الاتحاد

دنيا

حياة بلا استقرار

مسلسل طويل وعريض أعيشه يومياً منذ أن ولدت قبل أكثر من ثلاثين عاماً، بلا استقرار· حياة عجيبة مضطربة وقلقة، لم أشعر معها بيوم واحد من الاطمئنان·
سامحك الله يا والدي ورحمك، كنت سبباً في الاضطراب الذي عشته معك في أسرة تعددت فيها الزيجات والأطفال ثم الطلاق بعد الفشل·
اسمحوا لي أن أروي حكايتي التي تتألف من فصلين، الفصل الأول هو طفولتي التي عشتها في أسرة كبيرة عنوانها القلق· والفصل الثاني هو حياتي الزوجية التي لم تكن تختلف في عدم استقرارها عن الأولى، حيث فشلت في أربع زيجات متكررة بلا سبب معقول·
أنا إنسانة خفيفة الدم ومرحة وليس بي عيب سوى أنني أملك وزناً ثقيلاً ساهم في سوء حظي واتخذه الناس ذريعة لظلمي وقهري·
اسمحوا لي ان أروي لكم الفصل الأول من حكايتي·
لم أجرب زوجة أب واحدة، لقد جربت ثمانية والتاسعة هي أمي، ذلك الرجل الطيب انه أبي وهو يعمل إماماً في المسجد، انه مولع بالزواج، وقد مشينا معه انا واخوتي في رحلة طويلة تعددت فيها النساء اللاتي دخلن بيتنا، وبالطبع فلم تطل مدة بقائهن بسبب سوء الحال، فمعظمهن تزوجنه وهن يعتقدن بأنه رجل ميسور لأنه خليجي وهذا اللقب يرتبط دائماً بالغنى والثروة وهن لا يدرين انه لا يملك سوى راتب بسيط لا يكاد يكفي لإطعام كل تلك الأفواه·
لقد عشنا أنا واخوتي تحت سلطة أنواع مختلفة من زوجات الأب، وأستطيع ان أقول بعد خبرتي الطويلة بهذا المجال ان زوجة الأب ليست ظالمة بشكل مطلق وانما أحياناً تكون طيبة وأحياناً تكون شريرة بشكل لا يمكن احتماله، وفي كل الاحوال فإن ما مررنا به كان له تأثير سلبي جداً علينا، فلم نشعر يوماً بالأمان أو الاستقرار في حياتنا الاسرية·
أعطيت لنفسي الحق في سرد حكاية والدي مع انني لست الابنة الأولى ولست الأخيرة لانني جئت في الوسط ولكني حساسة، وقد تأثرت ببيئتي غير المستقرة تأثيراً كبيراً، حيث فقدت الشعور بالأمان، وقد انعكس ذلك على حياتي الزوجية فيما بعد·
حكاية والدي
تحمل والدي مسؤولية أهله وهو صغير وكان يكد ويتعب من أجل مساعدتهم، تزوج زوجته الأولى وهو في السادسة عشرة من عمره، كانت أكبر منه، امرأة مطلقة ولديها طفلان، تزوجها لأنها ثرية وقد فكر بأنها ستساعده وتساعد أهله من الناحية المادية، ولكنها كانت امرأة بخيلة فزادت أعباءه وصارت تحمله فوق طاقته وتسبب له المشاكل باستمرار، بعد سنة واحدة تزوج أرملة توفي عنها زوجها وهو متصور بأن الثانية ستسعده وتحبه، ولم يحدث هذا الشيء لانها انشغلت في صراع مع الأولى وتحول البيت إلى جحيم مستمر، فهرب والدي منه بحثاً عن الأمان في مكان آخر، فتزوج الثالثة ثم الرابعة، وبدلاً من ان يجد الراحة والاستقرار صارت حياته صعبة للغاية، فلم يجد المرأة التي تريحه، فكل واحدة من نسائه كانت منشغلة بعمل المكائد لضرتها وكلهن يتهربن منه ويحقدن عليه·
طلق اثنتين منهن وبقيت الأولى والثانية على ذمته ولكنهما رفضتاه من حياتهما تقريباً·
قرر تجربة حظه خارج الوطن، فسافر إلى احدى الدول العربية القريبة من البحر المتوسط وتزوج فتاة من الضواحي البعيدة عن المدينة، أحب هذه الزوجة حباً لا يوصف وتعلق بها بشكل كبير ولكن أهلها كانوا طماعين، صاروا يمسكونها عنه، ويسحبون منه المال، ولم يسمحوا لها بالسفر معه والعودة إلى بلده، فغضب منهم وسافر إلى بلد عربي آخر قاصداً الارياف، فاختار فتاة في السادسة عشرة من عمرها وتزوجها وأحضرها إلى الوطن·
منذ الليلة الأولى عرفت هذه الفتاة التي أصبحت أمي، بأن زوجها لا يحبها وان قلبه مازال معلقاً بزوجته التي هجرته ورفضت السفر معه، فقد كان يناديها باسم الاخرى، ثم أخبرها صراحة بانه قد تزوجها ليغيظ امرأته الجاحدة التي تسمع كلام أهلها وتقف ضده باستمرار وتسمح لهم باستغلاله·
عودة المحبوبة
بعد الزواج بمدة بسيطة حملت أمي بي، فتركها أبي وسافر لإحضار زوجته الغالية من بلدها لانها اتصلت به واعتذرت عن خطئها وأخبرته بأنها تريد ان تعيش معه بعيداً عن أهلها وانها قررت عدم الانصياع لهم·
أحضرها لتعيش مع أمي بنفس المنزل، فحدثت بينهما المشاكل بسبب الغيرة وبفعل التدخلات الجانبية التي كانت تحدث من زوجتي والدي الكبيرتين وأولادهما الذين لا ينفصلون عنا إلا بجدار واحد، فقد قسم والدي البيت إلى بيتين وأسكن زوجتيه الكبيرتين في قسم، أما الزوجتان الصغيرتان فأسكنهما في القسم الثاني منه·
لعبت تلك المرأتان دوراً كبيراً في اشعال نار الفتنة بين الزوجتين الشابتين الغريبتين·
لم تصبر والدتي ولم تتحمل تلك الأجواء الصعبة مع كفاف العيش وعدم توفر المال الذي يكفي لتغطية احتياجات الجميع، فطالبته بالطلاق، فطلقها لانه كان يهتم لزوجته الاخرى ولا يكترث لوالدتي كثيراً·
عادت أمي لبلدها وكانت حاملاً في الشهر الرابع، فعاش والدي مع زوجته التي أحبها حياة غير مستقرة بسبب تدخلات زوجاته وابنائهم من جهة وبسبب ضغط أهلها من جهة اخرى·
وأيضاً، فإن تلك المرأة لم تعتد مثل هذه الحياة البعيدة عن بيئتها التي عاشتها من قبل، وقد تبددت أحلامها في الثروة بعد ان تأكدت ان والدي إنسان فقير لا يملك إلا الديون، فصارت تنكد عليه باستمرار·
زواج أمي
بعد ان ولدتني أمي في بلدها، عشت أسعد أيام طفولتي مع جدي الذي كان يحبني كثيراً ويدللني· حيث جاء والدي لزيارتنا وكان معه أحد أصدقائه، فخطب له أمي، فقد كانت صغيرة وهي تفكر بالزواج، فوافقت وتزوجته وعدنا إلى هنا لأعيش في بيت أمي وزوجها·
دخلت المدرسة في السنة الأولى وعندما جاء موعد الامتحانات أصبت بالحصبة، فلم أحضر الامتحانات فرسبت، لذلك قرر والدي ان يأخذني من أمي لأنه اعتبرها هي المسؤولة عن رسوبي وانها ربما لا تهتم بي بشكل صحيح·
عشت مع زوجة أبي وأدركت أنه مازال يعاني من عدم الاستقرار بسبب تدخلات أهل زوجته في حياته وانهم اناس طماعون يحاولون سحب المال منه بأية طريقة·و كانت زوجة ابي قد أنجبت بنتاً واحدة ومازالت في فترة النفاس، ولكنهم أصروا على تطليقها وعودتها الى وطنها بعد مشاكل كثيرة حدثت بينهما بسبب المال·
عادت زوجة أبي إلى وطنها مع طفلتها ومع مبلغ خمسمائة درهم نفقة شهرية للبنت· كان هذا المبلغ هو الصيد الذي حصلوا عليه من هذه الصفقة· وبعد رحيل زوجة أبي التي كانت طيبة وحنونة معي، طلبت منه إعادتي إلى بيت أمي ولكنه رفض لأنني قد أصبحت في العاشرة من عمري ولا يصح ان أعيش في منزل آخر غير منزل والدي·
زواج جديد
سافر والدي إلى بلد أمي وعاد برفقة زوجته الجديدة، فعاش معها سنتين، أنجبت خلالهما ولدين ثم تركتهما ورحلت بسبب كثرة المشاكل التي تأتي من المنزل المجاور· كانت امرأة طيبة، فلم تستطيع ان تصمد معهم· سافر والدي مرة اخرى وأحضر زوجة جديدة لم تستمر معه كثيراً بعد ان صدمت بالوضع المادي الصعب الذي يعيشه والدي بسبب كثرة الديون التي ترتبت عليه نتيجة القروض التي اقترضها لتغطية نفقات السفر والزواج·
كانت طيبة ايضاً ولم تؤذنا، وأنجبت ولداً واحداً ولكنها أحست بأنها مظلومة مع رجل يكبرها في السن وهي مضطرة لتحمل مسؤولياته لوحدها دون وجود خادمة أو أية وسائل ترفيهية كما هو موجود عند الأسر الأخرى في دول الخليج، فهربت بجلدها وطلبت الطلاق بعد ان تركت ولدها الصغير· طلقها والدي ثم أحضر الأخيرة التي كانت من أسوأ خلق الله، فقد أذاقتنا انا وأخوتي العذاب الذي لا يخطر على بال أحد، وقد استغلت كبر سن والدنا ومرضه، فمارست علينا أنواعاً كثيرة من وسائل القهر والتعذيب·
زوجة قاسية
حولتني زوجة أبي إلى خادمة في البيت، أعمل طوال الوقت وإذا لم أحسن العمل فإنها كانت تضربني بقسوة وتعاقبني بأكل الفلفل الحار وتجعلني أشرب بالقوة صحن الدقوس الحار، وقد حلقت شعري بموس الحلاقة كعقاب لي لأنني لم أستجب لها عندما نادتني· كانت تستخدم انبوب المياه البلاستيكي لضربنا انا وأخوتي وتعذيبنا به إذا تكلمنا وأخبرنا والدنا بما تفعله معنا·
وفي إحدى المرات أحضرت عودا من الفلفل الاخضر الحار فقطعته ووضعته في مؤخرة أخي الصغير، فأخذ يبكي ويقفز عالياً وكأنه مصروع من شدة الألم· انها الوحيدة التي استمرت مع أبي وقد أنجبت سبعة وعاشت معه إلى ان مات رحمه الله·
كنت أرسب في دراستي لأنني كنت أعيش حياة قاسية صعبة كلها مشاكل لا تمنحني الهدوء النفسي اللازم للمذاكرة·
وصلت إلى سن السابعة عشرة وكان أملي الوحيد هو الهروب من جحيم زوجة أبي ولم يكن من وسيلة للهروب سوى الزواج· فتزوجت أول خاطب تقدم لي وكان كبيراً في السن ولديه أولاد في مثل سني·
أما بالنسبة لوالدي فقد أخذ مهري كله ووضعه في جيبه وسلمني للرجل بلا أية مصاريف·
الحسنة الوحيدة التي حصلت عليها بعد زواجي هي ان زوجي سمح لي بالسفر إلى بلد أمي لرؤيتها، فقد عادت لتعيش في بلدها ولم أرها منذ سنين·
فوجئت بأن أمي تعامل أولادها بقسوة ووحشية بنفس الطريقة التي كانت تعاملنا بها زوجة أبي، فعرفت أن القسوة وغلظة القلب هي السبب في الظلم الذي تمارسه المرأة تجاه أولادها أو أولاد زوجها·
بكيت كثيراً وأخبرت أمي بهذه الحقيقة وتوسلت إليها ان تكون رحيمة مع أولادها وان تحبهم، وقد وعدتني خيراً ولكنها لم تفعل، فبقيت قلقة على اخوتي أفكر بهم كثيراً وبما يعانونه من ظلم أمهم لهم·
عدت لزوجي وقررت ان أكون زوجة طيبة وأما حنونا ولكن ما أردته لم يحدث، وهذا ما سأحكيه لكم في حكاية الأسبوع القادم·
سعاد جواد:سعاد جواد:
suad_jawad@hotmail.com

اقرأ أيضا