قدم هنري كيسينجر ذات يوم وصفاً جيداً للطريقة التي تُعرض بها الخيارات السياسية على الرئيس. فقد كتب في مذكراته يقول إن الوزارة إذا اضطرت إلى تقديم خياراتها، فإنها تقدم «خيارين بلا معنى، ووهميين، يحيطان بالخيار المفضل الذي يظهر عادة في الوسط. وصانع القرار يستطيع بسهولة إرضاء وزاراته بانتقاء الخيار الثاني مغمضاً عينيه». فما هي خيارات الرئيس دونالد ترامب لحل أزمة برامج كوريا الشمالية النووية والصاروخية؟ تقدم لنا الحكمة التقليدية الخيارات الثلاثة المعتادة؛ وهي فرض المزيد من العقوبات على بيونج يانج، أو استئناف الدبلوماسية أو الضربات العسكرية. والخيار الأول بوسعه شل حركة النظام، لكنه لا يوقف مسعاه النووي. والخيار الأخير لا يُستخدم إلا كملاذ أخير. وهذا يترك لنا الدبلوماسية التي يفترض أنها تتميز بالقدرة على كسب الوقت أمام نظام متعفن والسماح للردع بأن يؤتي أوكله. لكن من المرحج أن يفشل هذا أيضاً، ليس لمجرد ما تقوم به كوريا الشمالية من غش. فاقتصاد كوريا الشمالية ليس متداعياً، كما كان يعتقد من قبل. ومع الأخذ في الاعتبار نجاح اختبارها في الأيام القليلة الماضية لصاروخ باليستي عابر للقارات، فالوقت ليس في صالحنا. وبالنسبة للردع، فهو يجدي نفعاً بالفعل، ومن ثم فليس هناك حاجة لأن تتفاوض واشنطن على صفقة أخرى. ومشكلتنا الحقيقية مع «كيم جونج أون» هي عدم قدرتنا على الثقة فيه لأنه يتصرف بعقلانية حين لا يبدو عليه ذلك. وتقدم قدرات كوريا الشمالية يعرِّض المصالح الأميركية الحيوية للخطر. ونحن لا نريد أن تتقاسم كوريا الشمالية قدراتها مع أصدقائها مثل سوريا أو إيران. ولا نريد إغراء كوريا الجنوبية أو اليابان بتطوير ترسانات نووية خاصة بها. ولا نريد السماح لكوريا الشمالية بأن تستخدم دورة التهديدات النووية والمفاوضات لإخراج الولايات المتحدة من شرق آسيا. وإذا لم تحقق عقوباتنا المباشرة والمفاوضات أو الضربات العسكرية أهدافنا فما الحل إذن؟ الإجابة هي أن هناك خياراً رابعاً يبدأ بإعادة التفكير والسؤال عن هدفنا. وإخلاء شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية، هي الإجابة المعتادة لكنها خاطئة. فلا تستطيع استراتيجية عن طريق الإغراء أو الإرغام إقناع بيونج يانج بالتخلي عن ترسانة تمثل أفضل دفاع لها ضد قهر إرادتها وأفضل وسيلة لها لابتزاز الغرب. والإجابة الأخرى هي التوصل إلى اتفاق تجمد من خلاله كوريا الشمالية برامجها النووية والصاروخية مقابل الحصول على تنازلات أميركية؛ مثل وقف المناورات العسكرية الكورية الجنوبية المشتركة مع أميركا. وهذه الإجابة خاطئة أيضاً. فلا مفر من أن تنتهك كوريا الشمالية الاتفاق الذي سيقنع بيونج يانج وبكين بأنهما تستطيعان التفريق بين واشنطن وسيول. والإجابة الصحيحة هي أننا نريد خروج نظام كيم من كوريا الشمالية. فلا ينبغي أن تثير قلقنا الأسلحة النووية، بل الأيدي التي تمسك بها. ويشير منتقدو استراتيجية تغيير النظام الحاكم إلى أن الطريقة الوحيدة التي يمكننا بها تحقيق هذه الاستراتيجية، بغير حرب أو انقلاب أو انتفاضة، هو إذعان الصين. وبكين تستطيع وقف ضخ الديزل والغاز إلى بيونجيانج والتفاوض مع كيم ودعوته إلى الإقامة بشكل دائم في بيت الضيافة الذي كان يسكنه ذات يوم أمير كمبوديا المخلوع سيهانوك. لكن بكين تفضل إبقاء كوريا الشمالية كدولة عازلة وورقة تفاوض دبلوماسية وأداة لتهديد الولايات المتحدة بشكل غير مباشر. وظلت الصين، حتى وقت قريب، لا تدفع ثمناً لهذا السلوك. ولم يتغير هذا إلا العام الماضي حين وجهت إدارة أوباما اتهامات إلى أربعة أفراد صينيين وشركة صينية بغسل أموال لصالح كوريا الشمالية. والجيد في الأمر هو أن إدارة ترامب التقطت الفكرة وعززت زخمها بجولة جديدة من العقوبات على كيانات صينية. ويجب ألا يتوقف الأمر عند هذا الحد. ويشير انطوني روجيرو، من «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، أن الهدف يجب أن يكون الضغط على البنوك والشركات الصينية كي تختار بين التعامل مع بيونج يانج والحصول على الدولارات. والسوق ستتوصل إلى حكمها الخاص. وإبرام صفقة بقيمة مليار دولار الشهر الماضي من الأسلحة الأميركية مع تايوان بالإضافة إلى التحديات التي تمثلها البحرية الأميركية أمام المزاعم الصينية البحرية في بحر الصين الجنوبي، قد تنقل رسالة مفادها أن الإدارة ستحصل على ثمن مقابل تجاهل المصالح الأمنية الأميركية. وهذا يعني أن الإدارة تسير على الطريق الصحيح. لكن يتعين وضع استراتيجية مفصلة ودعوة الصين من جديد إلى أن تكون جزءاً من الحل وليس المشكلة. وتستطيع واشنطن الاعتراف بدولة كورية شمالية نووية بشرط ألا تكون تحت سيطرة أسرة كيم. ويجب أن تعترف بكين بأن مصالحها ستتحقق بشكل أفضل بعد ذهاب كيم وحين تصبح كوريا الشمالية مستقرة وتحت السيطرة. *كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»