الاتحاد

دنيا

جلساء المسنين ··· يخففون عنهم آلامهم وعزلتهم

تحقيق - خديجة الكثيري:
ليس هناك ما هو أجمل من العطاء ولا أنبل من فعل الخير والقيام بالعمل التطوعي في المجالات الإنسانية والاجتماعية، فكيف إذا كان هذا الخير من أجل من وهبونا الحياة، ومنحونا الأمل، وغنوا لنا في المهد، وسهروا على رعايتنا حتى استوينا رجالاً وفتيات، آباء وأمهات، نسهر على راحة أبنائنا ونتمنى لهم العافية في كل لحظة··· آباؤنا وأجدادنا من كبار السن الذين قادتهم ظروف الحياة الشائكة إلى دار المسنين فباتوا مهملين بعد أن كانوا أسياد المنازل، بل ربما ظلوا في منازلهم لكنهم يعيشون في وحدة وعزلة لا يعلم بمداها سوى جدران الغرف المقفولة على ما فيها··· صحيح أن 'الدنيا لا تزال بخير'، لكن يصح أيضاً القول إن في الدنيا 'شراً'، كيف لا وعقوق الوالدين من أكبر الشرور والكبائر والعياذ بالله·
في هذا التحقيق لن نحكي عن الذين ينعمون بالحياة الهانئة والدافئة بين أولادهم ويجدون الحب والرعاية من أحفادهم، بل عن فئة من كبار السن غدر بهم الأهل والأصحاب، وربما تركهم الأبناء في المستشفى او دار المسنين لأن مشاغلهم لا تسمح لهم بالعناية بهم (!)، أو على الأقل هكذا يأتي التبرير حين يظهر التقصير جلياً، لكن هؤلاء الأجداد والآباء وجدوا من يرعاهم، ويجالسهم، ويهتم بهم، أفضل من أبنائهم بل إنهم أرحم بهم وأكثر رأفة بحالهم وأحوالهم من أبنائهم الذين من أصلابهم، فمن هم هؤلاء الذين يصح تسميتهم مجازاً 'ملائكة الخير'، وماذا يفعلون؟ ولماذا يقومون بهذا العمل؟ ومن يقف وراء هذا الجهد النبيل؟
لا شك في أن تلك الظروف الإنسانية التي يمر بها كبار السن ممن ألحقوا بدور رعاية المسنين والمراكز المخصصة للعناية بهم في بعض المستشفيات، أو وجود بعضهم الشكلي والاجتماعي في منازلهم، تشكل واحدة من أكثر قضايا المجتمع خصوصية، لذلك قامت هيئة الهلال الأحمر بوضعها على رأس البرامج الدائمة التي توليها كل الاهتمام والرعاية، ومن هذه البرامج فريق 'جلساء المسنين'·
جهود مشرقة
تسعى هيئة الهلال الأحمر بصورة دائمة لتلمس احتياجات المسنين وتقديم كافة أشكال المساعدات اللازمة لهم، ومساندة الجهود التي تقوم بها الجهات التي تأخذ على عاتقها رعايتهم والعناية بهم، وعن ذلك تقول سعادة صنعا درويش الكتبي الأمينة العامة لهيئة الهلال الأحمر: 'إن الهيئة تنطلق من مبادئها الإنسانية لتعزز الكثير من المفاهيم والقيم السامية التي تؤمن بها الفطرة البشرية السليمة، من هذا المنطلق جاءت برامجنا ومشاريعنا المختلفة ترجمة واقعية لأهدافنا السامية التي تتعدد اتجاهاتها لتغطي أكبر عدد من المستفيدين لتلبية احتياجاتهم الأساسية وتخفيف آلام الفئات المستحقة للمساعدة، وخاصة كبار السن الذين يعانون ظروفاً إنسانية تتطلب العون والمساندة'·
وتؤكد الكتبي أن 'جهود الهيئة في هذا الجانب تأتي انطلاقا من قيم أخلاقية واجتماعية جسدها فقيد الوطن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان 'رحمه الله' بمبادراته الكريمة لتقديم العون والسند للمسنين والأرامل، تلك المبادرات الطيبة لا تزال تتعاظم بجهود صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة 'حفظه الله'·
وتضيف: 'إن الجهود التي تقوم بها هيئة الهلال الأحمر في مجال رعاية المسنين بما تلقاه من دعم سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك الرئيسة الفخرية لهيئة الهلال الأحمر، ومتابعة متواصلة من سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدولة للشؤون الخارجية رئيس هيئة الهلال الأحمر، تأتي تعبيرا عن الوفاء والعرفان لما قدمه الآباء للأجيال المتعاقبة من أبناء هذا الوطن المعطاء، وتعظيما لقيم البر التي حثت عليها الشرائع السماوية والمبادئ الإنسانية التي نؤمن بها'·
وتأتي (جائزة سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك للبر) التي تنظمها هيئة الهلال الأحمر لدولة الإمارات، وتمنح للمواطنين الذين يتميزون في رعاية آبائهم وأمهاتهم، لتعزز هذه القيمة الروحية والإنسانية المتأصلة في نفوس أبناء الإمارات وتقديرا لمعنى بر الوالدين·
وتؤكد الكتبي أن الجهود التي تقوم بها الهيئة على قدر ما تحققه من جزء مهم من التوازن إلا أن هناك حاجة ضرورية لتكاتف جهود المجتمع بكافة شرائحه ومؤسساته من أجل تعزيز الخدمات الموجهة لفئة المسنين وتوجيه أفضل سبل الرعاية اللازمة لهم وخدمة قضاياهم الإنسانية والمعيشية والاجتماعية·
معاناة موجودة
ويقول سعادة محمد حبروش الرميثي نائب الأمين العام للشؤون المحلية بهيئة الهلال الأحمر: 'إن الهيئة تهتم بتحسين أوضاع الفئات الخاصة ورعاية المسنين وتعمل بشكل مكثف على تطوير البرامج التي تخدم تلك الشريحة في المجتمع'· ويستعرض جانباً من المعاناة التي يعيشها المسنون فيقول: 'مما لا شك فيه أن بعض المسنين يعيشون أوضاعاً نفسية صعبة سببها الشعور بالوحدة الناتجة عن ترك الأبناء لآبائهم في دور المسنين بشكل يغلب عليه الإهمال المتعمد، ويرجح أن السبب في هذا الإهمال في غالب الأحيان، وحسبما يؤكد الاختصاصيون الاجتماعيون في الهيئة الذين اطلعوا على بعض الحالات لتقديم العون لها، يعود إلى نمط الحياة المتسارع وما ينجم عنه من ضغوط الحياة اليومية أدى في بعض الأحيان إلى ضعف مستوى الاهتمام بالأسرة، وفي بعض الأحيان يكون الآباء خارج دائرة اهتمام الأبناء الذين أصبحوا بدورهم مسؤولين عن أسرة وانساقوا في متاهات الحياة بعيدا عن تدبر معنى وقيمة بر الوالدين من جوانبه المتعددة'·
ويضيف: لقد أكدت الدراسة والمتابعة الميدانية لكثير من المسنين التي تتواصل هيئة الهلال الأحمر معهم عبر جهودها الإنسانية أن نسبة لا بأس بها من الآباء والأمهات ينتهي بهم المستقر في حالة المرض، إلى عنابر رعاية المسنين المتوافرة في بعض المستشفيات وربما تمر الأشهر من دون أن يأتي من يسأل عن حالهم، مشيرا إلى أن المبرر المشترك الذي يتعلل به الأبناء في أغلب الحالات أن الآباء في حالة مرضية ولا بد لهم من البقاء في المستشفى، وهنا يتساءل: لماذا لا يزور هؤلاء الأبناء آباءهم في المستشفى لتخفيف معاناتهم وآلامهم النفسية وشعورهم بالوحدة؟!
الدعم النفسي
وتؤكد السيدة فتحية النظاري مديرة إدارة الإسعاف وسلامة المجتمع أهمية الدعم النفسي الذي يحتاج إليه كبار السن من المقيمين في مراكز ودور رعاية المسنين بالدولة·
وتقول: 'إن الهيئة أعدت فريقاً من جلساء المسنين ضمن برنامج الدعم النفسي الذي تنفذه لعدد من الحالات التي تتطلب المساندة من المجتمع، حيث تشارك أعداد كبيرة من المتطوعين في تلك الجهود للتواصل مع فئة المسنين عبر زيارات متواصلة تنظمها الهيئة إلى المراكز التي تقدم خدماتها لتلك الفئة'·
وتضيف: 'نفذت الهيئة تسع دورات لتأهيل جلساء المسنين آخرها في دبي، وكانت الدورة الثامنة قد اختتمت بحضور 100 مشارك من مستشفى الطب النفسي في أبوظبي، الأمر الذي يشير إلى الإقبال المتزايد والمستمر من المجتمع بكافة شرائحه للمشاركة التطوعية في جهود الهيئة الموجهة لخدمة المسنين خاصة فيما يتعلق بتقديم الدعم النفسي اللازم لهم'·
وتؤكد أن الجهود التي تقوم بها الهيئة عبر متطوعيها من أعضاء فريق جلساء المسنين تصل إلى أرقى مستويات الكفاءة في تقديم الدعم النفسي اللازم، حيث يتم تنظيم زيارات ميدانية لأقسام وعنابر رعاية المسنين يجري خلالها التعرف إلى حالة المسنين الصحية والنفسية والاجتماعية ويتم التواصل معهم بشكل دوري ودراسة احتياجاتهم المختلفة·
وتقول النظاري: 'إن المتطوعين في فريق جلساء المسنين إلى جانب رغبتهم الصادقة في أداء هذه الرسالة السامية، يخضعون لدورات تدريبية في كيفية التعامل مع المسن من كافة النواحي النفسية والسيكولوجية والاجتماعية، بحيث يؤهلون لهذا العمل الإنساني، ومن بين هؤلاء المتطوعين الطلاب والموظفون وبعض الشخصيات الكبيرة وكافة الشرائح، وجميعهم آمنوا بإنسانية هذا العمل '·
خدمة إنسانية
وتعتبر مريم الفزاري مديرة مركز أبوظبي للتأهيل الطبي بالوكالة، وهو المركز التابع لمؤسسة زايد العليا للرعاية الإنسانية، أن الخدمة التي يشرف عليها الهلال الأحمر من خلال جلساء المسنين خدمة إنسانية جليلة، وتحمل كثيراً من المعاني الإنسانية الحضارية والخيرية والتطوعية، وهي واجب ديني، كما تحث عليه وتشجعه دولتنا الحبيبة·
وتقول الفزاري: 'إن مركز التأهيل الطبي يضم العديد من المسنين، وقد وفرت لهم الدولة بتوجيهات القيادة الحكيمة كافة الإمكانات اللازمة التي تكفل لهم الرعاية الصحية والاهتمام الاجتماعي، واليوم نشهد فريقاً أعدته هيئة الهلال الأحمر، ليجالس المسنين ويتعرف إلى احتياجاتهم النفسية، ويقدم لهم الدعم المعنوي والمادي، من خلال تبادل الحديث معهم، وتقديم الهدايا لهم، والسؤال الدوري عنهم· كما أن بعض المتطوعات يحضرن في كل المناسبات ليجالسن المسنات ويحققن لهن بعض الرغبات الصغيرة الجميلة، فواحدة تقوم بنقش الحناء على يدي إحدى المسنات بينما تقوم الأخرى بتزيين مسنة ثانية، في جو يشعر المسنات أنهن بين أسرهن وأنهن يحظين بالسعادة والاهتمام·
وتؤكد الفزاري أن استمرار وتواصل جهود هيئة الهلال الأحمر في تقديم مثل الفعاليات والبرامج الخاصة بإعداد فريق متطوع من جلساء المسنين، سواء في المركز أو في المنازل الذي يوجد بها مسنون، يزيد الأمل بتجاوب النشء والشباب من المتطوعين مع جهودها المستمرة لتجسيد مفهوم بر الوالدين بين الأبناء، صونا للمسنين ورداً لجميلهم وعطائهم للوطن، فهم الذين بنوا بسواعدهم تراثنا الأصيل لينعم أبناء الإمارات بالخيرات جيلاً بعد جيل·

اقرأ أيضا