الاتحاد

الملحق الثقافي

انتقد الطقوس الدينية فحكم عليه باللعنة منذ 350 عاماً

حلمي النمنم

حلمي النمنم

يبقى الفيلسوف الهولندي باروخ اسبينوزا ملهما لكثير من الدارسين، سواء بأفكاره وآرائه الفلسفية، أو تلك التي لا تدخل مباشرة في الفكر الفلسفي، لذا لم يكن غريباً أن يعكف على دراسته كتاب وباحثون من مختلف الاتجاهات مثل د. فؤاد زكريا ود. حسن حنفي وغيرهما، وآخر الدراسات حول اسبينوزا تلك التي اصدرها د. عبدالرشيد الصادق محمودي وهو أستاذ للفلسفة انشغل بالنقد الأدبي وكتابة القصص القصيرة والدراسة بعنوان “محاكمة اليهودي المارق”.
انطلق المحمودي في دراسته من قرار مجلس إدارة الطائفة اليهودية بأمستردام، الصادر في 27 يوليو 1656 بحرمان باروخ اسبينوزا من عضوية المعبد اليهودي وطرده من الطائفة، وجاء في القرار أن أعضاء المجلس علموا منذ فترة طويلة بآراء وأفعال اسبينوزا وحاولوا بوسائل ووعود شتى أن يثنوه عن طرقه الشريرة، ولكنهم عندما عجزوا عن ذلك وصاروا يتلقون مزيداً من المعلومات الخطيرة عن بدعه الكريهة وأعماله البشعة وكان لديهم على ذلك شهود جديرين بالثقة أدلوا بشهادتهم في حضور اسبينوزا فقد اقتنعوا بصدق هذا الأمر وبعد التحقيق في كل ذلك بحضور الحاخامات الموقرين قرروا بموافقة هؤلاء أن اسبينوزا ينبغي أن يحرم ويطرد من شعب إسرائيل. امتلأ القرار بعبارات عنيفة مثل “فليلعن نهاراً وليلعن ليلاً، وليلعن عندما يرقد، وليلعن عندما يستيقظ وليلعن عندما يخرج وليلعن عندما يدخل”، وحمل القرار إعلاناً بمقاطعته نهائياً، لا ينبغي لأحد أن يتواصل معه أو يمنحه أي صنيع أو يبقى معه تحت سقف واحد أو يقترب منه بمقدار أربعة أذرع، ولا ينبغي لأحد أن يقرأ أي مقالة ألفها أو كتبها، ووثق أعضاء المجلس حكمهم، فقد أصدروه بـ”موجب حكم الملائكة وأمر الرجال المقدسين”. كان اسبينوزا حين طُرد يبلغ من العمر 23 عاماً، ولم يكن نشر أياً من كتبه، والغريب أنه لم يتم توثيق الاتهامات الموجهة إليه، ولذا لا أحد يمكن أن يحدد على وجه القطع هذه التهم، ولكن يقال إن ما نسب إليه آراء قالها شفاهة وفي مجالسه الخاصة، وذكر أن راهباً يدعى سولانا ردبلز والكابتن ميجيل بيريز مالترا انيلا قدما إلى محكمة التفتيش بمدريد وذكرا أنهما التقيا اسبينوزا ومعه د. برادو وسمعا منهما أنهما طردا من المعبد ومن الطائفة لأنهما أنكرا صحة “التوراة” وخلود الروح وأن الله لا يوجد إلا فلسفياً، وهذا يعني الإلحاد وإنكار العناية الإلهية.
لم تتوقف الانتقادات له والهجوم عليه خاصة بعد أن نشر كتبه واتضحت أفكاره الفلسفية خاصة نقده للكتاب المقدس ومذهبه في وحدة الوجود وملاحظاته على فكرة الوحي والنبوة، ويبدو أن من أصدروا قراراً بحرمانه شعروا أنهم كانوا محقين، لكن فلسفياً حقق اسبينوزا نجاحاً كبيراً ونال اعترافاً من كبار الفلاسفة، فأشاد به هيجل قائلاً: “إما أن تقبل الاسبينوزية أو لا تكون هناك فلسفة”، أما ليسنح، فاعتبر أنه لا فلسفة بلا اسبينوزا، وعموماً كانت فلسفة اسبينوزا ملهمة للمثالية الألمانية وتأثر به كثير من الفلاسفة الألمان.
وقف اسبينوزا بشدة ضد فكرة شعب الله المختار، والتي استوحيت من الكتاب المقدس اعتماداً على أن الرب اصطفى العبرانيين من بين سائر الأمم وأنه وضع شرائع عادلة لهم وحدهم دون الشعوب الأخرى، ويرى اسبينوزا أن هذا الكلام صحيح، لكن ليس بالمعنى الذي انتهى إليه العبرانيون، فالاختيار من الرب كان هنا لظروف طبيعية وتاريخية معينة، ومن ثم فقد كان مؤقتاً، وليس أبدياً، وانتهى بنهاية تلك الظروف. وقال إن الرب أعان العبرانيين في فترة معينة، وانتهى ذلك بوقته، لكنه لا يعني أنهم يفضلون غيرهم من الأمم أو الشعوب لا من حيث الفضيلة ولا الذكاء وفي النهاية فإن الله يرعى الجميع والأمم متساوية، وكما أعان الله العبرانيين في وقت ما أعان الكنعانيين وغيرهم من الأمم وطبقاً لفهم اسبينوزا، فإن الأمم التي تتقدم وتكون قوية يتحقق لها ذلك بمعونة من الرب.
ورد عليه أنصار فكرة “شعب الله المختار” بأن اليهود رغم سقوط دولتهم، ظلوا موجودين على قيد الحياة، ولهم دور في التاريخ، ورد هو بأن ذلك لا يعود إلى أفضليتهم، بل لأنهم عاشوا في انعزال عن جميع الأمم، داخل الجيتوهات مما جلب عليهم كراهية الجميع، وتمسكوا بطقوس تعارض طقوس الأمم الأخرى، وتوقف اسبينوزا عند حالات معينة اندمج فيها اليهود وتم استيعابهم في المجتمعات التي عاشوا فيها، وحدث ذلك في إسبانيا عندما أُجبروا على اعتناق الكاثوليكية الرومانية، وصاروا يتمتعون بجميع امتيازات الإسبان وكانوا مواطنين مثل غيرهم من أبناء البلد.
انتقد اسبينوزا الكتاب المقدس وانتقد اليهودية، وكان ذلك جزءاً من نقد عام للدين وللطقوس على اختلافها ودور الكنائس وقدم تصوراً للجمهورية أو للدولة يقوم على الديمقراطية العلمانية التي تقضي باندماج اليهود واستيعابهم على قدم المساواة مع غيرهم، وهذا يأخذه عليه مفكرو الصهيونية ومازالت المرارة تجاهه قائمة حتى اليوم، ومازال الحكم الذي صدر في أمستردام وبنفيه قائماً إلى اليوم، وقيل إن ديفيد بن جوريون أول رئيس لوزراء إسرائيل سعى إلى إلغائه فلم ينجح، وهو قول غير مؤكد.
كان تفكير اسبينوزا في المسألة اليهودية يقوم على دمج اليهود في المجتمعات التي يقيمون بها، لكن ليوشتراوس، يتوقف عند رسالة اسبينوزا “رسالة في اللاهوت والسياسة” ليخلص منها إلى أن اسبينوزا كان لديه حلم آخر، وهو قيام دولة منفصلة لليهود.
كان اسبينوزا قد قال إن معاونة الرب للعبرانيين كانت مرتبطة بظروف معينة، وهذا يعني أن الظروف يمكن أن تتكرر، وأنهم “سيقيمون دولتهم من جديد، وأن الله سيختارهم ثانية”، واستنتج شتراوس من ذلك أنه تنبأ بقيام دولة إسرائيل.
وفي ترجمته لكتاب اسبينوزا “رسالة في اللاهوت والسياسة”، اعتبر د. حسن حنفي أن اسبينوزا قال ذلك في مجال السخرية والتهكم، لكن د. المحمودي لا يرى ذلك، ويؤكد معنى اسبينوزا وهو أن اختيار الله مرتبط بعوامل من الجهد الإنساني، والمعنى أن العرب لو بذلوا جهداً يمكن أن يتغير الأمر ومن ثم لا تكون إسرائيل دولة أبدية.
تفسير وفهم شتراوس يتعلق بفئة من النخبة، لكن مازال اسبينوزا في نظر اليهود مارقاً ومطروداً من عالمهم

اقرأ أيضا