الاتحاد

تقارير

ترامب وعزلة بولندا

كان من الغريب أن يقف الرئيس دونالد ترامب أمام النصب التذكاري الذي يخلد ذكرى انتفاضة وارسو والمقاومة البولندية، على الرغم من أنها فشلت في الانتصار على الحكم النازي عند نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد أدت تلك الانتفاضة إلى كارثة وطنية مات فيها 200 ألف من خيرة المثقفين والمواطنين الشبان، وأدى ذلك إلى حرق المدينة، لأنه ما من أحد من حلفاء بولندا، وخاصة بريطانيا والاتحاد السوفييتي، هبّ للدفاع عنها على الرغم من أن المقاومة الوطنية كانت تنتظر دعمهم. والآن، أعلن ترامب عن دعمه للحكومة البولندية على الرغم من أنها الأكثر ميلاً للتوجه القومي والأكثر عزلة في أوروبا.
ووجد ترامب خلال زيارته تلك الفرصة السانحة للطلب من بولندا «مساعدة الولايات المتحدة في الكفاح الذي تقوده الحضارة الغربية ضد الإرهاب»، على الرغم من أنه سبق له أن قال إن العدو الحقيقي يحمل طابعاً ثقافياً وليس سياسياً. ولم يتحدث عن القيم الديمقراطية التي يمكنها وحدها أن تكون الركيزة الأساسية لتوحيد الغرب في كفاحه المذكور، بل تعرّض للعلاقة بين «الله والعائلة»، وهي اللغة المصممة للتقرب من القوميين البولنديين الكاثوليك وليس من البولنديين جميعاً. ووجه تلميحاً واحداً لروسيا عندما تحدث عن «إثارة الاضطرابات في أوكرانيا»، بدلاً من أن يتحدث عن «الغزو الروسي لأوكرانيا»، وهو ما كان يجب أن يقال، لاسيما وأن روسيا تشكل خطراً على بولندا يفوق خطر «الإرهاب» الذي تحدث عنه.
ومن المنتظر أن تقوم روسيا بسلسلة من المناورات العسكرية على حدود بولندا في شهر سبتمبر المقبل. وكانت النسخة السابقة من هذه المناورات قد تضمنت هجوماً تمثيلياً بأسلحة نووية.
وبتخليه عن التركيز على روسيا والاستفزازات التي تمارسها ضد دول أوروبا الشرقية ودول بحر البلطيق، يكون ترامب قد تقاطع مع توجهات الرئيس السابق. وللمقارنة، فعندما قام الرئيس باراك أوباما بزيارة إلى إستونيا عام 2014، أعلن بوضوح عن أن «الغزو الروسي لأوكرانيا» يشكل عامل تهديد لأوروبا التي وصفها بأنها «القارة التي تنعم كلها بالحرية والسلام». لكن ترامب تضارب مع سلفه بطرق أخرى؛ إذ نادراً ما نطق بلفظة «الديمقراطية»، وقد تحدث بتهكم وسلبية عن بقية دول أوروبا عندما أشار إلى مليارات الدولارات التي يفترض أن يدفعها الأوروبيون لحلف «الناتو» نظير حمايته لهم.
وقد تجنب ترامب هذه المرة أيضاً الإشارة إلى المادة 5 من معاهدة «الناتو» التي تنص على أن أي اعتداء على دولة عضو في الحلف يعتبر اعتداءً على كل الدول الأعضاء فيه الأخرى. وكان قبل ذلك قد قال للصحفيين بأنه لم يتباحث مع الرئيس البولندي حول «الضمانات» العسكرية. وبعد أن انتهى حديثه، غادر وارسو للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وفي حقيقة الأمر، فإن البولنديين كجيرانهم، لن يكونوا في مأمن من الغزو العسكري أو التدخل السياسي الروسي إلا إذا دخلت بولندا في وحدة حقيقية مع أوروبا القوية المتماسكة والموحدة والديمقراطية. وسوف تكون آمنة لو أن ديمقراطيتها كانت من القوة بحيث تتمكن من الصمود في وجه أي تدخل خارجي. لكن، وحتى الآن، لا يزال يحكم بولندا حزب سياسي نأى بالبلد عن حكم العدالة والقانون وقضى على المؤسسات الديمقراطية، كما قالت مؤسسات أوروبية. وهو بسياسته هذه استعدى معظم الدول الأوروبية المجاورة.
والآن، تتعرض حرية الصحافة واستقلالية القضاء في بولندا لانتكاسات متوالية. وقد بدأ وزير الدفاع بتقويض الأسس التي تقوم عليها المهنية العسكرية والشخصية السياسية للجيش البولندي. وأدت هذه التطورات إلى عزل بولندا عن بقية دول أوروبا وأحدثت انقسامات وانشقاقات في البلد.
وكان بعض المؤيدين لترامب قد ركبوا الحافلات وراحوا يجوبون أنحاء بولندا وهم يهتفون بسقوط زعماء المعارضة، ومنهم «ليخ فاليسا»، البطل الذي تصدى بكل قوة للوجود الشيوعي في بولندا خلال ثمانينيات القرن الماضي.
وبإلقائه لذلك الخطاب، وفي مثل ذلك المكان، يكون ترامب قد أكد على شرعية الحكومة البولندية القائمة الآن وذات التوجهات القومية الشعبوية، ووافق على نهجها الانعزالي المناهض للقيم الغربية. ولقد عمد ترامب إلى تشجيع البولنديين على أن يكونوا «شجعاناً» مثلما كانوا في الماضي عندما حاربوا لوحدهم، وناشدهم مرة أخرى على أن يضعوا ثقتهم بحليفهم البعيد (الولايات المتحدة). ولا يسعنا إلا أن نأمل بأن لا نحتاج إلى اختبار هذا التحالف على أرض الواقع.

*محللة أميركية في العلاقات الخارجية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا