متوقِّفهْ خيلْ الليالي على البابْ *** أسمَحْ لها وإلَّا أسوقْ إعتذاري والوقت متلوِّنْ مثلْ بعض الأصحابْ *** لي ظَنْ نفسهْ كاسي وهوهْ عاري واللّي إدخَلَتْ فجأهْ لها وجهْ كذَّابْ *** متعَطِّرَهْ يا غيرْ منها حذاري كانتْ تظنْ ظنونْ وتدوِّرْ أسبابْ *** وأنا بها وبسلوبها صرتْ داري ومنهو قرا الدِّنيا غلبْ قاريْ كتابْ *** وأنا كسَبتْ المعرفهْ بإختباري مشيتْ فيها بسيرةْ إقرومْ وأنجابْ *** وآدَلْ في ليلي دلالةْ نهاري ما يهمِّني الكذّابْ لهْ قلبْ مرتابْ *** ولاطرتْ لي منْ أمورَهْ طواري أخالفهْ في الرّايْ حاوَلْ ولا صابْ *** وأبديتْ لهْ في اللّي يقولْ إعتذاري والرّايْ كانهْ وِعْرْ منْ يتبعَهْ خابْ *** وأنا علىَ نهجْ الشَّهامه مساري وما أحسِبْ لبُو وجهينْ لو يكبَرْ حسابْ *** ولا ألتقيهْ ولا أبثَّهْ عتابي هذا أنا واضحْ للأبعَدْ ولقرابْ *** لي سيرةٍ متعلِّيةْ في السّحابِ يدين الكذب والنفاق ويحذّر من «بو وجهين» في «خيل الليالي» محمد بن راشد يروّض «خيل المعاني» بحكمة الشاعر الخبير محمد عبدالسميع (الشارقة) تعكس قصيدة «خيل الليالي» التي نشرها صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، خبرة سموّه وفراسته ومعرفته الغثّ من السمين، وما ذلك إلا لطول تجربته مع الأيام وصروف الدهر ووجوه الأصحاب. ولعلّ سموه في هذه القصيدة يتنافذ من هذه الصفات «الاجتماعيّة» غير المحمودة، في تبدّل الوجوه وتلوّنها ونفاقها وإضمارها الشرّ، على الصفات «السياسيّة» للدول، التي تظلّ على عهدها في مخالفة أبسط قواعد الحفاظ على العهود والمواثيق والإنسانيّات. وتبدو بلاغة صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في تصويره الحالة وكأننا أمام مشهد درامي رائع، واشتغاله على مواضيع النقد والافتخار بالذات «الخبيرة» مقابل «الآخر» الجهول الذي يحتاج كثيراً من الوقت قبل أن يدرك شيئاً من معرفة آل مكتوم بالأمور واستبطانها، فها هو الشاعر ينطلق من «خيل الليالي»- بكلّ ما يضيفه هذا التشبيه من قوّة، لدرجة أنّ القصيدة تسمّت بالاسم ذاته، بما للخيل من دلالة، وكلّ ذلك إنّما يدلّ على أنّ المعاني حاضرة دائماً لدى سموّه، مثلما هو الشعر ساكنٌ في وجدانه، إذا اعتبرنا «خيل الليالي» هي القصائد التي تنتظر فارسها الشاعر، وهي خيل لا تتأتى لمن كان، فإمّا أن يسمح لها الشاعر أو يعتذر عن ركوب معانيها، فهي بديهة متوقّدة لا تغيب عن الشاعر العارف بالوقت غير المستقرّ على حال، وهو الوقت الذي ليس إلا انعكاساً للبشر وسوء طباعهم، لكنّ المؤلم أنّ هؤلاء البشر الذين يتغيّرون سريعاً تماماً كالوقت هم من فئة «الأصحاب»، وفي ذلك إشارة جغرافيّة موفّقة لسموّه في تقريب المعنى للقراء- وتلك بحدّ ذاتها كافية لأن يبدع سموّه حيالها قصائده البليغة الذكيّة التي تؤشّر ولا تقول، ولكنّها في الواقع تحمل كثيراً من الكلام الذي يستبطنه أولو الفهم وقرّاء الدلالة والمرام، كما في تصوير سموّه لافتضاح بواطن ومكر كثيرين ما يزالون يظنّون أنّهم تنطلي أكاذيبهم على الآخرين، مع أنّهم عراة - دليل الفضيحة - ولا يستترون بشيء بعد هذا العري: «لي ظن نفسه كاسي وهو عاري». ونسير مع سّموه وهو يتبيّن تلك التي «لها وجه كذّاب»- لاحظ دلالة التأنيث وتيسير المعنى- لدرجة أن القارئ يكوّن من هذه المفاتيح الذكيّة معنىً هاماً وخطيراً أراده صاحب السموّ الشاعر الذي لا يصرّح، ويكتفي دائماً بـ «التلميح»، وذلك هو دأب الشعراء. لقد تعطّرت لتبدو حسنةً أو مليحةً في العيون، لكنّ معرفة الشاعر «الخبير» بها وبـ «وجهها (القبيح) كفيل لأن نحذر منها ونحذّر الآخرين منها أيضاً، على الرغم من كلّ هذا (الظاهر) أو (المكياج) الذي تضعه على هذا الوجه العابس بالأحقاد والمؤامرات؛ فلديها (أسباب) - مآرب - خبيثة، وقد استمرأتْ أسلوبها المداهن الذي يظهر عكس ما تبطن، وقطعت فيه شوطاً بعيداً في المكر والدهاء، وهو الأسلوب الذي لا ينطلي أو يخفى على صاحب السموّ الشاعر الذي يميّز الخيل من واقع كونه فارس الخيل والموقف والكلمة والقلم والشعر. هذه المقدرة والخبرة التي لا يستطيعها إلا من قرأ (الدنيا) لا (الكتاب)، وهذا التعبير يلفتنا إلى ما يتمتع به الشاعر من سعة أفق ومساحة تتجاوز كلّ المساحات الضيّقة في استبطان الدلالة والوقوف على حقيقة الأمور». وتظلّ القصيدة تتلألأ بالأبيات المتوهّجة بالشعر، حيث الشاعر عريق السلاسة وواضح المنبت والأصول، يتبيّن الأمور ويحكم عليها الحكم الصحيح في الليل تماماً مثل حُكمِه عليها ومعرفته بها في النهار، وهو تشبيه قوي وآسر، إذا ما عبّر «الليل» عن الظروف المدلهمّة ذات الخطوب التي يحار فيها الحكماء، وعبّر «النهار» عن الظروف العاديّة التي يستطيعها كلّ الناس، وتلك بلاغة في مقدرة الشاعر التي تظلّ ثابتة وقويّة في كلّ الأحايين والظروف. كما نقف على خصائص صاحب السموّ - الشاعر- الذي لا يحسب للكذّاب حساباً، ويعلم أنّ وراءه قلباً مرتاباً دائم الشكّ وعدم الثقة أو اليقين، وهو الشاعر الذي يظلّ ينصح ويظلّ يؤدي واجب هذه النصيحة برفق ولين وتلطّف مع ثباته في الوقت ذاته على المبدأ الذي لا يضحّي به والذي هو تراكم كلّ هذه الخبرة والمعرفة التي بناها بحسن بصيرته واطلاعه وسعة أفقه طيلة هذا المشوار مع الحكمة والشعر ومعرفة ألوان الناس وصفاتهم دون أدنى كللٍ أو تعب. إنّه «الرأي» الصائب، لا «الوعر».. الرأي الذي لا «رأي» غيره، الرأي الحكيم الذي يُوفّق صاحبه ومن يتّبعه ويندم مخالفه ومن يسير على سواه، فهو «نهج الشهامة» الذي كوّنه صاحب السموّ من آبائه وأجداده ومشواره الطويل مع خبرة الحياة والدنيا والناس. ويختم سموّه بتأكيده ثباته على المنطلق والمبدأ وحرصه عليه: «وما احسب لابو وجهين لو يكبر حساب»، وتتضح دلالة «الوجهين» السيئة المقيتة التي ينفر منها الشاعر ويأنف من أن يحسب لها حساباً أو حتّى «يلتقي» صاحبها أو يبحث معه ما يمكن بحثه، أو حتى يبثّه أيّ نوعٍ من «العتاب»؛ باختصار لأنّ بين الطرفين مسافة وبوناً شاسعاً، هذا فضلاً عن أنّ صاحب السموّ واضحٌ وضوح الشمس للقريب والبعيد كما أنّ سيرته تظلّ هي السيرة العطرة التي توصف بأنّها «متعلّية في السحاب»، وهو دليلٌ على سموّ نفسه وترفّعه عن الصغائر باتجاه القضايا الجادّة والعظيمات من الأمور.