الاتحاد

الملحق الثقافي

التشكيلية السعودية تعرض خلاصة تجربتها في مئة لوحة

محمد خضر

محمد خضر

من جدة غرب السعودية بدأت بلوحة “ليلى والذئب” قبل قرابة أحد عشر عاما. جدة التي تعني لها الكثير فهي على حد تعبيرها “جدة أهلي وصديقاتي وعالمي ولوحاتي.. جدة التي تبادلت معها عشق الألوان والناس ورسمت ملامحهم وآثارهم وما يلتصق بالروح منها”. تهاني آل بريكي التشكيلية السعودية مثال للفنانة التشكيلية المستقلة تماماً، والتي أفادت من عزلتها في خلق خصوصيتها وسمات فنها الخاصة. في عزلتها وبعدها عن الوسط التشكيلي عموما برغم أنها أقامت عددا من المعارض كان منها المعرض الشخصي الذي عرض لمائة لوحة هي خلاصة تجربتها آنذاك.
تقول تهاني أن الكثير ممن يمارسون التشكيل هم رسامون وليسوا فنانين، وإن الفن كلمة عميقة داخلها لايجوز أن نطلقها على عنانها لكل من حاول أن يرسم فقط. وهي ترى أن الفن كلمة من الصعب أن تكون مجرد صفة بل هي فلسفة ومسؤولية، والفن لدى تهاني هو مجموعة من القيم الإنسانية والإبداعية بالإضافة إلى الموهبة، فالبصيرة والإلهام والحلم كلها تتعاضد في تكوين الفنان، والفن بالتالي هو أن تكون أو لا تكون.
وتجد تهاني آل بريكي أن الفن التشكيلي العربي لايزال متأخرا لأن الفنانين ببساطة يبتدأون من حيث بدأ الآخرون، ولايحاول أيا منهم أن يطور تجربته، والبعض منشغل بتقليد أعمال ونماذج غربية بشكل تام، ومن جهة أخرى هناك في الفن من هو بعيد عن بيئته وهموم وطنه أو همومه الشخصية، ويمارس الهروب أو التقليد للنموذج الذي يرى أنه يمثل الفن ولو كان بنسخ أعمال غربية أو غيرها. وترى أن الكسل والرفاهية التي يعيشها البعض تؤدي إلى الموات، وإلى التوقف عند حدود معينة مما يجعل الفن مؤطرا ومحاصرا في قيم محددة فنيا ومضمونا.
ليس من ثقافة تهاني آل بريكي أن ترسم الموناليزا ولا العراة في النماذج الأوروبية مثلا، نجدها هناك مع ملامح الناس في الحجاز وفي حارات جدة القديمة، وفي اللهجة والزي والتكوين الشرقي العربي، نجدها كذلك ترسم فنجان القهوة العربية والتمرة والإناء وحتى الرغيف.. إنه اتصال الفنانة مع موجوداتها وقراءة التراث بصيغة جديدة ليس كمحاولة توثيق لشيء فهذا ليس شأن الفن، بل لأن الخصوصية الجمالية ينبغي أن تعبر عن هوية الفنان بدلا من حالات الاستنساخ والتقليد الحرفي الأصم.
تهاني تمزج في أعمالها بين التجريدي والواقعي والبورترية، وألوانها حية دوما وهادئة، وهي نحاتة من جهة أخرى صنعت عددا من الأعمال في النحت مجسدة لبعض الرموز المجردة والتي ليست بعيدة عن أفكار لوحاتها، تلك الأفكار التي كانت تناقش على الدوام قضايا إنسانية كبرى وقضايا المرأة العربية من خلال معطيات ثقافتها، المرأة وأسئلتها وهمومها وعالمها. ترسم تهاني لوحة لامرأة تضع على وجهها الخمار (البرقع) ولايكاد يظهر منها سوى عينيها ذات اللون الأخضر، وبثوب أحمر فاقع. إنها تقارن بين المتناقضات حيث الأنثى الجميلة خلف هذه اللوحة، برغم أنه لايظهر منها شيء للنظارة، وهذا مايظهر جليا في لوحتها "أيني منكم"، هذه الفكرة القادمة من مشهد لأطفال الحروب ومايصيبهم من قتل أو يتم أو غيره.. إنها تترك في كل عمل سؤالا وفكرة مفتوحة على مصراعيها.. تجرد الأشياء حولها وبأدوات قد تكون غير مستعملة في الكثير من التجارب فهي مثلا تستخدم الشكولاته في رسم الخط العربي في عمل آخر وضمن خط عمره 3500 عام وتستخدم أوراق البردي وحبوب القهوة، وتوظف الروحانية في الكثير من أعمالها والأساطير الموروثة كلوحة الباب البعيد التي تزن 15 كيلو غراما ولوحات أخرى من الحضارة الحجازية وربطها بحضارات أخرى كالفرعونية في محاولة لإعادة صياغة الوجود لحسابها هي، بل لحساب الفن، إذ أنّ الفن لدى تهاني كان دوما فكرة مستقلة. وحتى في ماتسميه الواقعية الاجتماعية لوحة "السجين" الذي نسي سجنه وظل يرسم أطفال الفقر والحرب على نور الأمل المنبثق من النافذة الصغيرة في السجن، وقد رسمتها بالرمل والشوكولاته...
تحكي تهاني عن طقسها الذي يكون كل هذه العوالم وهذه الأعمال، تصطحب القهوة والموسيقى والخلوة.. أحيانا تترك لوحتها قليلا كي تتأمل أي شيء بالضبط كانت تصنعه.. وأحيانا كانت تترك لأناملها أن ترسم بحرية مطلقة حيث العشوائية هي جزء مهم في تكوين الكثير من الأعمال الفنية.. طقس تهاني يختلف من لوحة لأخرى لكنه دوما طقس يعتني بتفاصيله ووحدته وصخبه وهدوئه في آن..
تهاني آل بريكي تفكر الآن في إقامة معرض آخر يشمل أعمالا عن المرأة في عوالم تتمحور حول هويتها وثقافتها.. نساء تهاني اللواتي يرتدين البراقع ويتزين بالحناء والبخور ويسكنهن عبق الأسئلة.. فرحها.. وحزنها.. والكثير من القصص خلف كل ملامحهن

اقرأ أيضا