الاتحاد

ثقافة

«إخوان النازي».. وقائع جاسوسية حسن البنّا

ملصق الفيلم

ملصق الفيلم

إبراهيم الملا

يستهلّ فيلم «إخوان النازي»، للمخرجة جيهان توفيق، إطلالته التوثيقية بلقطات مكثفة، تستعيد صورة الزعيم النازي الألماني، أدولف هتلر، المهيمنة على الكادر البصري، ومع هذه الصورة الطاغية بتأثيرها التاريخي المدمّر، والمعزّزة بلقطات متسارعة لسرب من الطائرات والدبابات الألمانية المتطورة آنذاك، يأتي التعليق الصوتي، الذي بدا غرائبياً للوهلة الأولي، والمتمثل في الآية القرآنية: «اقتربت الساعة، وانشقّ القمر»، التي استعان بها هتلر في بداية خطابه الموجّه للجماهير في برلين، واعتبرت الاستخبارات البريطانية حينها أن الاستعانة بهذه الآية القرآنية كشيفرة سريّة، تؤكد تأثر هتلر بأدبيات الجهاد الإسلامي، وأنها حملت في طيّاتها تصريحاً مضمراً ببدء عمل حربي كبير، وهو تنفيذ قرار غزو ألمانيا لروسيا في بواكير الحرب العالمية الثانية.
مع هذا المشهد الاستهلالي، الجامع بين التشويق والريبة، يأخذنا فيلم «إخوان النازي»، الذي انفردت بعرضه قبل أيام «قناة أبوظبي»، وعلى مدار ساعة كاملة، إلى ساحة محتدمة من التأويلات والنظريات الداعمة، لفرضية تعاون تنظيم الإخوان الإرهابي، الذي أسسه حسن البنا في مصر، مع الرايخ الألماني (دويتش رايش) من سنة 1933 إلى 1943، ومع الرايخ الثالث (دريتس رايش) الممتدة حتى العام 1945.

3 عناصر
اعتمد الفيلم، الذي عرض في أبريل الماضي، بمهرجان الإسماعيلية السينمائي، على ثلاثة عناصر أساسية، لتحقيق بنية متكاملة لعمل وثائقي، قائم على البحث التفصيلي والمتشعّب في السجلات التاريخية المدوّنة والمصوّرة، لتفسير وقائع وأحداث انطوت على الغموض واللبس لسنوات طويلة، وتمثلت هذه العناصر في اللقطات الأرشيفية النادرة، والشهادات والشروح التي أدلى بها عدد من الباحثين والمتخصصين في شؤون الجماعات الإسلامية، وارتكز العنصر الثالث في بنية الفيلم على مشاهد تمثيلية مستوحاة من قصص وتفاصيل حياتية متشابكة مع تلك الفترة، التي شهدت صعود الجماعة الإرهابية في مصر، وتغلغلها في النسيج المجتمعي، وتأثيرها على طيف واسع من الشعب، متّخذةً من الخطاب التعبوي والحماسي، وسيلة لإثارة العاطفة الدينية، وتمرير أجندتها السياسية بتدرج.
وكانت المخرجة جيهان توفيق، قد أشارت، بعد العرض العالمي الأول للفيلم، بأنها عاشت لحظات رعب كبيرة أثناء تصوير الفيلم، نظراً لحساسية الموضوع، ولكن نجاحها في امتلاك وثائق نادرة منحها الثقة في نجاح العمل الأول لها في مجال السينما الوثائقية.
يبدأ الفيلم في اتخاذ مساره التصاعدي، مباشرةً بعد اللقطات الاستهلالية، من خلال ملاحقة الحيثيات والشواهد الداّلة على ارتباط حسن البنا، زعيم تنظيم الإخوان الإرهابي في مصر، بالاستخبارات الألمانية، وتأثر البنا بالسياسة التوسعية، التي انتهجا الفوهرر الألماني، أدولف هتلر، كونه الزعيم الأقوى في العالم، قبيل اندلاع شرارة الحرب الكونية الثانية، ويوضح الفيلم أن اتصال الإخوان بالنازيين شهد تطوراً ملحوظاً، رغم ارتباط البنّا المبدئي والوثيق ببريطانيا، كطرف مناوئ ومعادٍ للخطاب النازي، وتكشف الوثائق النادرة التي يعرضها الفيلم كيفية استغلال الجماعة الإرهابية لأوراق اللعب الدولية المختلفة، والبحث عن الطرف الأقوى والأكثر قدرةً على كسب الحرب العالمية الثانية، واتخاذه حليفاً رئيسياً من أجل تحقيق حلم «الخلافة»، القائم أساساً على «وهم اليوتوبيا» وجنون التخيلات المستحيلة.

وثائق سرية
يشرع الفيلم، بعد ذلك، في قراءة وتحليل الوثائق التي كشفت عنها بريطانيا، والتي عُثر عليها في الأقبية والمخازن والدهاليز السرّية للرايخ الثالث، بعد هزيمة ألمانيا في الحرب على يد التحالف الدولي، وكانت هذه الوثائق الخطيرة والمراسلات الخطّية هي أصل ومنطلق الإدانات الدامغة ضد قادة الغيستابو (الشرطة والاستخبارات السرية النازية)، وضد قادة معسكرات الموت الألمانية، أثناء محاكمات نورنبيرغ الشهيرة، وهي الوثائق والمراسلات ذاتها التي كشفت عن ملامح التعاون السري بين الجماعة الإرهابية والجهاديين الإسلاميين من جهة، وبين قادة الحزب النازي من جهة أخرى.
يوضح الفيلم، أيضاً، أن العنصرية العرقية للنازي، المتمثلة في الانتماء للجنس الآري النقي، تلاقت مع العنصرية الدينية للإخوان، الذين اقتنعوا بفكرة الخلاص من الجاهلية المستحدثة، وأنهم يمثلون النقاء الديني للفرقة الإسلامية الوحيدة الناجية، والقادرة على استعادة زمن الخلافة الذهبي، وأن هذا التداخل، القائم على تبادل المصالح واستثمار الفرص، دفع حسن البنا إلى تجنيد الآلاف من الشباب المصريين اليتامى والفقراء وغير المتعلمين، وخصوصاً في الأرياف والمدن الهامشية في مقاطعات مصر وأقاليمها البعيدة، لترحيلهم سرّاً، والزجّ بهم بعد ذلك في معسكرات التدريب النازية، والالتحاق بقوات هتلر في حربها ضد قوات الحلفاء، وحمل هذا الفصيل الإسلامي اسم: (فرقة إخوان النازي)، وبدورها كانت النخب النازية تنظر بإعجاب لتاريخ الفتوحات الإسلامية، وترى في المقاتل المسلم نموذجاً للقوة وللحماسة المتوقدة، لتحقيق الانتصار والتفوق على الأعداء.

أسرى «الإخوان»
وفي وثيقة نادرة، عرضها الفيلم، تصدّرها عنوان: «سرّي للغاية»، يقول أحد الضباط البريطانيين: «لقد صدمت عندما علمت أن قواتنا قد أسرت 56 أسير حرب من جنود جماعة الإخوان، من الذين حاربوا في صفوف القوات النازية على الجبهة الإيطالية، في مايو من العام 1943» ويضيف الضابط البريطاني: «أن فرقة الإخوان النازية تتكون من 55 ألفاً من الشباب العرب والمسلمين، بينهم 15 ألفاً من المصريين، تبقى منهم 939 جندياً، من ضمنهم الأسرى الستة والخمسون».
تكشف هذه الوثيقة النادرة، الجذور العميقة للفكر النفعي الضارب في العقلية الإخوانية، والتي تطيح في النهاية بكل المبادئ الأساسية لمنهجهم الديني، حيث يطغى على الفكر الإخواني: التلوّن وتغيير القناعات والتصفيات الجسدية لأصدقاء الأمس وخصوم اليوم، وتبديل التحالفات طبقاً للظروف المستجدّة، والتي يكون الانحياز فيها دائماً للطرف الأقوى، من أجل تسلّق السلّم الأكثر ثباتاً وعلوّاً، للقفز على كرسي الحكم في نهاية المطاف والشروع في تأسيس البنية الأولى لحلم الخلافة المزعومة.
وفي استتباع ذكي للمعلومة الصادمة في الوثيقة، قامت المخرجة بعرض شريط سينمائي تسجيلي، يتم نشره لأول مرة، والمتضمن مشاهد لهؤلاء الأسرى الستة والخمسين من فرقة الإخوان النازية، الذين وردت أسماؤهم في متن الوثيقة البريطانية، وهم عائدون إلى ميناء الإسكندرية، حيث كانت عمليات تبادل الأسرى تتم بشكل دوري في تلك الفترة، بإشراف منظمة الصليب الأحمر الدولية عند معسكر «سيدي برّاني» على حدود مصر الغربية، ونرى في هذا الشريط المكثف بصرياً حجم الانكسار والخذلان في ملامح الفرقة الإخوانية المثقلة بالخيبة والسقوط في وهم الخديعة، بينما نرى في الطرف الآخر معالم النشوة والانتصار على ملامح الضباط الإنجليز، وهم يكشفون خيانة وانقلاب القيادة الإخوانية على شروط الاتفاق، التي تحرم تماماً التواصل والتعاون مع القوات النازية، العدو الأول لقوات التحالف.

سؤال إشكالي
يثير الفيلم تالياً، السؤال الإشكالي الذي ظل لفترة طويلة محلاً للجدل، وتجاذب الآراء المتضاربة والنقاشات المتفاوتة بين نفي وتأكيد، من أجل الوصول إلى إجابات حاسمة، تقطع هذا الجدل وتضع نقاطاً دالّة فوق حروف، بقت مشتتة ومبهمة في السجلّ التاريخي الأسود لجماعة الإخوان الإرهابية، وتمحور السؤال، حول طبيعة العلاقة التي جمعت بين الفكر النازي وفكر الإخوان، وبين تطلعات هتلر وأمنيات حسن البنا، ونوعية الكائن «المسخ» الذي أنجبته العلاقة المشبوهة بين الطرفين.
ويسلّط الفيلم الضوء هنا، وفي سياق التقاطع بين هاتين الأيديولوجيتين، على فكرة: «التمكين» باعتبارها فكرة تتغذّى على غريزة سياسية محضة تسعى إلى الاستحواذ على الأتباع، بغض النظر عن الوسائل العنيفة والدموية للوصول للهدف النهائي، وهو غزو العالم والسيطرة على شعوبه وثرواته ومقدراته، وتصفية كل من يعارض هذا الجنون العقائدي، المستند على وهم التفوّق والعلو في الأرض، وتطويع كل البشر ضمن المفهوم الاستعبادي لنموذج «الراعي والقطيع»، فكل من هتلر وحسن البنا، كانا ينظران بشكل مثالي لمخرجات فكرة «التمكين»، وأن كل التضحيات المبذولة والدماء المسفوحة لتحقيقها، هي مجرّد خسائر جانبية للوصول إلى الهدف الأسمى.
وهذه الأنانية الأيديولوجية، كما يتوضح في اللقطات والشهادات والأحداث التي يستحضرها الفيلم، هي التي دفعت حسن البنا للتضحية بأرواح الآلاف من الشباب المصريين، وتحويلهم إلى أكباش فداء في جحيم حرب، لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وسط مشهدية عبثية ملطخة بالصراخ والألم والدم، يكررها اليوم وبشكل مطابق تماماً جنود دولة «الخرافة» الإسلامية – داعش – في حروبهم العبثية والخاسرة دائماً في مناطق النزاع والتوتر حول العالم.
يستعرض فيلم «إخوان النازي»، أيضاً، ما يمكن وصفه بالتحالفات المؤقتة، التي لجأت لها جماعة الإخوان لتحقيق مشروعها الأممي، والتي أثمرت عن نتائج عكسية، ساهمت في انكسار استراتيجيتها الخبيثة في كل مرة، خصوصاً عندما قامت الجماعة بتوزيع تحالفاتها المتضاربة داخلياً وخارجياً، فقد سعوا بدايةً إلى التحالف مع الملك فاروق ثم انقلبوا عليه، وتحالفوا مع حزب الوفد وانقلبوا عليه، وحدث نفس الأمر مع حزب «مصر الفتاة»، وحاولوا التواصل مع قوى كبرى، مثل الإنجليز والألمان والأميركيين في محاولة لتوظيف اللاعبين الكبار لخدمة مشروعهم، كما يشير إلى ذلك الباحث المصري (أحمد بان)، المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية، أثناء مداخلته في الفيلم، والذي أضاف أن التقدير الزائف للقوة لدى حسن البنا، هو الذي دفعه إلى التعاون مع النازية، وإيهامها بأنه يعمل لصالحها.
ويتتبع الفيلم، مراحل إنشاء وصعود وانتشار فكر الإخوان في مصر، منذ بداية تأسيسها في العام 1928، على يد سلطات الاحتلال البريطاني، التي رأت في الإخوان قوة دينية صاعدة لضرب القوى والتيارات الوطنية في مصر، وكان من أهداف البريطانيين في دعمهم المادي والاستخباراتي لجماعة الإخوان، السعيّ لتمزيق النسيج الاجتماعي المصري، وتفريقه على أساس ديني، وبالتالي إبقاؤهم كسلطة احتلال لأبعد زمن ممكن، غير أن حلم حسن البنا أخذ في التضخّم تدريجياً، وتجاوز التصوّر الإنجليزي لتوظيف الإخوان، فأصبح أمين الحسيني، مفتي القدس، وسيطاً بين البنا والحزب النازي الحاكم في ألمانيا، فبعيداً عن عيون الاستخبارات البريطانية، كان البنا يعمل في الخفاء على توطيد صلته بهتلر، الخارج مثل طائر الفينيق من هزيمة الحرب العالمية الأولى، والمتصدر للمشهد العالمي كأعنف شخصية عسكرية يمكن الاعتماد عليها.
وتتوافق الوثائق، التي عرضها الفيلم، مع فرضية استثمار أدولف هتلر لفكرة الجهاد الإسلامي داخل المعسكر النازي، وكسب ولاء مقاتلين مسلمين أشداء بالتنسيق مع تنظيم الإخوان في مصر، حيث يشير وزير التسليح والذخيرة النازي، ألبرت شبير، في كتابه: «داخل الرايخ الثالث» أن هتلر صرّح ذات مرة في أحد الاجتماعات قائلاً: «إن المسيحية ليست ملائمة للمزاج الجرماني، على عكس الإسلام»، وكما يشير المؤرخ الفرنسي، جيل أردينا، فإن هنريش هيملر، قائد القوات النازية الخاصة، قال ذات مرة: «ليس لديّ ما أؤاخذه على الإسلام، بل بالعكس، هو دين مفيد وملائم للجندي».
وهذا الميل النازي تجاه النزعة الإسلامية المتشددة التي أسيء فهمها، استغله حسن البنا كذريعة وحيلة تبريرية تضفي الصفة الشرعية على تعاونه مع دول كافرة حسب منظور الإخوان للأغيار والمخالفين لمنهجهم.

التعاون مع الشيطان
فيلم «إخوان النازي»، عمل نوعي وجريء، يفتح مجالاً واسعاً لبحوث وتنقيبات جديدة، لاستقصاء وقراءة التاريخ المعتم لتنظيم الإخوان، وهو فيلم يستند على مادة بصرية جادّة ومدعومة بمعلومات ووثائق سرية، يكشف عنها للمرة الأولى، بعد الإفراج عنها في العام 2017، والتي تدعم فرضية تحوّل حسن البنا إلى جاسوس للرايخ الثالث، وكيفية توظيف الجماعة الإرهابية للدين لتحقيق مآرب سياسية، تنهش في فكرة الوطن والمواطنة، وتبيح للإخوان التعاون مع الشيطان، ومع كل قوى الشر في العالم، لتخريب أي مشروع تنموي طموح ومواكب لتطورات العصر، وهو فيلم يفضح التخبط الكبير، الذي عاشه قادة الإخوان، وعلى رأسهم حسن البنا، وأن تعاونهم مع ألمانيا النازية والقوى الاستعمارية، هو دليل دامغ على تحولهم إلى مخلب قط، وشوكة في خاصرة الدول الأمنة والمستقرة، وبرهان ناصع على عمالتهم ومتاهتهم الفكرية ولوثتهم العقائدية، التي لا تطرح سوى الثمار المرّة والدموية المعيقة لآليات العيش المشترك بين الشعوب، وبالتالي إعاقة أي تجسيد حقيقي لحلم الازدهار والنماء في الأوطان العربية والإسلامية.

 

 

اقرأ أيضا

"الهايكو".. الكون في جرعة شعرية مكثفة