الاتحاد

الملحق الثقافي

بين شيطان الشعر العربي.. وملاك الأدب الإسلامي

عمّار أبو عابد

عمّار أبو عابد

ما الأدب الإسلامي؟ وماذا يعني أن يكون الأدب إسلامياً؟ وكيف نشأ ومتى؟ وهل استطاع أن يفرض حضوره على الساحة الأدبية أم أنه بدعة زائلة؟. ومن جهة أخرى، هل يعيق الأدب أن يكون ملتزماً بفكر أو قضية؟ وهل تحتاج الدعوة إلى أدب إسلامي في الأصل إلى ما يسوغها، طالما أنه يصدر عن فكر هذه الأمة وعقيدتها، ويحتكم إلى ذوقها وتراثها، ولا يتعبد في محراب فكر هجين مخالف لتصوراته؟. هذه الأسئلة وغيرها يطرحها كتاب جديد بعنوان “إشكالية الأدب الإسلامي” صدر حديثاً عن دار الفكر بدمشق، ويتحاور فيه مفكران من تيارين متباينين، هما الدكتور وليد قصاب عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية، وصاحب العديد من المؤلفات في الأدب الإسلامي تناهز أربعين كتاباً. والدكتور مرزوق بن صنيتان بن تنباك الذي أشرف على موسوعة القيم ومكارم الأخلاق العربية الإسلامية، وله عدد من المؤلفات.
رفض للمصطلح
يعارض الدكتور مرزوق بن تنباك مصطلح الأدب الإسلامي، ويرى أن إضافة الاقتصاد إلى الإسلام في مصطلح الاقتصاد الإسلامي، وإضافة الجغرافية إلى الإسلام في مصطلح الجغرافية الإسلامية، قد يفهم ولو من بعيد، على أن هذه الإضافة تخصص عام أو تُقرب من العربية والإسلام ما هو بعيد عنها. أما الأدب والشعر منه خاصة، فممزوج في نصوص الدين ومتصل بها اتصالاً عضوياً، لا يمكن فرزه إلا بتقطيع أوصاله وتشويه صورته التي كونتها المخيلة العربية منذ نزول القرآن حتى يوم قيام (رابطة الأدب الإسلامي) التصنيفية.
ويعتبر بن تنباك أن مصطلح (الأدب الإسلامي) بدعة، مفرقاً بين الحقائق والشكليات، فقضية الأدب الإسلامي ليست كتلك المسميات السابقة، بل هي محورية في صلب الثقافة، ويرى أنها تقوم على أسس أيديولوجية وفكرية يخسر في نهاية مطافها الأدب الإسلامي الملتزم، وتتكلس اللغة العربية التي هي وعاؤه. ويخشى بن تنباك أكثر ما يخشى على الشعر، الذي هو برأيه الزناد الذي يقدح الحياة في اللغة وينشرها على الألسن ويقيمها في الأفئدة، فإذا تجمدت اللغة الشعرية بفعل الالتزام أو الإلزام الأيديولوجي تجمدت شرايين اللغة وكسد سوقها على الألسنة. ولذلك فهو يرفض استبدال شيطان الشعر العبقري في الذاكرة العربية بملاك الأدب الإسلامي الذي يلهم قائليه عبقرية الإبداع.
ثمانية أسباب
يؤكد ابن تنباك أن الأدب تجربة إنسانية عامة لم ينفرد بها موطن دون آخر، ولا يختص بها شعب دون شعب، ولا تحويها معارف أمة من الأمم وتخلو منها غيرها، ولهذا فهو يؤمن بشمولية الأدب حتى يبقى باباً مفتوحاً للإبداع، ضناً به أن تتوزعه الآراء وتمزق جمعه الأهواء، ويرى أن بقاء الشاعر في دائرة الالتزام الإسلامي لا يغلق الباب في وجه شعره ولا يطرده من حظيرة الأدب الواسعة.
ويذكر ابن تنباك ثمانية أسباب تجعله يرفض مصطلح الأدب الإسلامي، فهو خروج على كل ما أقرته الأمة الإسلامية وقبلته من فنون الآداب، ولم يكن له مسوغ شرعي أو نقدي، ولم يعرف مثله في تاريخ الآداب الإنسانية والعربية والإسلامية. كما أنه يعلن الأسس الطائفية والمذهبية في الأدب، الأمر الذي لم يسبق مثله في كل العصور والأمصار، ولا يمكن إقرار مثل هذه الطائفية الأدبية. كما أن هذا التقييد يقتل ملكات الإبداع لدى الشباب بما يسمونه الالتزام وتحديد أطر ضيقة للشعر والنثر لا يتجاوزها المبدع إلى غيرها من فنون الأدب كلها إلا ما يسمونه الاتجاه الإسلامي، وهو اتجاه يخصص شمول الإسلام برؤية ضيقة محدودة. كما أنه يضيق دائرة المباح أمام الناس، بينما القاعدة الشرعية تنص على أن الأصل في الأشياء كلها الإباحة. وهو يحمل الناس على محامل الشك وتلمس الأخطاء وتفسيرها بسوء الظن، وتصنيف عامة المسلمين في الحاضر والماضي إلى أصناف لا يقبلون منهم إلا صنفهم وحده. وكذلك التشويش على الماضي الذي لا يوافق منهجهم، والتوجه إليه بالتزييف والتجريح مهما كان معناه، ومهما كان حظ قائله من العلم والفقه والتقوى. وحمل الناس في الأدب على رأي محافظ ضيق الأفق، أحادي النظرة، شديد التزمت والانغلاق، بعيد عن سماحة الإسلام وسعة رحمته بالناس، وحملهم على الهوس النفسي بتزكية الرؤية الخاصة وعدّها الصواب وأن غيرها خطأ. وقد أثبتت التجربة الإبداعية عند أدباء هذا المنهج فشلها وتحجر معانيها، وضعف قدرتها على القيام بأدنى درجات القبول فيما قدموا من صور الإبداع الفني من الشعر والنثر.
أدب الشعوب الإسلامية
ويرد الدكتور وليد قصاب في القسم الثاني من الكتاب، فيقول: إن الأدب الإسلامي جزء من الأدب العربي، ولد في أحضانه، واستخدم تقاناته وأدواته الفنية والتعبيرية، ولكنه يختلف عنه باعتباره أدب الشعوب الإسلامية جميعاً. ويرى أن كل تصور جمالي فكري، وكل تعبير فني موح يقدمه الأديب عن قضية من قضايا الكون والإنسان والحياة وفق التصور الإسلامي يعد أدباً إسلامياً. فهو ليس أدب رؤية فحسب، ولكنه أدب مضمون فني وجمالي وتشكيل لغوي باهر. معتبراً أن الأدب الإسلامي بدأ بنزول القرآن الكريم، فهو ليس بدعة حادثة ولا دعوة طارئة ولا مذهباً مستورداً. فيما يذهب قصاب إلى أن الأدب العربي الحديث منذ مطلع القرن العشرين يتغرب بقوة، وهو آخذ في الابتعاد شيئاً فشيئاً عن أصالته، وعن محضنه الإسلامي والعربي، ويوغل في هذا الابتعاد كثيراً منذ أن بسطت النزعات الحداثية سلطانها عليه، فسيطرت عليه المذاهب الأدبية الغربية وراح يتشبه بها ويغترف من ينابيعها، ويتسمى بأسمائها. وهذه المذاهب ليست مجرد آراء في الأدب واللغة والإبداع الفني وقضايا الشعر والقصة والمسرح فحسب، ولكنها انعكاس لفلسفات وأيديولوجيات وعقائد وتصورات فكرية عن الحياة والإنسان والكون والدين والإله وما شاكل ذلك، فهي ليست محايدة أو نزيهة، بل هي منغمسة في الأيديولوجيا، منحازة للتصورات الفكرية التي صدرت عنها، وهي تصورات يفترض فيها أنها مخالفة للتصورات الإسلامية

اقرأ أيضا