الاتحاد

الملحق الثقافي

ليل بشار

د. صلاح فضل

د. صلاح فضل

كان صاحبنا يعيش في ليل دائم، لكنه يتمثل طرفاً من حياة المبصرين؛ فيصور الزمن من منظورهم، ويجتهد في إتقان هذا التصوير حتى يتفوق عليهم بالشعر، يقول عن أحد الشعراء، معبراً عن نفسه بطريقة التجريد والالتفات:
كأن فؤاده كرة تنزّى
حذار البين، لو نفع الحذار
يروعه السرار بكل شيء
مخافة أن يكون به السِّرارُ
وود الليلَ لو زيد إليه ليل
ولو يخلق له أبدا نهارُ
جفت عيني عن التغميض حتى
كأن جفونها عنها قصارُ
أن يكون القلب كرة تتوثب وتنتفض خشية فراق الأحبة فهذه حساسية يدركها كل العاشقين، لكن البيت الثاني يجسد عزلة بشار الأعمى وتوجسه من كل الناس، فأي همس بين اثنين يروعه مخافة أن يكون متصلا به ومنذرا له، وهو لذلك يعيش الليل العالم كله في ليل دائم حتى يستوي حاله مع غيره، لكنه لا يلبث في البيت الأخير أن يعود إلى ضميره المتكلم، فيحدث نفسه عندما يجفوه الرقاد ليفاجئ المستمع بصورة طريفة عن عين قصّرت عنها جفونها فهي لا تستطيع الغمض، وكم أعجب الأدباء والنقاد بهذا البيت.
يروى أن بعض الأدباء أنشد في مجلس شعري هذا البيت لعدي بن الرقاع:
وكأن ليلي حين تغرب شمسه
بسواد آخر غير موصول
فأنشد غيره أبيات بشار بن برد، صاحب الليل الدائم، التي يقول فيها:
خليلي ما بال الدجى لا تتزحزح
وما لعمود الصبح لا يتوضحُ
أضل النهار المستنير طريقه
أم الدهر ليل كله لا يبرح
لطال علي الليل، حتى كأنه
بليلين موصول لا يتزحزح
كأن الدجى زادت، وما زادت الدجى
ولكن أطال الليل همٌّ مبرّحُ
لقد هاج دمعي نازحٌ بنزوحه
ونومي ـ إذا ما نوم الناس ـ أنزح
وتمضي الرواية فتقول إن أحد الحاضرين لهذا المجلس قال لمن أنشد بيت عدي:
“نحِّ بيتك، لا تأكله هذه الأبيات، فإن بيتك طفل، وهذه الأبيات سباع”.
يورد المازني هذا الخبر في كتابه عن بشار بن برد، ثم يعلق عليه بقوله:
“ لو سمع بشار هذا الوصف، لاستخفه الطرب، وصفق بيديه على عاديه، فقد كان مولعاً بأن يقال عنه إنه فحل، وما بعجيب أن يجيد القول في طول الليل فما كان يصف في الحقيقة إلا الليل الذي قسم عليه أن يكون سرمدا”.
والطريف أن يوصف البيت الأول بأنه طفل، وأبيات بشار بأنها سباع تأكله، ولعل أشد هذه الأبيات توحشاً في شعريته وقوته، ونضوحه بالأسى والشجن هو البيت الذي يتساءل فيه:
أضل النهار المستنير طريقه
أم الدهر ليل كله لا يبرح

اقرأ أيضا