكوين، وبدونه يُمكن أن لا يوجد فضاء من الأساس. وقد يتساءل البعض: أن أرى وضوحاً في الزخرفة المعمارية، هو أن أتصل بشيء من ممارسة الإيضاح بشكل غير واعي مني، أتملك العمارة تأثيراً بهذه القوة؟!
في حديث للمعماري الشهير الإيطالي رنزو بيانو، ترجمه المعماري البحريني أحمد عبدالرحمن الجودر، وتم نشره في مجلة «البحرين الثقافية»، أشار إلى أن العمارة فن اجتماعي خطير، لأنه فن مفروض، ويمكن التمعن فيما طرحه بيانو، أمام الأثر الاجتماعي، الذي بإمكان «قصر الوطن» أن يؤسس له، وبالأخص إتاحة مسألة التجربة نفسها، أن تزور قصرا زاخرا بالثقل الروحي والفلسفي نحو الموروث المعرفي والتاريخي، وتعيد دراسة القيم الثقافية، ما يشكل مساحة حوار مفتوحة ومستدامة. فالعمارة ذات التفصيل العربي والإسلامي، تمنح ارتكازا للهوية، وصولاً إلى أن تجعل منها ممارسة، وأحياناً فإن الزخارف العربية تختزل عشرات المناقشات حول أصول الحضارة الإسلامية وأُسسها الرفيعة، ويمكن القول إن العمارة واحدة من أسمى مراحل التجسيد للقيم الجمالية في أي مجتمع. وبالتفكير في مدى تأثير وقوة العمارة، يحضر التصميم، وتناميه كإحدى أهم الأوجه الثقافة المعمارية، الأكثر تحرراً وتأثيراً، يقول حولها بيانو: «ليس التصميم تجربة خطّية، تضع الفكرة على الورق، ثم تطورها وهذا هو التصميم، إنه حركة دائرية، ترسم الفكرة، تجرّب، يعاد تقييمها، وتعاود العمل من جديد، وتعود مرّة أخرى إلى النقطة نفسها من جديد»، ويضيف: «في الطبيعة، المتغيرات لا نهائية، لذلك تثبت بعض المتغيرات انطلاقاً من الحدس النابع من الخبرات السابقة، عند تلك النقطة، يمكن حل المعادلة، ثم تختبر ما توصلت إليه، وإن لم تنجح، تبدأ في وضع فرضية أخرى، وتعاود ما قمت به سابقاً من جديد، وهكذا».

مراودات الألوان
«إنك سيّد الألوان، ومولى الأصباغ والأدهنة والأدباغ، وصاحب الظلال. متى تدعها تأتِ إليك»
عز الدين مدني
شرعتُ بالصمت عند وصولي إلى الحدود الفاصلة بين امتداد «القاعة الكبرى»، وقاعة «روح التعاون»، وأخرجتُ هاتفي الذكي، وبدأت بالتقاط صور فوتوغرافية وتسجيل فيديو لـ«المقرنص»، الذي يلهمك بصورة حيّة للمقرنصات في «قصر الحمراء». المثير فيها سطحها المتراكب الذي يشبه المحراب، ويماثل أقراص العسل، ظهرت هذه التقنية في الزخرفة في القرن الحادي عشر، ولها وظيفة جمالية ودور غير مرتبط بالهيكل المعماري، وتم توظيفه بالغالب للانتقال بالنمط المعماري من الجدران المستوية إلى الغرف المقببة، ويشاهد عادةً في القبب والمحاريب والأقواس. طيلة النظر إليها اعتمدت الحفاظ على رأسي متجهاً للأعلى حتى لا أغرق مجدداً، في سحر الضوء المنساب، إلا أن اللون الذهبي للمقرنصات، يفتح شهية الإحساس بالفراغ مجدداً. ومن خلال البحث عن دراسة نظريات اللون القائمة في العمارة على فهم للألوان الباردة والساخنة، نستوعب فعل التوهم لمستويات الحجم في الفراغ الداخلي، إضافة إلى أن اللون يعيد مجدداً فعل الضوء عموماً في المكان بخلق الحركة فيه، فهناك ألوان توحي بالحركة الساكنة الهادئة، بالمقابل فإن هناك ألوانا تمتاز باستحداث السرعة. وبالنظر إلى اللون الذهبي، الأكثر استخداماً في «قصر الوطن»، فلأنه من الألوان القادرة على سلب الأشياء ثقلها وماديتها، وقدرتها عالية في التجانس مع الألوان الباردة.
بالتأكيد سأسأل نفسي عن أثر اللون عليّ كمتلق، ومدى درجة حساسيتي نحوه، إلا أن الأمر يتطلب في الحين ذاته، أن أمضي وقتاً كافياً أمام تلك الألوان في «قصر الوطن»، أن تكون زيارتي بطيئة، أتفهّم من خلالها روح المكان واكتشفها، وهو ما يمثل البعد المجتمعي للقصر: متعة الارتحال إلى الذات، ومقاربتها مع مجتمعها، وما تهديه للحياة، بجعلها مكانا أفضل للعيش وللسلام وللحُب. فمثلاً يُعرف أن الألوان الباردة من عادتها أن تبرز الحدود الخارجية، أما الألوان الداكنة فإنها تطمس الحدود الخارجية. مفهوم الحدود ببعده الخارجي والداخلي، يُحمّل الفرد مسؤولية يتمتع بها تجاه نفسه ومن حوله، ومسألة إظهار الحدود وإخفائها تستدعي إدراك الإنسان لمستويات وعيه الخاص، الذي قد يتجاوز أو يوازي الوعي العام.
الألوان في العمارة العربية والإسلامية، تتخذ من نفسها سحر الاصطفاف الروحي، في المناجاة اللانهائية بين الإنسان ومحيطه، خاصة التدرجات اللونية ذات المعنى الحركي الذي بدوره يضفي بعد «الزمن» في الفراغ. دخول الوقت في الفراغ الفسيح لـ«قصر الوطن»، أتاح لي التمرن العقلي على اللغة التي تتشكل من خلال الضوء، وهي لغة الفن التشكيلي نفسها، فالزمن والحركة عنصران رئيسيان في تأكيد التغيّر، والأخير أيقونة التفاعل الكامل في فضاء «قصر الوطن» اللانهائي، ما يفتح إمكانية لاستشعار الصوت المتشكل، الذي لا يمكن سماعه بالشكل المتجرد للأشياء، إذ تستدعي إيصال الحدس لأماكن لونية في القصر، واختبار خلق الصوت فيها، ماذا يمكن أن تسمع وضوء الشمس يمر عبر المشربيات إلى الأرضية الرخامية، ويعمق الجهة الأخرى بالظلال، وعملياً لا يمكن الاعتماد على الذاكرة في استحضار الصوت لـ«قصر الوطن»، اللحظة الشعورية ضرورية في المكان، وهي أدق في إنجازها للصوت الجديد، كل زائر له موسيقاه، ومزاره الموسيقي الخاص. في الفن الإسلامي الهندسي، هناك ما يسمى بـ«النظم الإيقاعية»، وهي سلسلة من العلاقات البسيطة والمركّبة في التصميمات، تنشأ حركة تقديرية للعين، ومنها يُبنى الطابع، والسؤال ما التصميم الذي قد يوازي آلة العود في ترنيمة حركته الفنية؟!
مآلات بحثي عن اللون في قصر الوطن، جعلتني استقرئ مجدداً ما كتبه الكاتب التونسي عز الدين مدني، حول المعرض الفني للفنان التونسي نجا المهداوي، بعنوان «غمرة»، مقدمة اختيارية، ذات معان متجلية في فن الخط العربي والزخرفة الإسلامية، يقول فيها: «يا فنّانين! يا مبتكري الأشكال، وساكني رباطات الألوان والأصباغ! يا أهالي مدينة الأنوار والظّلال! يا خالقي الاتّساع، والشّساعة والفضاءات، والمساحات! الدّنيا بأسرها لكم، والعوالم فوق/‏ تحت رؤوسكم لكم، والكون ذو البهجة والجلال والجمال لكم. فدونكم الأبعاد والأعالي والأعماق! لا تتردّدوا، فخذوا البعد الرابع ولكن زيدوا عليه الخامس والسادس والسابع، وهو العدد الذهبي شبه القدسيّ ذو الطّالع السّعيد. فسدرة المنتهى على مقربة منكم». واستمررتُ في تكرار ما كتبه، بيني وبين نفسي، أمشي بانبهار الإنسان أمام ما يعبر من خلاله لإنتاج كل هذا الجمال، واستقررت على زخرفة النجمة الثمانية، وهي إحدى أقدم الأشكال الهندسية، والتي انتشر استخدامها في «قصر الوطن»، واقتفيت مباشرة آثار أنماط الرخام، التي حملت كل واحدة منها قصة بذاتها، إذ تم استخدام أسلوب فريد، تم فيه وضع لوحين رخاميين طبق الأصل، جنباً إلى جنب، مما عكس روعة التصميم. تُعرف هذه العملية بـ «book-matched marble techniqe»، تستخدم فيها ألواح متتالية مستخلصة من كتلة رخامية واحدة، يقوم الحرفيون ذوو الخبرة باختيار الكتلة الرخامية التي تتناسب مع هذه التقنية، وبها تشعر بالاكتمال داخل القصر، كل شيء لم ينطلق من نقطة ما، ولن ينتهي إلى نقطة ما، وهكذا دواليك استدامة في الحركة دونما توقف.

إيحاءات الهندسة
«هل ستتركينني أعرف أنّني من هنا، أُحسُّ بأنني من هنا، مولودٌ هنا؟»
إدواردو غاليانو
في الحقيقة، الألفة التي تنسجم مع فحوى «قصر الوطن»، الواقع ضمن مساحة تقارب الـ 380 ألف متر مربع، مزدانة بنحو 5000 شكل هندسي طبيعي ونباتي متنوع، تحمل وصفاً بديعاً لمواقع ما في تكوينك، تستشعر أنك مررت بالمكان كثيراً، وتكاد تحتفظ بذكريات عديدة، فيتحول الأمر لديك من زائر عابر إلى كونك تجويفا جديدا يملأ فراغ الفضاء الداخلي للقصر، ويجرك إلى مراكش وأسوارها المبنية من الطين الأحمر، وظلال مسجد العزيزية في قونيا، ويحثك للبحث عن أول المعارض الدولية المهتمة بالعمارة في العالم، كالذي نُظم في إنجلترا عام 1851، في القصر البلوري بالهايد بارك وعُرف بـ«اكسبو»، بحثاً عن الأهمية المعمارية في التحولات المجتمعية عبر العصور. ويتشابه وصف الألفه أو ربما يلتقي مع تعبير أبداه الأديب محمد المرّ في كتاب «محمد المر حول العالم في 22 يوم»، عندما تحدث عن رحلته في باريس عام 1994، يقول عنها: «هذه أول مرة أعود إلى مدينة النور بعد غياب طويل، كنت في الماضي أكثر التردد عليها، أكلت الكريب في مقاهي السان جيرمان، وتجولت في حدائق التولوري واللوكسمبورغ والباليه رويال، وشاهدت أعمالاً فنية لا حصر لها في الغراند باليه والبتيت باليه واللوفر ومركز بومبيدو وكلوني، وتأملت باريس من فوق برج إيفل ومن فوق كنيسة نوتردام ومن فوق برج مونبرناس ومن فوق قوس النصر. عشت لياليها العذبة الدافئة وتمتعت بصباحها المشرق الجميل». بهذا التتابع يستشعر القارئ، الحالة التراكمية للزيارة، ومنها إمكانية أن أفهم أن يتمسك الناس بالأمكنة، وإن لم يعيشوا فيها بالضرورة، ولكنهم عاشوا اللحظة نفسها من حياتهم فيها، كتلك اللحظات التي تحدث عنها كافكا في يومياته بأنها شيء لا يعوض، أثناء زيارته لباريس هو الآخر في عام 1910: «تجري حياتي هنا كأنني واثق بأن ثمة حياة أخرى غيرها؛ فالإخفاقات التي آلمتني في باريس، أطمح في هذه الأيام، كي أستعيدها، وبهذا يقع منظر النور الحاد المفصول، وأجزاء الظل على الرصيف».
بعد التمعن الشديد في اللحظة المكتنزة بالمكان، تطلعتُ إلى إدراك التكرار المتجانس للأنماط والأشكال مع الاحتمالات المفتوحة للرؤية لـ«قصر الوطن»، بمعنى أن أستطيع تجميع كل تلك التفاصيل في رؤية واحدة، وما سهل عليّ الأمر، للوعي بكل ما يدور حولي، هو النظر من خلال أربعة مجسمات مكعبة، عاكسة جّل الأشكال الهندسية، تموضعت في زوايا القصر. تكوين تلك المكعبات يهدينا مجدداً مفاهيم علم الهندسة التي ترى فيها الفنانة منير شاهرودي، أن ما يتمركز وسط علم الهندسة هو «hexagons» أو ما يعرف بـ«سداسي الزوايا»، الذي يعكس لنا الاتجاهات: الأمام والخلف واليمين واليسار وفوق وأسفل، وبالمقابل فهو يعزز الانضباط الذاتي، والصبر والعزم ونفاذ البصيرة، والتعاطف، مضيفة أن الجهات الخمس لـ«خماسي الأضلاع» هي بمثابة حواسنا الخمس، فكيف للمكعب في «قصر الوطن» أن يثري حواسنا ونتجاوز عبرها إلى أبعاد غير مرئية، والذي يجعلنا أكثر إدراكاً لتلك المفاهيم، هو استيعاب محاورها الواضحة من مثل «الملمس» المرتبطة لدينا بحاسة اللمس. في العمارة العربية لـ«قصر الوطن»، لا يشترط أن تلمس كل قطعة، فالضوء وعلاقته بالمكعب يحدد في كثير من الأحيان لون وطبيعة الخام، وجميعها تؤثر في حجم الفراغ، فمثلاً الملمس الناعم في «قصر الوطن» يوحي بمفهوم «الاتساع»، الرحابة، وفيها تم توزيع الكتل اللونية والظلال.
عند المكعب تساءلت: من أين ينبع الجمال المتداخل، القادر على إنتاج نفسه في الانعكاس، متأملة اللون الأزرق في القباب الصغيرة، ورسومات السقف، المشعّة بإضاءات خاصة، توازي أشعة الشمس، إنها اختلافات متداخلة بقبول ساحر، لا يمكن الشعور بلحظة انفصال فيما بينها، إنها تستقر عند مفهوم «التقاء العوالم المختلفة» الذي أشارت إليه بالافي دين مؤسس شركة رور للديكور الداخلي والهندسة المعمارية، وهو أن الفن العظيم يركّز على الروابط والتلاقي بين المواد المختلفة كالألوان والبنية والضوء والظل. وموضوع «العوالم المختلفة»، بحد ذاته يمنح شعوراً أزلياً بقوة الكون المبنية على استمرارية التشكّل ومنح مساحات للقاء تبني بنفسها تشكلات عفوية بديعة، وعقل الإنسان فيها، يمثّل أداة رمزية لتوجيه تلك العفوية نحو إرادة تُحدث الجمال المتفرد، إلا أنه خلال عملية «التوجيه»، يبدو أن العقل نفسه، يُدرك بأنه غير «فاعل» بالمعنى المادي للأشياء، ولكنه يملك قدرة الحفاظ على مرونة انسياب عفوية التشكل، من خلال رمزية الفضاء الذي بدون ملاحظته لا يمكن إدراك التشكلات!
في خضم تلك العوالم المتداخلة، أتى صوته النبيل في إطار نور خفيف ولكنه ثاقب، سمعته آلاف المرات مذ ولدتُ على هذه الأرض، في مدرستي وبين زميلاتي بالجامعة، وحتى عندما اخترتُ أن أمتهن وظيفة ستجعلني في كثير من المرات أكتب عن موطني، كان يأتيني حبه صافياً، لا يحتاجُ إلى تفسيرات أو حتى محاولة مكثفة للفهم، إنه عطاءٌ تمثّل في المكان، إنه صوت المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة، «طيّب الله ثراه»، القادم من قاعة «روح التعاون»، في القسم الغربي من «قصر الوطن»، كان صوت حديثه بالضرورة يجعلني أشعر بأنني من هنا، وبأنني أنتمي لهذه العوالم، كارتباط عضوي نما مع الوقت، وأكثر ما أدهشني في القاعة المخصصة لاستضافة الاجتماعات الهامة للهيئات المحلية والمؤسسات الإقليمية والدولية، التي انضمت دولة الإمارات إلى عضويتها، وتشمل انعقاد الجلسات الدورية للمجلس الأعلى للاتحاد.. هو القبة التي تم تزيينها بزخرفة ذات نقوش داخلية من ورق الذهب، وتم توريقها يدوياً، باستخدام فرشاة صغيرة، واللافت أني لمحت الحركة الدائرية داخل القبة، موجة تدور في موجة، تتدلى منها ثريا يبلغ وزنها 12 طناً، وتم تركيبها على مراحل مختلفة، تحتويها 350 ألف قطعة كريستال يستوطنها درج صغير، يستخدم لعملية تنظيف الثريا، التي تقوم إلى جانب حضورها الجمالي، بامتصاص الضوضاء والضجيج في القاعة.
أتذكر حينها كيف وقفت بجانب بعض زوار قصر الوطن، وأسألهم: ألا ترى القبة إنها تتحرك، أليس من الجمال أن نتمتع بهذا الهارموني الساحر للزخرفة؟! الجميع يأتي ويذهب، وأنا واقفة أحاول تفسير خمس إلى ست حركات تموجية في القُبة، السحر في الإضاءة، وانعكاس الضوء عبر الزجاج المعشق. كل موجة زخرفية تتراءى لك أنها تتحرك في اتجاه دائري يخالف اتجاه الموجة الأخرى، ولكن في اختلاف الحركة اتساق ما، انسجام تعتقد أنه ضروري، والذي قد يُشكل بين جنباته حركة للأفكار والمعتقدات والمشاعر والتصورات والذبذبات، إنها الطاقة الباعثة لكل شيء، حياة كاملة تُعاش في القبة. في قاعة «روح التعاون»، مثلت القاعة الدائرية فيها على امتداد القبة التي يعلوها نموذج للتصميم العملي من خلال المكانة المتساوية التي يحظى بها الرؤساء، والقادة المجتمعون حولها، صممت القاعة بشكل متدرج على هيئة مسرح مفتوح، الأمر الذي يمكّن الزوار والضيوف والمرافقين من متابعة مجريات الجلسات المنعقدة أينما كان موقعهم.

اقرأ أيضا

"الهايكو".. الكون في جرعة شعرية مكثفة