الاتحاد

عربي ودولي

إعادة تشكيل الخريطة السياسية الإسرائيلية لصالح اليسار


محمد أبو الفضل:
دون الدخول في تفاصيل سقوط بيريز وفوز بيرتس وانشقاق شارون، فانه من المسلّم به أن هناك تحولات ظاهرة فى الخريطة السياسية داخل اسرائيل، وذهبت غالبية التكهنات الى عدم هيمنة قوة على أخرى وأن شارون لا زال لاعب الارتكاز فى الحلبتين السياسية والعسكرية، ومع ذلك فى اعتقاد هذا التحليل أن المسألة من الراجح أن تأخذ منحى مغايرا، إذ باتت الفرصة مهيأة لعودة تيار اليسار من خلال واجهة حزب 'العمل' الى احتلال مقدمة المشهد السياسى على حساب القوى الأخرى المنافسة ، ولا يعنى ذلك أنها أصيبت بالترهل تماما أو أن هذا التيار تلاشت عيوبه السابقة وأصبح يمسك بزمام الأمور بين عشية وضحاها ، بل ان هناك تطورات داخلية وخارجية مهمة ستفرض انعكاساتها على الواقع المعقد وسوف تؤدى الى فك كثير من ألغازه لصالح اليسار·
والثابت أن الانتكاسة التى تعرض لها حزب 'العمل' الاسرائيلى طوال السنوات الماضية، كانت جزءا من التراجع العام فى دور اليسار، أكثر من كونها تتعلق باهتزاز أداء قيادات الحزب، لذلك يمكن النظر الى فوز عمير بيرتس برئاسة 'العمل' على أنه إشارة لتحسن تدريجى فى موقف هذا التيار ونشاطه السياسى، ويعتمد هذا الاستنتاج على أنه لأول مرة يتم اختيار قيادة للحزب من خارج المؤسسة العسكرية وتنحدر من أصول شرقية يعانى أغلب أبنائها من تفرقة اجتماعية واقتصادية وسياسية أحيانا، فضلا عن أن التربية السياسية لعمير جاءت من روافد ومنطلقات 'الهستدروت'، الذى يمثل بدوره طبقة العمال، والمفترض أن يعبر عنها حزب 'العمل' أساسا، وبالتالى فهذا الحراك يتجاوز فى أبعاده النظرية تجديد الدماء، إلى القول بأنه دلالة على تحول ناشئ فى المزاج الشعبى والتوجه الحزبى وبالتبعية فى الخريطة السياسية، له مضامين داخلية واضحة ومقومات خارجية صاعدة، والمتوقع أن تتكشف معالمه فى كثير من المحكات والاستحقاقات القادمة·
مخاطر التهميش
على المستوى الداخلى، بدأت بعض قوى اليسار تستشعر مخاطر استمرار تهميشها، ليس فقط على دورها فى الحلبة الاسرائيلية ، بل على مستقبل الدولة الاسرائيلية ، فى ظل الاتساع المتنامى لليمين المتطرف، الذى حصد ثمارا متباينة واستفاد من غياب فاعلية القوى السياسية المناوئة، ولمواجهته من الواجب إدخال تعديلات فى بعض مفردات الخطاب المعلن، واختيار صيغة وسط أقرب لأفكار اليسار التقليدية وأبعد عن ثقافة اليمين المعروفة، وهى وصفة من الراجح أن يحاول عمير بيرتس تطبيقها بحذر، حتى لا يقع فى خطأ عمرام متسناغ رئيس حزب 'العمل' الأسبق، الذى التزم بمنطلقات اليسار حرفيا فهوى سياسياً واعتزل الحياة الحزبية برمتها، كما أن شارون استطاع اختصار خطوات أى زعيم يسارى مخلص، وبمهارة نجح فى تثبيت كثير من أركان المشروع الاسرائيلى، وأصبح التمادى فى خلق وقائع جديدة على الأرض معرضا لأن يفضى لتداعيات تؤثر على المكتسبات العميقة الراهنة·
وتحقق عودة اليسار فى هذه اللحظة جملة من الفوائد لاسرائيل، أبرزها تخفيف هيمنة المتشددين على الحياة السياسية والاجتماعية، ومحاولة تغيير الصورة النمطية التى سادت فى دوائر كثيرة عن تطرف اسرائيل، وظهرت تفاصيلها فى بعض المواقف التى اتجهت الى إدانتها فى عدد من المحافل الدولية، الأمر الذى يعيد للأذهان مقاطع من مشهد صعود اسحق رابين زعيم 'العمل' الراحل خلفا لاسحق شامير زعيم 'الليكود'، الذى أحبطت سياساته المتشددة كثير من الأوساط الاقليمية والدولية، وعندما دخل مؤتمر مدريد حاول أن يكون رجل سلام بمواصفات غاية فى التطرف، وأعلن صراحة استعداده للتفاوض عشر سنوات دون أن يعطى للفلسطينيين شيئا ، فبدا وكأنه غير عابئ بالتحولات الجارية على الساحة الدولية وعزم بعض القوى على ترتيب أوراقها بشكل يتوافق مع المعطيات الصاعدة للمرحلة الجديدة فى المنطقة، وفى هذا السياق اعتقد فى عدم استبعاد تكرار هذا السيناريو قريبا، خاصة أن الظروف الحالية تبدو قريبة فى بعض ملامحها من الأجواء السابقة، فاستمرار سياسات شارون على حالها أو حتى ادخاله بعض التعديلات الرمزية عليها سيقلل من مصداقية الولايات المتحدة ويفقدها جزءا مهما من بريق حساباتها·
وهناك ثلاثة محاور تعزز هذا التوجه على المستوى الداخلى، أولها تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بصورة حرجة، وتتحمل توجهات أو مغامرات شارون جانبا مهما من المسئولية ، وثانيها بوادر التفكك فى الساحة السياسية، وأوضح مظاهرها ما جرى داخل 'الليكود' من تشتت وانقسام، فقد أجبرت بعض قياداته شارون على مغادرته لتشكيل حزب جديد، وثالثها التعجيل باجراء الانتخابات فى مارس المقبل ، ثم انسحاب حزب العمل من الحكومة، مما عكس رغبة بيرتس فى رفض الدخول فى ائتلاف مع شارون فى أى حكومة قادمة، وأوحى بزيادة مساحة الارباك فى تقديرات الأخير ·
تحولات اقليمية
على الصعيد الخارجى، تنحو تحركات الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا الى التدخل مباشرة، لتسهيل التفاوض والتغلب على العقبات بين السلطة الفلسطينية واسرائيل، وبدت معالم هذا الاتجاه فى اتفاقية المعابر التى تم توقيعها قبل أيام ، وعلى ذلك ظهرت مؤشرات التدخل الأميركى والأوروبى فى أوضح صورها منذ فترة طويلة، ويفرض هذا المنحى أهمية فرملة التطرف الاسرائيلى الذى يمكن أن ينسف كثيرا من الترتيبات السياسية، فهناك دوائر مختلفة تراه مصدرا رئيسيا للعنف ، فى منطقة دخلت مرحلة مثيرة من الانحدار المسلح ، وتنتظرها مرحلة أصعب لإعادة البناء والتركيب، تتطلب مزيدا من السياسة وقليلا من العنف، وخلال هذه الفترة الدقيقة من المناسب أن تتماسك فيها الجبهة الداخلية فى اسرائيل، من خلال إعادة تنظيم صفوف اليسار، لكن قد تواجه الدائرتان (الحزبية الداخلية والسياسية الخارجية) مشكلة احتمال قيام شارون بالتصعيد مع الفلسطينيين قبل انتخابات مارس القادمة لجذب مجموعة من أصوات المتطرفين إليه، وفى هذه الحالة سيتزايد تداخل الملفات ويتقاطع الشق الداخلى مع نظيره الاقليمى وتتأثر التحركات الرامية الى تحقيق اختراق جديد فى الصراع العربى-الاسرائيلى ويتراجع دور الرئيس محمود عباس ·
فى حين ليس من المصلحة الاسرائيلية إضعاف السلطة الفلسطينية أكثر مما هى عليه الآن ، خشية تقدم التيار الاسلامى للسيطرة على الساحة الفلسطينية الذى يتزامن مع صعود لافت لهذا التيار فى المنطقة بشقيه المعتدل والمتشدد ، أو حدوث انفجار كبير يرخى بظلال سلبية على عدد من الانجازات الإقليمية التى حققتها اسرائيل طوال السنوات الماضية فتضاعف الخلل لصالحها، كما أن الولايات المتحدة تريد ولادة دولة فلسطينية بطريقة تتواءم مع تصوراتها للمنطقة وتتلاقى مع التطلعات النهائية لاسرائيل فى آن واحد، لذلك فالحاجة لمناورات حزب 'العمل' الناعمة تصبح مسألة ضرورية فى أى مفاوضات تسوية متوقعة، لأن ممارسات اليمين أدت أغراضها باقتدار ، والمطلوب تثبيت اجراءاته أكثر من توسيع انجازاته، وهذا الاتجاه لن تكون أمامه فرص مواتية اذا استمرت الساحة الداخلية فى اسرائيل على صورتها الراهنة من التجاذبات والتراشقات، فالموقف بحاجة الى عنصر متوازن يضبط التطورات الخارجية الدقيقة مع الموجات الداخلية المرتبكة وليس العكس·

اقرأ أيضا

اليابان تأسف لقرار كوريا الجنوبية إنهاء تبادل الاستخبارات العسكرية