الاتحاد

صرخـة صــامتـة

إخواني الناظرين إلى تراكيب هذه الحروف المبعثرة على بساط الجريدة أستميحكم عذراً ليقيني سلفاً بأن أصابعي الممسكة بهذا القلم عاجزة عن التعبير عما أحس به من مشاعر، حيث أنني ولظروف خاصة ولتسارع مجريات الحياة العامة أخذ وميض القراءة والكتابة مني ينطفئ شيئاً فشيئاً وبالأخص لهذه الجريدة العزيزة الذي كنت ممن يشاركون فيها إن لم يكن بكتابة فبقراءة ما يكتبه الإخوة الأعزاء بأقلامهم الذهبية، إلا أن حادثاً أيقظ أفكاري النائمة من سباتها الطويل (هي حالة لأحد الأصدقاء) شاهدته فيها حزيناً كئيباً سارحاً· على غير عادته المعهودة من البشاشة والفرح والسرور فاستوضحت الأمر منه فلم يجبني وإنما رد علي وهو يرنو بنظره إلى أسفل قدميه نحو الأرض قائلاً: لو كانت لديك مساحة من الأرض لا تتسع الا لغرس شجرة واحدة تعهدتها بالرعاية والسقاية والاهتمام سنوات عدة حتى قوي عودها واخضرت أوراقها وأينعت ثمارها وأصبحت أغصانها وارفة الظلال، فلم تقصر أنت من ناحية الاهتمام والسقي والتقليم ولم تبخل هي بثمرها الشهي، وفرح كل منكما بالآخر ومع مرور الأيام حدث ما عكر صفوكما حيث بدأت الشجرة تبخل بثمرها وأصبحت أوراق اغصانها تذبل وتسير نحو الجفاف دون سبب واضح أو علة تذكر، وعلى الرغم من صبرك على تلك الشجرة سنوات عدة علها ترجع الى سابق عهدها الخصيب الا أن شيئاً من ذلك لم يكن مع يقينك انك لم تقصر معها من ناحية الاهتمام او السقاية حتى أصبحت أمام أمرين لا ثالث لهما، إما أن تستمر على منوالك القديم مع هذه الشجرة العقيمة عديمة الفائدة، وإما أن تقتلعها من جذورها وتقتلع معها سنوات العشرة والألفة لتغرس مكانها شجرة أخرى تنتفع منها وإن كان ذلك بعد زمن قادم طويل الأمد كثير الجلد·· وهنا يتوقف صاحبي عن الكلام فجأة، ليرى ما قد يرتسم على وجهي من علامات الدهشة أو الاستغراب أو الاستيضاح على أقل تقدير لكن شيئاً من ذلك لم يكن فلتتقارب الأفكار والخواطر بيني وبين صاحبي المكلوم ما أهلني لأعلم أن الشجرة المقصودة ما هي إلا أناس قريبون من قلوبنا تبادلنا معهم صادق المشاعر وفجأة تبدأ مشاعرهم نحونا بالنضوب ليطلبوا السقي من مشارب أخرى متعددة على الرغم من أن قلوبنا ما زالت عامرة تجاههم بمخزون من المكنونات الصافية والتي ما زالت أنهارها وروافدها قادرة على ري مساحات شاسعة من القلوب العطشى، فهل ستسعفنا الأيام لنرى حصاداً زرعناه بالأمس مرة بعد مرة، بل ليت شعري أنه لو كانت هناك بنوك للمشاعر إذا لأودعنا فيها رصيداً وافراً من النسيان نسحبه ونستغله في علاج تلك القلوب المفجعة بل ليت شعري لو كانت هناك محاكم للمشاعر وقضاة للقلوب إذا لرفعت دعوى لصاحبي أطالب له فيها بتعويض عن الأضرار التي لحقت به جراء ما سحب من رصيد مشاعره وأودعه في بنوك قلوب أناس أخلص لهم فاستغلوا طيبته وسرقوه على المكشوف·
حمد عبدالله فاضل الصوافي

اقرأ أيضا