الاتحاد

دنيا

مجاهد عبد المنعم مجاهد في أقماره الكاملة

دكتور صلاح فضل
مجاهد عبد المنعم مجاهد شاعر ومفكر كبير، تجاوز السبعين من عمره بقليل، شارك جيل عبد الصبور وحجازى فى حمل لواء شعر التفعيلة فى مصر إبان الخمسينيات، لكنه انفرد عنهما باستغراقه فى فلسفة الجمال، وكتاباته فى النقد، وترجمته لكثير من الكتب، أهمها موسوعتان كبيرتان، إحداهما تاريخ النقد الأدبى لرينيه ويليك فى ثمانية مجلدات، والأخرى محاضرات فلسفة الدين لهيجل فى تسعة أجزاء، مما يلقى بظلال الشراكة على إبداعه الشعرى الذى كان متناثرا، لكنه عندما جمع أشعاره الكاملة ونشرها فى سفرين كبيرين عامى 2004/2005 تبين أنه من أغزر شعراء عصره إنتاجا وأشدهم تمثيلا للوجدان المصري في العقود القليلة الماضية·
على أنه قد انفرد أيضا بخاصية طريفة، هى تسجيل قصائده طبقا لتسلسل كتابتها زمنيا، فرتبها مؤرخة منذ عام 1951 - عندما كان فى السابعة عشرة من عمره - حتى عام 2000 وقت إعدادها للنشر، وأضاف إليها بعض الملاحق من قصائد العمود وشعر التفعيلة فى مرحلة التكوين السابقة·
فقدم بذلك فرصة نادرة للنقاد لتأمل إنتاج الشعراء فى مراحل عمرهم المختلفة، وقياس ما يصيبهم من تدفق أو حصر أو نضوب، استجابة للعوامل الذاتية فى الخصوبة والعقم من ناحية والعوامل الخارجية للمثيرات من ناحية أخرى·
وفى قراءة أولية لحالة الشاعر بوسعنا أن نستخلص منها ما يؤكد إحصائيا وجهة النظر السائدة فى علم نفس الإبداع من أن فورة الشعر الحقيقية تنبثق فى مطلع الشباب وتنحسر تدريجيا بعد ذلك، فجملة ما كتبه مجاهد من القصائد المؤرخة 421 قصيدة، منها 222 - أى أكثر من النصف - كتبها وهو فى العشرينات من عمره، و142 قصيدة كتبها وهو فى الثلاثينات، أى أنه أنجز ما يربو على 86% من إنتاجه الشعرى فى عقدى الشباب الأول، و14% فقط فى بقية مراحله· وقد نلاحظ أن شباب الشاعر يتوافق مع مرحلة خصبة فى الحياة المصرية هى حقبة الخمسينيات والستينيات وأن هناك بعض السنوات التى تفوق بعضها الآخر، لكن تظل النتيجة فى خطوطها العامة مؤكدة لبلوغ الشعراء ذروة إبداعهم مبكرا ونضوبهم نسبيا بعد الأربعين·
ولئن كان هذا المؤشر يقتصر على الناحية الكمية فحسب، فإن دراسة إنتاج المراحل المختلفة بروية هى التى تكشف عن مدى كثافته ونضج تقنياته وقوته الشعرية·
فلسفة البساطة:
قد يتبادر إلى الذهن أن اشتغال الشاعر بالفلسفة والفكر النقدى سيجعل شعره مركبا يميل إلى التعقيد والصعوبة، ويبدو أنه كان يخشى شيئا من ذلك وهو يكتب ما أسماه 'البيان الشعرى' عام ،1965 إذ يخاطب القراء بعنوان مضاد لما طلع به عبد الصبور قبل ذلك بأربع سنوات فى ديوانه 'أقول لكم'، لأن مجاهد يضع عنوانا فرعيا لبيانه 'ليس لكم' قائلا:
'أكتب شعري لغراب يفهمني/ لا للعصفور الحلو الجاهل
وأنا فى الغالب أكتب شعرا لم يكتب للأذيه
أكتبه للقلب المتسائل
فأهدم بنيان الشيء السهل/ واجهد لطلوع فوق تلالى
الشعر الصادق ينسيك الألفة والأهل
ويريك الغربة كالنجم المتلألئ
معذرة لن أقدر أن أنزل/ فأنا منذ زمان فوق الجبل العالى
الغربة شالى/ وقميصى لفظة هل'·
وليس هناك أبسط ولا أقرب للفهم المعتاد من هذا الشعر الفصيح الجميل، وإن كان يود أن يتلفع بالغربة الشائعة حينئذ فى الفكر الوجودى والعبثى، فهو يجعلها مصرية شعبية تتجلى فى 'الشال'، وهو يعتذر لقرائه بأنه لا يستطيع النزول عن الجبل العالى، بينما يتجول معهم طيلة قصائده فى تجارب يومية وعاطفية وإنسانية لصيقة بحياتهم ومواجدهم·
ولعله كان يعتزم حينئذ أن يبهر قراءه ويبحر بهم فى محيط الفلسفة الذى كان يخايله فكريا، لكنه لم يلتفت إلى أن عرقه الغنائى العذب وتلقائية تعبيره قد شكلت له مذهبا شعريا مخالفا يعتمد على فلسفة البساطة المغايرة لما ينذر به فى بيانه، ولئن كان صلاح عبد الصبور، قد تدثر حينئذ بعباءة يسوع وهو يشير إلى الجموع: الحق 'أقول لكم' فإن مجاهد كان يلاطف قراءه بروح الدعابة المصرية وهو يخرج لسانه لمن يمسك بديوانه ليقول له 'ليس لكم' فأنتم عصافير حلوة لكن جاهلة، وحسبى أن أتجه به للغربان التى تفهم ما أقول·
الحب في الخمسينات
تتوزع تجارب الشاعر بين النزوع الوجدانى المتأصل لديه منذ بواكيره الأولى، فقد كان محمود حسن إسماعيل نموذجه الشعرى الأعلى، يحتذى بأبياته ويتعلق بأهدابه، كما تكشف عن ذلك قصائد مرحلة التكوين العمودية، إلى جانب ولعه بتفاصيل الحياة المصرية فى دوائرها الاجتماعية والوطنية، ثم الاهتمام الخاص بنبض الحياة العائلية فى بعدها الشخصى والإنسانى النبيل·
من هنا كانت أقماره - كما يسميها - معلقة على شجرة العائلة، ومن هنا كانت هذه الإهداءات التى يضعها على قصائده بأثر رجعى لجميع من يعرفهم ويريد أن يقول لهم شيئا موازيا ومغايرا أحيانا لما تقوله قصائده·
وقد تجسد فى شعر مجاهد خطان بارزان لا تخطئهما عين القارئ فضلا عن الناقد؛ أحدهما هو صدق تمثيله لروح عصره ونكهة الزمن الذى يكتب فيه، والثانى هو القدرة على التقاط الخواص التعبيرية الحميمة للسان أهل مصر· ولنقرأ من قصائده الأولى ما يقوله 'عندما تحب الفتاة المصرية' على لسانها:
'أماه ·· لقد كنت هناك/ قرب الجسر
أتمشى فى ذهب العصير/ قد كنت أفكر يا أمى:
فأنا منذ ليال قمرية / وشوشت الودعا
وفتحت الرملا/ ولقد قالت لى الغجرية:
سيجى إلى من الشرق/ شاب أسمر/ وعليه وسامة
وسيأخذنى كالجنية/ ولسوف يقضى أيامه/ فى حنية
ولسوف يعدل أيامى ··/ قد قالت لى الغجرية··'
ثم تحكى قصتها البسيطة الساذجة عن الفتى الذى هل عليها بالفعل عند الجسر، وسلم عليها فشعرت من ملمس يدها بحنانه، وصور لها الكوخ الأخضر الذى سيكون مأواهما وعش غرامهما، إلى آخر هذه الأحلام الطيبة التى كانت تراود فتيات الخمسينات وتنعكس فى أغانى 'يا امه القمر على الباب' و'قارئة الفنجان' ولعل إصرار مجاهد عبد المنعم مجاهد على كتابة كثير من القصائد بطريقة سردية على لسان الفتيات خصوصا هو الذى جذب إليه اهتمام شاعر مثل نزار قبانى حتى يعتبره - فيما يروى أنيس منصور عنه - أهم شاعر مصرى حينئذ·
أما الخط البارز الثانى فى إبداع مجاهد فهو هذه النبرة المصرية الصميمة والجرأة على تطويع المعجم العربى ليتسع لصيغها الأليفة فى الوشوشة والحنية ومجئ العدل وغير ذلك مما لا تخلو منه قصيدة للشاعر من تراكيب وصور مشبعة بروح البسطاء·
قراءة عصر
عندما تقرا شعر مجاهد عبد المنعم مجاهد تشهد أمامك عصرا كاملا من التحولات العميقة فى بنية الوجدان المصرى والعربى، وإذا كانت حساسيته أشد يقظة تجاه التجارب الشخصية فإن وعيه الفكرى لا يلبث أن يقوم بتقطير استجاباته العامة لتنضح بقوة على منظوره ورؤيته· وربما كان تأريخ القصائد يغرى بتلمس أثر هذه الاستجابة فيها، فنحن لا نستطيع مثلا أن نقرأ ما كتبه بعد يونيو 1967 ببراءة، ولا أن نتأمل شعر بعد أكتوبر 73 دون تساؤل، وسرعان ما نجده يقول عن صيف النكسة إنه دام وحزين، ثم يستجمع صوته بعد شهور ليقول فى 'انعكاسات المرايا:
'العينان زجاج/ والأيدى خشبية
والساقان من العاج/ والأنف نحاسية
وفم لا يتكلم/ مصبوب فوق الشفتين رتاج
وضلوع الصدر حديد لا تفرح أو تألم/ والروح ترابية
والقلب من الحجر الصوان/ والمشية غجرية'·· حتى يقول:
لن أكمل شعرى فأنا أشعر بالعقم
إن الوحش أنا/ والروح بلا نبض/ فالروح ترابية'·
ولئن كان الشعر قد جسد فى هذه القصيدة سهم الله الذى نزل على المصريين بعد النكسة فجعلهم كأساطير المدن النحاسية المتجمدة فإن هذه اللحظة لم تلبث أن أعقبتها فورات وثورات وحيوية عارمة ضمنت استمرار المعارك ست سنوات حتى توهجت ذروتها فى أكتوبر، فيما أطلق عليه الشاعر 'العبور فوق جسر السرور' وهو يمثل البعث الجديد بقوله:
'كتبتك فوق الرمل' إيزيسا'/ وكنت عريسك المقتول فى الرمل
رجوت الشمس أن تمشى على ظلي/ لتشهد نشر الميتين هنا/ بلا بعث ولا عيسى··
تعالى: أنت فى سينا / أحيطي جثتي فلا / أحيطيها رياحينا
لقد أضحى تدانينا بديلا عن تنائينا/ فقبل الموت من حبي/ أقمت أنا جسر التشرينا'
ومع أنه لم يجعل مداره الشعري فى هذا الفلك القومى إلا بمقدار ما حركته الحياة العامة، وظل يحتفى بالوجود العينى فى الأهل والصحاب ومواجع الأحباب، فإن أعماله الإبداعية الكاملة تظل شاهدة على عصر مفعم بالأشواق والخيبات، بقدر ما رصدتها عين الشاعر الثاقبة الوديعة المشدودة دائما إلى نجمة الحب والحرية·
؟ ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة

اقرأ أيضا