الاتحاد

دنيا

كلنا صحافيون.. هل يهدد هذا الشعار المهنة ويحولها إلى تسلية؟


دمشق ـ فاطمة شعبان:
عمل تعميم استخدام شبكة الإنترنت على توسيع قدرة المشتركين في الشبكة العالمية على الوصول إلى معلومات· وقد أثر ذلك بشكل رئيسي على الصحافة التي كانت تعتبر المصدر الرئيسي للمعلومات، كما أثر كذلك على الصحافيين وأصبح كل مواطن تواجد في مكان الحدث يريد أن يتحول إلى صحافي، سواء عبر الكتابة أو عبر التصوير بهاتف نقال لحدث ما كان متاحاً تصويره إلا لمصور محترف·
ويمكن لأي شخص أن ينشر على الشبكة ما شاء من صور أو مقالات دون قيد، ويمكن لملايين الأشخاص الوصول إليها دون عناء إذا أرادوا، خاصة وأن محركات البحث على صفحات الإنترنت أصبحت من القوة بمكان، يعتمد عليه في البحث عن موضوعات معينة والوصول إليها سريعاً·
رغم جهود الصحافيين لجمع الأخبار وتفسيرها هناك من يعتبر أن المعلومات سلعة مجانية في متناول الجميع
لا شك بأن كل هذه التطورات ألقت بظلها لا على الصحافة المكتوبة فحسب، بل وعلى وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، ولم يعد غريباً على أي وسيلة إعلامية، أن تنقل أخبارها عن مواقع على الإنترنت لهذه الجهة أو تلك· ولم يعد إنشاء المواقع حكراً على جهات جماعية، بل هناك عشرات الآلاف من الأشخاص، إن لم نقل الملايين الذي افتتحوا مواقعهم الشخصية على الشبكة العنكبوتية· كل هذه التطورات دفعت إلى طرح التساؤلات الجدية عن نفع مهنة الصحافي، وهل بقي لهذه المهنة معنى في ظل فيضان المعلومات الذي تقدمه شبكة الإنترنت في كل القضايا؟
كلنا صحافيون
يزداد عدد الناس الذين يؤدون دور المراسلين الصحافيين على شبكة الإنترنت، ومواقع البلوغات (إذا صح جمع بلوغ / ٌُه بالعربية على هذا النحو، ويقصد بالبلوغ الصفحات الخاصة على الإنترنت) أكثر من أن تحصى· ويبدو أن هناك رغبة عند أعداد لا تحصى من البشر في مشاركة الآخرين معلوماتهم الشخصية التي حصلوا عليها بشكل أو بآخر، والشبكة أفضل وسيلة لإخبار ومشاركة الآخرين هذه المعلومات· ولا شك بأن هناك رغبة شديدة عند الجميع تقريباً بأن يصبحوا معروفين على نطاق واسع، وهو نوع من الأنانية المشروعة في زمن سرعة الاتصال وتوفر أدواته·
وعندما يكون المرء صحافياً، لا بد أن يتساءل، ما الذي يستطيع أن يفعله جراء هذه التطورات الدراماتيكية التي تحيط به؟! لقد أصبح التقاط الصور في كل مكان وفي كل وقت مسألة طبيعية في عالم اليوم، فالجميع تقريباً يملك هاتفاً نقالاً، وأي من هؤلاء يمكن أن يكون في موقع الحدث· والحصول على معلومة مهمة أو صورة نادرة في حال التواجد في المكان الصحيح والزمن الصحيح، يجعل صاحبها قادراً على بيعها، وهناك من يشتري·
ولكن السؤال الأساسي هل لهذه المعلومات والصور التي يحصل عليها المتواجد في المكان الصحيح، لها قيمة صحفية يعتد بها؟
هناك من يقول، حتى لو كان لها قيمة، فليست لها قيمة صحافية، وليس لهذه النصوص أو الصور قيمة، سوى أنها تعبر عمّا عاشه مواطنون معينون في أوقات معينة· ولكن يجب الفصل بين معلومات المواطنين والمعلومات الصحافية، حتى لو كانت تكمّل بعضها بعضاً· في حالة شهادة المواطن أو صورته التي يلتقطها، فإن المواطن ينقل ما يراه من موقعه، حتى لو نشر ما يراه أو ما يعتقده على صفحته على الإنترنت، وهذا لا يجعلها عملاً صحافياً، لأنها تنطلق من رؤية عاطفية، وتجربة ذاتية· والعمل الصحافي يجب أن يكون موضوعياً، أي أنه غير منحاز ولا ينطلق من عواطف منحازة، ولا يستند إلى خبرة الصحافي وتجربته، والبحث الذي عليه أن يقوم به حتى يضيء خلفية الأحداث التي يراها، فكل الأحداث التي نراها، لها أبعاد أعمق من كونها جرت على السطح فحسب·
مخاطر ديمقراطية المعلومات
يعتقد البعض أن شبكة الإنترنت عملت على دمقرطة المعلومات بعد أن كانت تحتكرها مجموعة قليلة من المؤسسات والأشخاص، ويصنعون منها سوقاً تدر عليهم الأرباح، وأن هذا الاحتكار قد ولت أيامه· قد يكون هذا صحيح، ولكن جزئياً، ولكن يبقى هناك ما هو أخطر من تعميم المعلومات، هو تعميم المتلاعب بها أو تعميم المعلومات الخاطئة، لأنه في ظل الكم الهائل من المعلومات المتداخلة ما بين القليل الصحيح على الشبكة، وما بين المختلق والخاطئ والكاذب، فإن من المستحيل معرفة مصادر المعلومات، وهي مسألة ضرورية لأي صحفي مبتدىء حتى يستطيع تقدير قيمة هذه المعلومات· ولكن هذا لا يمنع القول أن شبكة الإنترنت أدخلت الصحافة والصحافيين في مرحلة جديدة، وهي مرحلة خسارة وسائل الإعلام والصحافيين لاحتكار المعلومات، فلم يعودوا الوحيدين الذين ينقلون ما يحصل في العالم· لدينا الآن رواد صحافة من المواطنين الذين لا يحترفون الصحافة ستتكاثر أعدادهم إلى ما لا نهاية· ولا يقلل من أهمية ذلك أن من يقوم بهذه المهمة الصحافية الصحافي المرتدي ثياب النوم وهو تعبير يطلق على أصحاب مواقع البلوغ، ولكن هذا يجعلهم التواجد في كل مكان· فالمواطن لن يحجز تذكرة سفر ويذهب للتقصّي عن الحقائق في كل مكان في الأرض، وليست هذه مهمته أو مهنته، ولكنه تطور يجب أن تدمجه الصحافة بمهماتها في البحث عن الحقائق، التي تدعمها أعمال المواطنين المتواجدين في المكان لتضيء صورة الحقيقة بطريقة أفضل·
سؤال المنفعة
إن السؤال عن الفائدة من الصحافيين في ظل هذه التغيرات الكبيرة يصبح سؤالاً مشروعاً حتى لو كان يغضب العاملين في وسائل الإعلام· فرغم ما يبذله الصحافيون من جهود لجمع الأخبار وتفسيرها وتصحيحها، والمخاطرة في الكثير من الحالات للوصول إليها· ولكن هناك ميل عام يزداد دوماً لاعتبار المعلومات سلعة مجانية في متناول الجميع، وهو ما يستنتج البعض منه أنه بإمكان الجميع أن يصبحوا صحافيين، وتضع التطورات التقنية الإمكانيات في متناول الجميع وتعطيه القدرة على جمع وقائع وصور وآراء، وتعطيه الإمكانية لنشرها على نطاق واسع· وبذلك يصبح الجميع منتجاً للصور، وقادراً على تبيان رؤيته للواقع وتعميم هذه الرؤية· وبذلك أيضاً تصبح المعلومات التي كانت في السابق سلعة نادرة وثمينة، تحتكرها وسائل الإعلام، تافهة ومبتذلة ومعممة لدرجة أن كل شخص يستطيع الوصول إليها بدون جهد يذكر· وهو ما يجعل البعض يتوقّعون نهاية سوق وسائل الإعلام·
المسألة التي ما زالت وسائل الإعلام تنافس فيها، وستبقى، هي مسألة الموثوقية، فالمعلومات الخام والمعلومات التي لا تُعرف مصادرها، وسليها الجارف لا يصنع صحافة، وليس للجمهور العريض القدرة على الاستيعاب في ظل دوامة المعلومات وتفاوتها، ولذلك الحاجة إلى الصياغة والتصنيف والتوضيح والتحليل، ليست ترف في العمل الصحافي· وهذا لا يمنع أن تعيد وسائل الإعلام والصحافيون النظر بأعمالهم وإقامة روابط جديدة مع العالم، بحيث يقع على عاتقهم أن ينقلوا الأخبار ويتعلّموا العمل بطريقة مختلفة ويستكشفوا الكمّ الهائل من المعلومات والصور التي توفرها وسائل الاتصال الحديثة· ولذلك فإن صحافة المواطنين لن تقضي على صحافة الصحافيين، بل على العكس ستدعمها، وتزودها بالكثير من القوة·

اقرأ أيضا