الاتحاد

تقارير

الدبلوماسية الإسرائيلية: تكتيكات لتفادي الضغط

علي حسين باكير
كاتب أردني

تمر الولايات المتّحدة بحالة تاريخية من الوهن والضعف نتيجة لقرارات إدارة بوش الابن السابقة، التي أغرقت القوة الأعظم في وحول العراق وأفغانستان والعبء المالي والسياسي والاقتصادي لحروبها. ثم جاءت الأزمة الاقتصادية العالمية لتعقّد وضع واشنطن في النظام العالمي، وكان نتيجة ذلك أن أتت إدارة جديدة بقيادة الرئيس أوباما في محاولة لتدارك الأمر.
هذا التغيير يحمل ضمنا عدّة مفاهيم طارئة على الوضع دفعت الأميركيين إلى إعادة النظر في أمور كان ينظر إليها كمسلّمات. فالقوة العسكرية لم تعد الملجأ القادر على حل المشاكل، بل أصبحت مشكلة تعقّد الأوضاع وتضعف من مكانة الولايات المتّحدة العالمية. على الصعيد الديبلوماسي أيضا أصبح هناك شعور راسخ بأهمية التعاون مع قوى أخرى في المنظومة العالمية لانّ المشاكل والتحدّيات أكبر من أن تقوم بحلّها منفردة مهما بلغت من قوّة وعظمة.
ومن ضمن المواضيع التي شهدت إعادة نظر أيضا القضية الفلسطينية. فالأميركيون عامة، وأولهم أوباما، يدركون أنّ الصراع العربي -الإسرائيلي أصبح يقوّض وضع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والعالم. ولأن أميركا لم تعد بالقوّة التي كانت عليها من قبل، ولأن مشاكلها تفاقمت، ولأن القضية الفلسطينية أصبحت محرّكا لكل من يريد معاداة أميركا، ولأن الأمن القومي الأميركي أصبح مهددا بسبب هذه الإشكالية قبل هذا وذاك... أصبح حل هذه المعضلة أمرا أساسيا. نتنياهو يعلم الحقائق الضاغطة باتجاه إسرائيل، ولذلك عمد منذ انتخابه إلى اللجوء لعدد من التكتيكات الديبلوماسية المهمة التي تعطينا درسا في كيفية التملّص من الالتزامات والتهرّب من الضغوط:
1 - الملف الإيراني: تذرّعت إسرائيل بداية بالخطر النووي الإيراني والتهديد الذي يفرضه على إسرائيل في محاولة لاستعطاف أميركا والغرب وتحويل الأنظار عن ممارساتها وعن شرط الوقف الكامل للاستيطان كمقدمة لإجراء مفاوضات تفضي للتسوية. وكانت الولايات المتّحدة قد عبّرت سابقا عن حنقها من التصرفات الإسرائيلية عبر رفض استقبال رئيس الأركان الإسرائيلي غابي أشكنازي في زيارته في بداية العام إلى واشنطن، حيث تفادى أي مسؤول أميركي رفيع المستوى مقابلته. كما رفضت الإدارة منح مبعوث نتنياهو إلى واشنطن، "عوزي أراد"، تأشيرة دخول علما بأنه ممنوع أصلا من دخول الولايات المتّحدة لعلاقته بفضيحة نقل خطط أميركية حول إيران إلى إسرائيل عبر "إيباك".
2 - فخ التجميد المؤقت للمستوطنات: لجأت حكومة نتنياهو في مرحلة لاحقة إلى طرح فخ التجميد المؤقت للاستيطان (مدّة 6 أشهر)، للالتفاف على الضغوط الأميركية وحشر الفلسطينيين، أي إنّها تكون بذلك قد نفّذت شرط وقف الاستيطان "شكليا" وأرضت الأميركيين، ثمّ أجبرت المفاوض الفلسطيني على التفاوض من دون الحصول على أية مكاسب حقيقية، خاصةّ أنّ الاستيطان سيتواصل فيما بعد. وأمام التعنّت الإسرائيلي والتمسّك بهذا الطرح، قام الأميركيون بنقل الضغط على الجانب الفلسطيني للقبول به.
3 - اللعب على الانقسام الفلسطيني وتعميقه: حاولت الديبلوماسية الإسرائيلية أيضا اللعب على الانقسام الفلسطيني، والمفارقة هنا أنّ الحكومة الإسرائيلية عملت على تعميق الانقسام من خلال تقويض السلطة الوطنية لصالح خصومها على اعتبار أنّ الأولى منخرطة في الجهد الأميركي والعربي لانتزاع تنازل من إسرائيل بينما خصومها يرفضون عملية التسوية من أساسها، وهو ما يخدم إسرائيل حالياً، وذلك لأن المصالح الإسرائيلية الحالية تتقاطع مع مبدأ هؤلاء من حيث رفض التفاوض.
4 - التذرّع بعدم وجود شريك فلسطيني: طرحت الحكومة الإسرائيلية موضوع غياب شريك فلسطيني للسلام، على اعتبار أن "حماس" لا تفاوض، وأنّ محمود عباس لا يصلح لأن يتم التفاوض معه، فهو ضعيف ولا يمثّل كل الفلسطينيين في ظل الانقسام الحاصل! لذلك طلبت إسرائيل تأجيل التفاوض إلى حين حل مشكلة الانقسام الفلسطيني!
5 - الاستفتاء الشعبي: آخر أسلحة الديبلوماسية الإسرائيلية كانت اللجوء منذ أيام إلى إقرار مشروع قانون يلزم الحكومة الإسرائيلية بإجراء استفتاء شعبي قبل أي انسحاب إسرائيلي من أراض محتلة. والمراد طبعا من إقرار هذا المشروع، التحصّن ببعد شعبي يدعم التعنّت الحكومي بعدم الاستجابة للضغوط الأميركية والمطالب العربية. ومن شأن هذا التشريع أن يفرغ أي مفاوضات مستقبلية أو أي قرار دولي أو حتى إسرائيلي بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، إذ سيتم التحجج بوجود أغلبية شعبية معارضة للانسحاب، وبالتالي نقل الضغط من الجانب الإسرائيلي إلى الجانب الفلسطيني والعربي لدفعه نحو تقديم مزيد من التنازلات والتراجعات.
يحسب للرئيس أوباما انّه تحرّك عقب توليه منصبه، وإن لم يكن قد توصل إلى أيّة نتائج تذكر بعد، ومن غير المعروف ما إذا كان قادراً أصلا على تحقيق أية نتائج في هذا الإطار. لكن الوضع الإسرائيلي يعطينا مؤشراً بتعرّضه لضغوط كبيرة، والمطلوب هو أن تبقى هذه الضغوط الأميركية موجهة إلى الجانب الإسرائيلي وأن تزداد وأن لا تتحول باتجاه الفلسطينيين أو أن يتم فقدان الأمل وبالتالي إعطاء الحرية لإسرائيل في غيّها ومماطلتها.
هناك العديد من التجارب التاريخية التي تشير إلى أنّه عند التضارب بين مصالح الأمن القومي الأميركي وبين مصالح إسرائيل، فإن واشنطن تدافع بشراسة وقوة عن أمنها القومي حتى وإن تطلب ذلك إجبار إسرائيل، الحليف الاستراتيجي، على التراجع واتخاذ خطوات لا يحبّذها.
صحيح أن الإدارة الأميركية لم تستعمل بعد كل الأوراق ولم تضغط بالشكل القاسي المفترض، لكن المطلوب عربياً تزويد أوباما بالأدوات التي يحتاجها في الضغط على إسرائيل، لا التفرج على جهوده ومن ثمّ القول بأنه لم يغير شيئاً. ويمكن الإشادة في هذا الإطار بالتحرّك الأوروبي الأخير؛ سواء عبر المشروع السويدي الذي طُرح مؤخراً، أو عبر بيان المجلس الأوروبي حول عملية السلام والقدس.

ينشر بترتيب خاص مع مشروع «منبر الحرية»

اقرأ أيضا