الاتحاد

دنيا

الجراحات الضوئية تعيد نور العين


صلاح الحفناوي:
الشيخوخة مرحلة الحصاد، فيها يجني الإنسان حصاد ما غرس طوال سنوات عمره، والقاعدة الذهبية في الطب هي أن الإنسان الذي يلتزم بقواعد الصحة العامة ويتجنب عوامل اعتلال الصحة يتمتع بشيخوخة خالية إلى حد بعيد من الكثير من المتاعب الصحية، وفي مقدمتها متاعب العيون: اضطراب القدرة البصرية، ضعف النظر، العجز عن تمييز وجوه الأشخاص، الرؤية الضبابية والمرئيات الهلامية··· وربما في حالات لا نتمناها قد يصل الأمر إلى فقد البصر·
ضعف البصر أو النظر هو العلامة المسجلة للتقدم في العمر، لماذا؟··· علاج آثار الزمن وحصاد السلوك على العيون صعب، لماذا؟· تساؤلات عديدة طرحناها في هذه المحاورة مع احد الأساتذة المتخصصين في أمراض العيون وبالتحديد في أمراض ومشاكل الشبكية·
المحاورة حول متاعب الإبصار في الشيخوخة كشفت الكثير من الحقائق المهمة وفي مقدمتها التطور المذهل في علاج الكثير من هذه المشاكل والذي ساهم إلى حد كبير في إنقاذ عشرات الآلاف من فقد حاسة البصر عن طريق المحافظة على ما تبقى لهم من قدرات بصرية في بعض الحالات وتحسين هذه القدرات في حالات أخرى· ومنها أن الكثير من السلوكيات الخاطئة في الصغر تسبب ضعف النظر في الكبر مثل التدخين· وفي هذه المحاورة يكشف لنا الأستاذ الدكتور شريف إمبابي رئيس قسم أمراض الشبكية والجسم الزجاجي في مركز المغربي بأبوظبي عن علاج جديد لأكثر أمراض العيون شيوعا وتأثيرا على القدرات البصرية في المراحل المقدمة من العمر·
يقول الدكتور شريف إمبابي: متاعب البصر في مرحلة الشيخوخة يمكن تقسيمها إلى ثلاث مجموعات رئيسية، الأولى تشمل تأثير الأمراض المزمنة ذات العلاقة بالقدرات البصرية مثل السكري وارتفاع ضغط الدم، والمفروض أن يلتزم المريض المصاب بأي من الأمراض المزمنة ذات العلاقة بالقدرات البصرية بالفحص الدوري لعينيه وعلى فترات يحددها له طبيبه المعالج، للاطمئنان بشكل أساسي على الشبكية وعلى مكونات الجهاز البصري الأخرى·
متاعب سلوكية
والمجموعة الثانية تشمل حصاد السلوكيات الخاطئة على مدى سنوات طويلة من العمر مثل التدخين أو التعرض الطويل لأشعة الشمس المباشرة وهو ما يساعد على الإصابة بالكتاراكت أو إعتام عدسة العين أو الماء الأبيض·
والمجموعة الثالثة تشمل المشاكل العينية المصاحبة للتقدم في السن، وهي مجموعة من الأمراض تتزايد معدلات الإصابة بها بشكل طبيعي مع التقدم في العمر مثل اعتلال أو ضمور المقولة أو مركز الإبصار في شبكية العين وجلطة أو انسداد الوريد المركزي المغذي لشبكية العين وغيرهما·
ويؤكد الدكتور إمبابي أن علاج متاعب العين المصاحبة للتقدم في السن شهد تطورا مذهلا خلال السنوات القليلة الماضية·· وأصبحت حالات كثيرة كانت بلا علاج حتى وقت قريب قابلة للعلاج الآن والذي في أصعب الحالات يساهم في المحافظة على ما تبقى من قدرات بصرية ويحمي المصاب من العمى· ومن الحالات الشائعة التي تطور علاجها بشكل كبير، إعتلال المقولة أو مركز الإبصار في شبكية العين الناتج عن تكون غشاء من الأوعية الدموية والألياف تحت مركز الإبصار بالشبكية·
وتبدأ أعراض هذه الحالة بشكل تدريجي إلى حد ما، أي أنها لا تظهر فجأة كما في أمراض شبكية أخرى· ويشعر المصاب بعدم القدرة على تمييز الحروف أثناء القراءة وتشويش في مركز مجال الرؤية البصرية بحيث لا يستطيع تمييز ملامح وجوه الأشخاص مما يسبب له اضطرابا شديدة في محيطه الاجتماعي وفي العمل·
وعلى الرغم من هذه الحالة لا تؤدي في النهاية إلى العمى أو الفقدان الكلي للنظر إلا أنها تؤثر بالسلب على مجمل الأنشطة الحياتية للمصاب، حيث تعوق قدرته على القراءة أو استعمال الكمبيوتر وقيادة السيارة ومعرفة الأشخاص في الطريق وغيرها من المشاكل المرتبطة باضطراب الرؤية·
وكانت هناك محاولات طبية كثيرة لعلاج هذه الحالة المرضية على امتداد السنوات الماضية، شملت العلاج بأشعة الليزر أو العلاج التحفظي باستخدام بعض الأدوية والفيتامينات، ولكن النتائج لم تكن مرضية سواء للمريض أو للطبيب المعالج·
وخلال السنوات الخمس الماضية حدث تطور شديد الأهمية في علاج هذه الحالة من أهم مظاهره استخدام نوع جديد من العلاج وهو الكي الضوئي الديناميكي·
ويعتمد هذا العلاج على مادة كيمائية قادرة على امتصاص الأشعة الضوئية، تحقن هذه المادة في الوريد لتصل إلى الغشاء تحت المقولة ثم يقوم الطبيب بتسليط شعاع من الليزر أو الضوء على هذا الغشاء بحيث يتفاعل مع المادة التي تم حقنها مما يؤدي إلى تدمر هذا الغشاء دون إحداث أي ضرر على خلايا شبكية العين، وهذا أهم ما يميز العلاج الجديد مقارنة بالعلاج التقليدي بأشعة الليزر والذي كان يستخدم في السابق·
ويستخدم هذا العلاج الضوئي لوقف تدهور الإبصار وبالتالي فإنه من المهم البدء في العلاج مبكرا قبل تدهور القدرات البصرية بشكل كبير، وقد يتحسن الإبصار في نسبة بسيطة من الحالات·
يضيف الدكتور شريف إمبابي: وقد أضيف لهذا العلاج الضوئي الديناميكي مؤخرا حقن نوع من الكورتيزون البلوري داخل العين في حجرة الجسم الزجاجي لزيادة كفاءة العلاج وزيادة فاعليته·
ومن مميزات العلاج الضوئي الديناميكي باستخدام المادة الكيمائية الخاصة أنه يتم في العيادة بدون الحاجة إلى أي مخدر وبالتالي لا يحتاج إلى أي تحضيرات خاصة قبل المعالجة، وهو لا يسبب أي آلام أو مضاعفات ولا يحتاج إلى تغطية العين لفترة من الزمن كما في العلاجات الأخرى ويغادر المريض العيادة في نفس اليوم·· ويطلب منه فقط تجنب التعرض لأشعة الشمس لعدة أيام وذلك لان المادة الكيمائية المستخدمة في العلاج تتميز بقابليتها لامتصاص أشعة الشمس· ويحتاج المريض إلى المتابعة الدورية وفحص شبكية العين بمعدل مرة واحدة كل 3 شهور· وفي بعض الحالات قد يحتاج المريض إلى تكرار العلاج الضوئي عدة مرات للتخلص بشكل كامل من غشاء الأوعية الدموية والألياف·
انطفاء مفاجئ
ومثال آخر على التقدم المذهل في علاج مشاكل العيون، فقبل سنوات قليلة وبالتحديد قبل العام 2000 كانت الإصابة بجلطة أو انسداد الوريد المركزي المغذي لشبكية العين تعني انطفاء مفاجئ لنور العين، وعلاج لا يعرف سوى شعار واحد هو إبقاء الوضع على ما هو عليه، حتى ولو كان هذا الوضع ظلام دامس· وجلطة أو انسداد الوريد المركزي المغذي لشبكية العين هو حالة مرضية لا تزال أسبابها تحير الكثير من أطباء العيون في العالم· وأعراض هذا المرض تبدأ بشعور المريض بنقص شديد في قوة النظر أو القدرة البصرية في عين واحدة، وتظهر هذه الأعراض فجأة وبدون مقدمات· وحتى وقت قريب كان الاعتقاد السائد هو أن هذا النوع من الجلطات يرتبط بالإصابة بأمراض معينة تزيد من احتمالات حدوثها، مثل الإصابة بالسكري وارتفاع ضغط الدم أو التقدم في العمر، ولكن لوحظ في الآونة الأخيرة أن هذا المرض يصيب أيضا الشباب ومتوسطي العمر، والاهم من ذلك انه يصيب أشخاصا لا يعانون من أي أمراض عامة بالجسم وهو ما يزيد الغموض حول أسباب الإصابة أو العوامل المساعدة على حدوثها·
ومن العلامات التي تؤكد الإصابة بانسداد الوريد المركزي للشبكية وجود تجمعات دموية (نزف متعدد) على سطح الشبكية عند فحصها، وتعطل دورة الدم بالشبكية وتورم العصب البصري· ومشكلة هذه الحالة المرضية تكمن في صعوبة العلاج وضعف النتائج التي يحققها، فحتى وقت قريب كان العلاج الوحيد لهذه الحالة هو كي الشبكية باستخدام أشعة الليزر، وكان هذا العلاج يهدف فقط إلى وقف تدهور الحالة ومنع مضاعفاتها وليس تحسين القدرة البصرية، وهو ما كان يضع أطباء العيون في مواقف شديدة الصعوبة·· فالمريض يتوجه إلى الطبيب أملا في الحصول على علاج يعيد إليه نظره المفقود وليس الإبقاء على حالته كما هي· ولكن الآن أصبح في الإمكان مساعدة المريض على استعادة جزء مهم من قدراته البصرية·
يضيف الأستاذ الدكتور شريف إمبابي: خلال السنوات الثلاث الماضية بدأ تطبيق تقنية جراحية جديدة حملت الكثير من الأخبار السارة لكل المرضى المصابين بانسداد وريد الشبكية الرئيسي، وتعتمد فكرة هذه العملية على إحداث شق في جدار العصب البصري بواسطة آلة حادة خاصة، في محاولة لتخفيف الضغط على الوريد المركزي وبالتالي إعادة تدفق الدم فيه مرة أخرى· وقد أثبتت هذه العملية نجاحا كبيرا في علاج واحدة من أكثر مشاكل العين صعوبة، يصل إلى 60 بالمائة في بعض الحالات، وتعتبر هذه النسبة جيدة جدا بالمقاييس الطبية إذا وضعنا في الاعتبار أن جميع هؤلاء المرضى كانوا يفقدون الإبصار بنسبة مائة بالمائة·

اقرأ أيضا