الاتحاد

ثقافة

"قصر الوطن".. تحت قِباب المـعرفة

مكتبة قصر الوطن

مكتبة قصر الوطن

نوف الموسى

الثروة الحقيقية هي الإنسان، رسالةٌ أسس عليها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه»، دولة الإمارات العربية المتحدة، وإلى جانبه إخوانه الآباء المؤسسون، ليبدأ من خلالها تشكّل اللبنات المجتمعية والمعرفية والثقافية والاقتصادية والسياسية، إيماناً بقيمة العيش الكريم للفرد. ولم يكن بالإمكان تحقيق ذلك، إلا بجعل العلم والتعلم قيمة أساسية، لإثراء مفهوم العلاقة بين الإنسان والأرض، وإدراك البعد الفكري والتنموي، من التسخير التام للموارد الطبيعية، وجعلها مصدراً نابضاً للتطور والنماء.
في «قصر الوطن»، يستمر ترسيخ مفهوم الرسالة، بمكانة الإنسان، والمسؤولية الجوهرية في الحفاظ عليه وإنماء معرفته، عبر «بيت المعرفة» و«مكتبة قصر الوطن»، فيها نستشف سرداً تاريخياً للمحطات المشعة بتنوير الإنسان في الحضارة العربية، ومقدرته على الإنتاج الثقافي، مقدمين كنوزاً من المخطوطات، اغترفت منها التجارب الإنسانية الخلاقة، باستمرار، ونجمت عنها نشوء دول في التاريخ الحديث، أسهمت في بناء صروح العلم من المكتبات العلمية والأدبية، وجعلتها في اتساق مع ثقافة العمارة والفنون، متخذةً من روح أُناس المكان مصدراً للجمال، تراها بكل ألق عبر العمل الفني الذي يعرضه «قصر الوطن»، وهو بعنوان «طاقة الكلام».

مقتنيات تحكي
«أمشي باسطاً يدي، لكني لا أطلب شيئاً من العالم»
شي تشوان
عطاءٌ في الحُب، عطاءٌ في القُرب، عطاءٌ في العلم، تعبير لتتمت اللغة المعمارية في «قصر الوطن»، وتحديداً عند الجناح الشرقي، عند «بيت المعرفة» الركن المخصص لاستعراض تاريخ الكتب في العالم العربي والمساهمات العربية في الحضارة الإنسانية في مجالات العلوم والفنون والآداب، وفيها يجد الزائر مجموعة المخطوطات التابعة لقسم المخطوطات ومصوراتها في دار الكتب بأبوظبي، والتي تأسست عام 1988. فعلياً، أميل لمحادثة المخطوطات القديمة والكتب القيمة، تعجبني فكرة أن ألتقي معها، وبيننا فيصل الزمن عبر الزجاج الشفاف، فمثلاً شعرتُ بالخط الحجازي في أقدم النسخ الباقية للقرآن الكريم، من خلال المخطوطة النادرة لـ«برمنجهام للقرآن الكريم»، قدمها الأمير تشارلز، ولي عهد المملكة المتحدة أمير ويلز، هذه النسخة إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، في عام 2016. وتلمست إحساس اللون الأحمر لبعض الجمل في مخطوطة «سواطع الإلهام»، خاصةً أنها تفسير للقرآن الكريم بالحروف المهملة، أي غير المنقوطة. ورأيتُ مخطوطة «الأطلس في علم الفلك»، يعتقد أنها تعود إلى أواخر القرن الثالث عشر الهجري، تحتوي على جداول فلكية ورسومات ملونة وخرائط للقارات القديمة. وتعرفتُ عن قرب إلى أول خريطة عصرية للجزيرة العربية من عام 1561، التي رسمها الإيطالي جياكومو جاستالدي، من خلال استخدام المعلومات، التي جمعها المستكشفون البرتغاليون، ويعتقد بأنها أول خريطة تحمل اسم إمارة أبوظبي.
قبل المرور على مخطوطة «تهذيب الأسرار في طبقات الأخيار»، تأملت الحواشي في مخطوطة «المقصور والممدود»، المتخصصة في علم الصرف، وكيف أنها خاضت مرحلة ترميم حديثة، وهي مخطوطة نفسية من حيث تاريخ النسخ، حيث نسخت في القرن السابع الهجري 650 هجرية/‏‏ 1252 ميلادية. وبما أنني أهيم بالزخرفة، أسدلتُ ناظري بخفة على الأغصان المرسومة في بداية صفحة مخطوطة «تصريف العزي» أو «العزي في الصرف»، مخطوطة في علم الصرف من تأليف الشيخ عبدالوهاب بن إبراهيم بن عبدالوهاب الخزرجي الزنجاني، المتوفى عام 655 هجرية/‏‏ 1257 ميلادية. وكان من الجميل أن أرى شرحاً باستخدام خط مغربي عادي، لمخطوطة في علم الفلك، وهي: «شرح أرجوزة المقنع في علم أبي مقرع». ويضم «بيت المعرفة» موسوعة «التاريخ الطبيعي»، ما يصل إلى 20 ألف حقيقة، قام بجمعها الباحث الروماني بلينيوس الأكبر (23-79م)، والذي يعد المصدر الأكثر أهمية للمعرفة الجغرافية والعلمية في العصور القديمة الكلاسيكية، ومخطوطة «شرح لامية الزقاق الخاصة بفقه القضاء وأصول المحاكمات» وهو نص من دراسات القانون والممارسات القضائية، وهي مخطوطة نادرة من تأليف محمد بن محمد بن عبدالله الدليمي الورزازي الدرعي، الذي توفي عام 1166 هجرياً. ويستمر عُرس العمارة العربية والإسلامية في «بيت المعرفة» بـ«قصر الوطن»، متصلاً بقيم القُبول والجمال، تراها تبرز أكثر في عرض القصر للكتب السماوية الثلاث: القرآن الكريم، والإنجيل، ومزامير داوود.
في «بيت المعرفة»، هناك احتفاء بالخط العربي، كمثل الخط الكوفي، الذي يتألف من 17 حرفاً متحركاً، دون تشكيل أو تنقيط، جاعلاً بذلك من القراءة أمراً صعباً وتأويله مفتوح لتفسيرات مختلفة، أليس الإعجاز كان دائماً في القدرة البديعة على التأويل، وهو الفضاء الفسيح لكل تلك الاحتمالات، التي استعرضتها العمارة في قصر الوطن، والممتدة إلى تفاصيل «بيت المعرفة»، فالأخير يستعرض بدايات استخدام الورق البردي العربي وقطع الورق، والعصر الذهبي للمكتبات العربية، وآلية استخراج الألوان من الطبيعة، في هذا الركن بدأتُ بكتابة الملاحظات، اهتماماً مني لفهم علاقة البيئة باللون في الثقافة العربية والإسلامية، والذي بدوره أثر في شكل العمارة وتأثيرها، حيث اللون الأحمر مصنوع من الزنجفر المطحون، واللون الأصفر كان من معدن الأوربيمنت، والأخضر من المالاكيت.
بين كل لحظة، أخرج فيها من بوابة الجناج المؤدي إلى «بيت المعرفة»، ولحظة دخولي إلى بوابة الجناح المؤدي لـ«الهدايا الرئاسية»، مسافة امتداد من الشرق إلى الجناح الغربي لـ«قصر الوطن»، متداخلة تشبه خطوط السجادة التركمانية يدوية الصنع، التي جاءت ضمن الهدايا الرئاسية في «قصر الوطن»، التقى فيها سحر الذهبي، من خلال مزهرية من العصر الفينيقي، المهداة من الجمهورية اللبنانية، والذي عُثر عليها في مدينة جبيل في لبنان، وعلى الرغم من عدم توفر معلومات دقيقة، حول تاريخ بدايات المدينة، إلا أن العلماء يعتقدون أن تاريخ موقع اكتشافها، يعود إلى ما قبل 7000 عام على الأقل.
استمر تأثير اللون الذهبي، أيضاً، من خلال اللباس التقليدي لـ جمهورية كازاخستان، ضمن مجموعة الهدايا الرئاسية، وجاءت «منحوتة محارب مع حصان»، ضمن الهدايا الرئاسية من جمهورية أوكرانيا، ممثلةً لغة نحتية دقيقة بين عيني المحارب وشجاعته، وبين صرخة الحصان وانجرافه. وللملكة العربية السعودية وعلاقتها التاريخية والاجتماعية والثقافية مع دولة الإمارات، تمثيل استثنائي عبر حضور قطعة من كسوة الكعبة المشرفة، وحقيبة مفتاح الكعبة المشرفة، ضمن أبرز مقتنيات وزارة شؤؤن الرئاسة ـ دولة الإمارات العربية المتحدة. ويعد تبادل الهدايا خلال الزيارات الرسمية بين الدول تقليداً قديماً، وما يزال يمارس في جميع أنحاء العالم، إذ يجسد روح العلاقات الودية بين المضيف والضيف، وتعكس الهدايا الدبلوماسية، الثقافة والقيم الاقتصادية للدول التي تقدمها، وقبل الخروج من جناح الهدايا الرئاسية، تلاقت عيني مع الأشرعة البيضاء للقارب الخشبي، المهداة من دولة الكويت، وفيها استشعرت إيقاعاً بحرياً، يدفُ نحو مراسي اللقاء والانسجام والمحبة بين أهالي دول الخليج العربي.
فُرصة جميلة يتيحها «قصر الوطن»، لاكتشاف «مائدة الشرف الرئيسة»، ضمن جناح خاص، تضم فيه القاعة 149.000 قطعة فضية وكريستالية مصممة خصيصاً لقصر الوطن، يتعرف فيها الزائر على أشكال تقديم الولائم في المناسبات الرسمية، ما يعكس كرم الضيافة الإماراتية، فيما يقدم لممثلي الدول الشقيقة والصديقة. وتماشياً مع القواعد والبروتكولات، التي يجب أخذها في الاعتبار على مائدة الشرف، يقوم ضيف الشرف بالجلوس على يمين المضيف دائماً، أما الطاولات المقابلة لمائدة الشرف الرئيسة، فينبغي أن تكون نصف فارغة، حتى يكون الضيوف الجالسون عليها، مواجهين بشكل مباشر للمضيف وكبار ضيوفه. تستضيف المائدة الرئيسة ضيوف الشرف وكبار الشخصيات وتتسع لما يصل إلى 300 شخص.

تفاعل ثقافي
«المادة الثقافية تحتاج لكي تنتقل إلى أن تبدو عالمية»
أوليفييه روا
ها هي أبوابُ القصر تفتح مجدداً لأعبر نحو فضاءات الساحة الخارجية، وصولاً إلى المدخل الخاص بمكتبة «قصر الوطن»، فالأمر احتاج أن أمر بجانب مسكن الماء والنوافير، وأرى انعكاسات الواجهة التي بنيت من الجرانيت الأبيض، والحجر الجيري، إنها تنجرف على مرايا الماء كأنها أطياف، وقفت في الوسط بين المبنى والانعكاس، أحاول الاتزان في الصورة، لألتقط الهدوء المكتنز في التجسيد، في محاولة للتبعثر والتلاشي والانصهار، وبه استكمل روح اللوحة عبر تقمصها التام، والمسيرة لفهم ذلك يحتاج بالتأكيد للحكمة القادمة من المعرفة النابعة من مصادر الحياة المختلفة، لذا يأتي الكتاب كعادته البهية في مكتبة «قصر الوطن»، احتفاء يؤكد للثقافة دورها اللامتناهي في إعادة فهم الحضارة، وما قدمته وستقدمه للبشرية والإنسانية. عبر حوالي 5000 مخطوطة وكتاب، يصل فيها إجمالي العناوين إلى 483.937، تؤسس مكتبة «قصر الوطن»، وجهة عالمية للباحثين والطلاب، تشمل المراجع المخصصة بالجوانب التاريخية والجغرافية، إلى جانب مراحل تطور الدولة في السياقات السياسية والاجتماعية والثقافية. وتضم المكتبة وثائق تتطرق إلى عدد من المواضيع في فن العمارة والتاريخ وعلم الأحياء وعلم الأجناس البشرية. وتغطي الكتب والمنشورات فيها مواضيع متعددة تشمل علم الفلك والتاريخ والثقافة والأدب وغيرها من العلوم الإنسانية، وتم إصدارها من قبل مؤسسات ثقافية مختلفة، ومراكز بحثية، والوزارات المعنية داخل الدولة، ومجموعة من دور النشر الإماراتية. إلى جانب أن مكتبة «قصر الوطن»، تضم مكتبة رقمية تحتوي على 16 مليون مادة متنوعة، يمكن الوصول إليها إلكترونياً من أي مكان. ويمكن للزوار دخول المكتبة مجاناً، من خلال مدخل خاص منفصل، وذلك بعد قيامهم بالتسجيل في مركز الزوار.
أُغرمت بمدخل مكتبة «قصر الوطن»، الذي اعتمد على تصميم رفوف المكتبات العريقة في التاريخ العربي والإسلامي، مع قبة في وسط المدخل. الساحر في قبة المكتبة هو الخطوط المزخرفة كأنها أوراق سعف شجرة النخيل، وتشبه كذلك ريش الطاووس، ورأيتها في مرات كثيرة كأنها اندفاعات لمياه نافورة، الحركة فيها كإشعاع يظهر من مصدر الدائرة، ويشع في اتجاهات متوازنة ومحددة، تعي تماماً نقطة الوصول، رغم عفوية التوجه نفسه.
في توقيت زيارتي للمكتبة، صادفتُ إقامة معرض فني بعنوان: «معرض دلالات المكسيك ـ الكتب القديمة في العالم الجديد». يسعى البرنامج الثقافي لـ«مكتبة قصر الوطن»، إلى استثمار جهود رواد العمل الثقافي في الدولة، ودول الخليج العربي، وسائر الدول العربية، من خلال برنامج يتضمن طيفاً واسعاً من القضايا الثقافية الراهنة، مستهدفاً تنفيذ ثلاثة برامج، أولها برنامج «كاتب فائز بجائزة»، يستضيف فيه أحد الكتاب الفائزين، بجائزة أدبية للحديث عن تجربته وخبراته وآرائه المتعلقة بالجائزة. والبرنامج الثاني هو «ثقافة عابرة للحدود»، حيث يستضيفون كذلك كاتباً عربياً أو أجنبياً، ليقيم حواراً مباشراً مع الموهوبين، خارج إطار الورشات التدريبية المتعارف عليها. والبرنامج الثالث هو «أقلام مبدعة»، الذي يختص بالتدريب على تقنيات الكتابة الإبداعية، ومدته ثلاثة أيام من كل شهر.

تجربة فنية
«طاقة الكلام» في قَصْر الوطنَ.. أسمى وأجمل تكريم
مطر بن لاحج
منذ اللحظة، التي التقيت فيها بالفنان الإماراتي مطر بن لاحج، بعد أن شاهدتُ أو بالأحرى عشت تجربة، عمله الفني «طاقة الكلام»، في قصر الوطن، سألته مباشرة ونحن واقفون، وبصورة حيّة، قبل أن نبدأ حوارنا: «هل يُمكن للعمل الفني، أن يجعلني أستحضر طاقة الإيمان بقيمي وأفكاري ومشاعري وانتمائي وهويتي ووطني ومكاني وذاكرتي وتاريخي؟! وظل مطر بن لاحج يبتسم، بعد كل «واو» أضفتها، وقال: «أنتِ تملكين إجابتكِ. أنتِ هي «الواو» الرابطة بين كل مسارات الطاقة، في كلام المؤسس الشيخ زايد بن سلطان « طيب الله ثراه». عند اللحظة التي استشعرتِ فيها تلك الحروف وأثرت فيكِ، إذن ساهمت في تحريك وعيك نحو موجة شعورية ما، فأنا بذلك لم أقدم عملاً فنياً فقط، بل ربما سعيت إلى تجسيد رغبتنا جميعنا في أن نبقى مؤمنين بتلك الحروف، وتلك الكلمات.. التي أنجزت لنا وطناً».
كنتُ أسعى إلى أن نخفف مآلات التفكير بالعمل الفني «طاقة الكلام»، ونتوسع أكثر في مفاهيم التجربة، طوال الطريق إليكَ سألت نفسي، ما الذي تعنيه بالدافع الدائم لديك لمخاطبة الخيال، وقبل كل شيء، هل تتخيل ردة فعل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، إذا كان حاضراً وشاهد العمل، بروية وهدوء مطمئنين يجيبني مطر: أتصدقين، كانت أمنيتي أن أراه بشكل شخصي، وأستمع إليه، وأستطيع القول إنها تحققت الآن، من خلال أن يحضر عملي الفني في «قصر الوطن»، وأتشرف بافتتاحه من قبل قيادتنا الرشيدة.. بالنسبة لي هذا أسمى وأجمل تكريم لي بحد ذاته، وهو الاهتمام الذي يرتب على روح الفنان، فهو ليس تكريماً اعتيادياً، فيه المسرح عبارة عن فضاءات تاريخية فنية، عبر حضارة عربية وإسلامية جُسدت في قصر الوطن، والجمهور فيها مستدام طوال الأزمنة القادمة.
أما فيما يتعلق بسؤالك حول مخاطبة الخيال، عبر العمل الفني «طاقة الكلام»، فإن الأمر في بادئه مرتبط برمزية الكلام نفسه، المتصلة بروح المؤسس، والذي بطبيعة يتطلب إنتاج لغة خاص، نابعة من فهم الفنان لأدوات كثيرة، نتاج التمركز الذي يبنيه في خياله، يعني يمكنكِ النظر إلى حواف المجسم ككل مثلاً، تلاحظين أنه غير مثبت على قاعدة كبيرة، تهديكِ روحانية ارتباطها بما يمكن تسميته بـ«الهالة». التي مجرد أن يدخل إليها الزائر، يبدأ في خلق قصته المتفردة عبرها. ولكل شخص الحق في آلية تعبيره للحوار الناتج داخل العمل الفني، اعتماداً على وعيه ومعرفته وذوقه كذلك. بمجرد سماعي لك مطر، وأنت تقول «داخل العمل الفني»، أود التأكيد أن قوة العمل نابعة من حجم الفراغ الموجود، إضافةً إلى وزنه الذي يقدر بنحو 12 طناً، وهكذا أعمال تحتاج دائماً أن يتم استيعاب الفنان فيها..
وباهتمام شديد يتفاعل مطر: صحيح أنا معكِ تماماً في نقطة الاستيعاب، فعندما كُلفت من دائرة الثقافة والسياحة ـ أبوظبي، بإنجاز العمل الفني «طاقة الكلام»، فإنني كفنانٍ يجب أن أكون في حالة تأهب دائمة، لأطرح فيها أعمالي كاحتمالات متتالية، في أن تكون ضمن فضاءات نوعية، خاصةً إذا تحدثنا عن مفهوم الوصول لـ«الاحترافية». وولادة الأعمال عادةً لا ترتبط بالمكان، لكنها اتفاق ضمني بين الفنان وقريحته، ما يجعله في ترجمة مستمرة لحالة الإنتاج، هناك ضاغط نفسي داخلي لدى الفنان، قد لا يستشعره الكثيرون من عامة الناس، ولكن الفنان يدركه تماماً، ويُقدر أن تلك الأعمال يجب أن تخرج دائماً للنور، ليتيح للخيال مساحة أكبر لإنتاج أدوات جديدة، بقاء الأشياء في داخلك تؤدي في مرات عديدة إلى تعطيل أجزاء منك كفنانٍ دون أن تدري. والاستيعاب الفعلي من قبل القائمين على دائرة الثقافة والسياحة ـ أبوظبي، يشكرون عليه، كونه قائماً على إدراك لقيمة الفنان وأدواته الإبداعية.
أسأله: العمل يهدي الزائر مستوى من الإتقان، هل كان كل شيء واضحاً في القطعة الفنية، كيف تعاملت مع حروف الكلمات، وصولاً إلى شكلها الحالي، كيف تعاملت مع تحدي المساحات، هل كنت ترى العمل الفني حتى قبل أن يتم وضعه في القصر؟! يهز مطر رأسه مرتين: نعم نعم، رأيت العمل قبل كل شيء، كان موجوداً هنا (يؤشر بأصبعه على رأسه)، حتى في زيارتي لـ«قصر الوطن»، قبل أن يكتمل بصورة كلية، قمت بقراءة المكان والمقاسات، كوني شخصاً أعيش في عالم الكتلة والزوايا، طوال الوقت، فإن الأمر بالنسبة لي متعة صرفة، ولأكون أكثر دقة، فإن الإتقان يولد من إيماني بالمنتج الذي أنجزه، أنه واضح كالشمس، فإنني عندما أبدأ برسم لوحة أدرك ماهية النهاية، الوصول لا يكون مصادفة، بل يكون ممنهجاً ومدروساً.
ألا ترى أنها مدهشة، فكرة حضور عملك المعاصر، وسط زخم من التعابير الزخرفية العربية والإسلامية، التي فيها يدور كل شيء، هذا التمازج البديع، الذي أعطى حضور الحروف العربية فيه، مستوى من التكامل، ما ينتج فكراً فلسفياً جديداً من المنظور الجمالي في قصر الوطن؟! وبكل صراحة، يقول مطر أن المبدأ في خياله، يعتمد على أن ينظر إلى كل العناصر الفنية وتراكيبها ويخالفها، على سبيل المثال فإنه ينظر للمربع، ومنه يُبدع مربعه الخاص، حتى الخط العربي، فهو ينتجه بطريقته الخاصة. وفي حضور ذلك في «قصر الوطن»، يستطيع الناظر التوصل إلى كيفية أنها دوائر شكلية نستطيع أن ننتج من خلالها ملايين الدوائر، ولا يتعارض أحد منها مع الآخرى، في العموم تتقاطع وتعود للانسجام. سحرٌ ما يسري في الالتقاء بين عمل «طاقة الكلام»، والزخارف العربية في القصر، قد تتعدد وجهات النظر حول ذلك، ولكنني دائم البحث عن تلك الطرق التي أستطيع أن أصل بها إلى الناس فنياً. (يفكر قليلاً مطر)، ويطرح فكرة قائلاً: أنسب طريقة اليوم لخلق هالة التسامح مثلاً، هو أن تضع دائرة على مساحة 100 متر، وتجعلها ممراً للناس، حولها مساحات يستطيعون الحركة فيها أو زراعة شجرة، فهل يمكنكِ قياس مدى الأثر، الذي بإمكانها أن تصنعه على الذات والروح؟!
بالطبع، أستطيع قياس الأثر، فأنت تذكرني كيف ساهمت منحوتة «ثور وول ستريت»، التي قدمها النحّات الإيطالي أرتورو دي موديكا، رمزاً لقوة الأمريكيين، لإثراء عزيمة أهل نيويورك وقتها، وهذا يدعوني مجدداً للتساؤل، حول الوعي المجتمعي وخطوط تفكير الفنان، التي تبدو عادة متسارعة أكثر من محيطه، فعندما تقول لي إني أرى صوتاً ما في العتمة، وأحاول أن أخلق خطاً يجسد هذا الصوت، وأشاركه العالم بصرياً، وبالتالي أصل بهم لفهم الحركة في الفضاء عبر بعد الزمن، كل هذا يا مطر، وأنت تشارك اليوم بقطعة فنية في قصر الوطن، كيف يمكننا أن ننقله إلى مستويات استيعاب أكبر في مجتمعاتنا؟! يشدد مطر هذه المرة على كل كلمة يتلفظها، كأنه يريد التأكيد ويبدأ بمسألة المساحات، وأردف: إذا أردنا مجتمعاً يتذوق الفنون يجب أن نجعله يتلقى الفن في كل جوانب حياته، من خلال أن نبني له بيئة مفتوحة يعيش فيها الكل، ويُعطون فيها شيئاً من الإجبار البسيط، ليتولد لديهم حس الانضباط. نحن دولة متنامية ويافعة، يسيطر عليها الإعمار بنسبة تقارب الـ 90%، ما يوحي بأهمية تلك المساحات التعميرية، التي يجب أن نوجد فيها الفن، ما يسمح بإثراء تجربة الفنانين الذين سينافسون بدورهم في مسألة الإنتاج والمشاركة المجتمعية.
وأخيراً مطر، كيف تنظر إلى مفهوم الأصالة في العمل الفني، إذا ما تمت مقاربة الأعمال المعاصرة مع فنون آخرى؟ يعيد (مطر بن لاحج الكلمة مرتين)، تقصدين الأصالة.. الأصالة..، إنني أراها من منظور تأصيل الفنان لفكره المتفرد.

 

 

اقرأ أيضا

"الهايكو".. الكون في جرعة شعرية مكثفة