الاتحاد

الملحق الثقافي

عن لحظات السعادة في المعسكر

السعادة شيءٌ يفاجئك.
وأنا أعرف نوعين من أنواع السّعادة: سعادة الفم وسعادة الرأس.
تأتي سعادة الفم مع الطعام وهي أقصر إن قيست من الفم، بل هي أقصر حتى من كلمة فم نفسها. ليس لديها وقت للصعود إلى الرأس حين تلفظ. إن سعادة الفم لا تريد أبداً أن يتكلم المرء حولها. عندما أتكلم هنا عن سعادة الفم فمن الواجب عليّ أن أقول قبل كل جملة فجأة. وبعد كلّ جملة: لا تقل ذلك لأحد، لأنهم جميعاً جوعى.
أضرب مثلاً واحداً فقط: فجأة تسحب الغصن إلى الأسفل، تقطف زهر الأكاسيا وتأكل. لا تقل ذلك لأحد، لأنهم جميعاً جوعى، أنت تقطف الحمّيضة من جانب الطريق وتأكل. أنت تقطف الزعتر البريّ بين الأنابيب وتأكل. أنت تقطف البابونج بجانب باب القبو وتأكل. أنت تقطف الثوم البريّ على السياج وتأكل. تسحب الغصن إلى الأسفل وتقطف ثمر التوت الأسود وتأكل. تقطف الشوفان في الأرض البور وتأكل. أنت لا تجد قشرة بطاطا واحدة خلف الكانتينة، لكنك تجد إحدى الأعشاب فتأكل.
لا تجد شيئاً تقطفه في الشتاء. تخرج من وردية شغلك ذاهباً باتجاه بيتك في البرّاكة ولا تدري، في أيّ مكان يكون الثلج أطيبه. أعليك أن تأخذ مباشرة عن درج القبو قبضةً منه أم تأخذها عن كومة الفحم المغطّاة بالثلج أم من فوق باب المعسكر أولاً؟
من غير أن يقع عليها اختيارك، تأخذ قبضةً من الطربوش الأبيض لقائمة السور الخشبيّة وتطري بها النبض والفم والرقبة حتى القلب. وفجأة يذهب عنك التعب. أنت لا تُفشي سرّ ذلك لأحد، لأنّ الجميع متعب.
إذا لم يحدث سقوط ماء، فإنّ كل يوم جديد هو سابقه. وأنت ترجو لنفسك، أن يكون اليوم كسابقه. الخامس يأتي بعد التاسع، يقول الحلاق أوسفالد إنييتر ـ حسب قانونه ـ فإنّ في السعادة بعض البلاء. يجب أن يكون حظّي سعيداً، لأن جدّتي قالت: أنا أعرف أنّك ستعود. وهذا ما لا أقوله لأحدٍ أيضاً، لأنّ الجميع يريد أن يعود. لكي تمنح حظّاً جيداً فإنك تحتاج لهدف. يجب أن أبحث عن هدف، حتى لو لم يتعد هذا الهدف قبضةً الثلج من فوق قائمة السور.
يستطيع المرء أن يتكلم عن سعادة الرأس بشكل فأفضل من الكلام عن سعادة الفم.
تريد سعادة الفم أن تبقى وحيدة، إنها خرساء ودواخلها ناضجةٌ. أما سعادة الرأس فإنّها اجتماعيّة وتبحث دائماً عن أشخاص آخرين. إنها سعادة ضالّة متخبّطة ومتخلّفة. إنّها تستمرّ طويلاً أكثر من قدرتك أنت على التّحمل. إنّ سعادة الرأس مقطّعة الأوصال وصعبة التصنيف، إنها تتدخل في الأمور كما تريد وتتحول بسرعة من الساطعة، إلى القاتمة، غير الواضحة، العمياء، الغيرانة، المختفية، المرفرفة، المتردّدة، الطّائشة، اللجوجة، المتأرجحة، المنهارة، السّاقطة نتيجة الإهمال، المسطّرة، الداخلة ثقب إبرة، المخدوعة، الواهية، المجروشة، المضطربة، المتربّصة، المليئة بالشوك، المزعجة، العائدة، الوقحة، المسروقة، المرميّة بعيداً، الباقية، ثمّ إلى سعادة ابتعدت قيد شعرة عن هدفها.
يمكن لسعادة الرأس أن تمتصّ الرطوبة وأن تكون مفتولة الرّقبة ومرتجفة الأصابع.
ولكنّ السعادة، أيّاً كانت، تنقّ في الجبين مثل ضفدع في علبة تنكيّة.
إنّ لحظة السعادة الأخيرة على الإطلاق هي سعادة فاضت عن حدّها بمقدار قطرة واحدة. إنها تحضر إليك مع الموت. مازلت أذكر عندما ماتت إيرما بفايفر في حفرة صبّة (البيتون)، كيف قرقعت ترودي بيليكان بلسانها داخل فمها، قرقعة صِفرٍ كبير وقالت بعد ذلك كلمة واحدة:
حظٌّ فاض عن حدّه بقطرة واحدة.
اعترفت لها بأنّها على حقّ فيما تقوله، لأنّ المرء رأى انشراح صدر الميت عند الدفن، وكيف استراح أخيراً العشّ المتحجّر في الرأس والأرجوحة المضطربة في النّفَس والمضخّة المجنونة الإيقاع في الصدّر وقاعة الانتظار الفارغة في البطن. لم يشهد الرأس قبل تلك اللحظة أصفى من تلك السعادة، لأنّ الجوع كان مُعَشِّشاً على كلّ لسان.
ما زال الأكل بالنسبة إليّ وبعد ستين عاماً من المعسكر حالة انفعاليّة كبيرة. فأنا آكل بكلّ مسام جسدي. عندما آكل مع أشخاص آخرين أتحوّل إلى شخصٍ غير مريح. فأنا آكل بشكلٍ مكابر. لا يعرف الآخرون سعادة الفم. فهم يعقدون مجالس عشرةٍ وأنس، كما أنهم مهذبون، حين يأكلون. أما أنا فيجول بخاطري في لحظة تناولي للطعام تماماً الحظ الزائد عن حدّه بقطرة واحدة، إذ يأتي هذا الحظّ يوماً ما إلى كلٍّ منّا ونحن جالسون هنا، ويجبر الشخص الذي يحتاجه على التضحية بالعشّ الذي في الرأس والأرجوحة التي في النفس والمضخّة التي في الصدر وقاعة الانتظار التي في البطن. أنا أحبّ الأكل لدرجة أريد فيها ألاّ أموت، لأنني إن مت لن أستطيع الأكل بعدها. وأنا أعرفُ ومنذ ستين عاماً أن عودتي إلى الوطن لن تروّض سعادة المعسكر تلك. إنّها مازالت إلى اليوم تعضّ بجوعها مفترسة المركز من كلّ شعور آخر، إن الوسط في داخلي فارغ.
منذ عودتي يملك كلّ إحساس من أحاسيسي شعوره الخاصّ. وفي كلّ يوم جوعه الخاص ثمّ يفرض شروطه على ردودٍ أنا لم أسقها إليه. لم يعد يسمح لأيٍّ كان أن يتشبّث بي. لقد تعلمت من الجوع كثيراً، وصيّرني الخنوع، لا الاعتزاز بالنفس، إلى شخصٍ يستحيل بلوغه.


*هذا النص من كتاب “أرجوحة النفس” للحائزة على جائزة نوبل للآداب للعام 2009 هيرتا ميللر. تحكي ميللر في كتابها، معاناة أفراد الأقلية الألمانية في رومانيا (بين 17 و45 سنة) الذين حمّلتهم القيادة السوفييتية مسؤولية الجرائم النازية، وساقتهم إلى معسكرات الأشغال الشاقة “لإعادة بناء ما دمرته الحرب”. استقت ميللر مادة كتابها مما رواه ضحايا تلك المعسكرات، خصوصا أوسكار باستيور.
صدر كتاب ميللر باللغة العربية عن مشرع (كلمة) التابع لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث، وترجمه وحيد نادر.

اقرأ أيضا