الاتحاد

الملحق الثقافي

دراسة اعتمدت على وثائق المحكمة الشرعية في العهد العثماني

تستحق هذه الدراسة عناء القراءة، ففيها جهد علمي متميز وفيها جديد للقارئ وللباحث، تحمل الدراسة عنوان “نصارى القدس.. دراسة في ضوء الوثائق العثمانية” وقد اعتمد المؤلف د.احمد إبراهيم القضاة على وثائق المحكمة الشرعية بالقدس، وهي مليئة بمعلومات وتفصيلات ووقائع لن تجدها في المصادر أو المراجع الاخرى حول القدس في القرن التاسع عشر، وكانت الدراسة في الأساس رسالة دكتوراة أنجزها المؤلف في جامعة اليرموك بالمملكة الأردنية.
شكل نصارى القدس ثلث إعداد سكان المدينة المقدسة وقد انتظموا في عدة طوائف رصد منها الباحث تسع أبرزهم وأكثرهم عددا الروم الارثوذكس، وكان هؤلاء الأكثر نفوذا بين بقية الطوائف الاخرى، لأسباب عدة منها أنها كانت مستندة على دعم الدولة العثمانية وإنهم كانوا من أقدم الطوائف، فقد كانوا بالمدينة قبل دخول الإسلام والمسلمين إليها، وكانت هذه الطائفة تحظى برعاية روسيا لها، ولذا سيطرت على معظم الأماكن المقدسة ـ المسيحية ـ بالمدينة وتقدمت على الطوائف الأخرى في إجراء مراسم الأعياد والحج سنويا، تكونت هذه الطائفة من العرب ومن الرهبان اليونانيين الذين سيطروا على مقاليد الطائفة، ثم انضم اليهم عدد من الارثوذكس جاءوا من خارج المدينة ومن خارج فلسطين مثل استانبول وقبرص وبروسيا، وغير هذه الطائفة كان هناك الروم الكاثوليك وهم طائفة انشقت عام 1742 عن الروم الأرثوذكس، لذا تعرضوا للاضطهاد من الروم الذين وجدوا مساندة من الدولة العلية، التي لم تكن تحترم من ينشق عن أصله، ونظرت الدولة الى الروم الارثوذكس باعتبارهم وطنيون ويجري وصفهم في سجلات الدولة بأنهم “رعايا مولانا السلطان نصره العزيز الرحمن”. أما الكاثوليك فهم من اتباع أوروبا والأوربيين أعداء الدولة.
أملاكهم
اقتصاديا امتلك النصارى في القدس أراضي شملت البساتين والحواكير والبيارات وغيرها، ويتصرفون في البيع والشراء ووقفا كذلك، وكانت هذه الأراضي تعود الى الدولة في حالة وفاة مالكها من دون وارث شرعي أو وصية، وتثبت الحجج الشرعية حرص “النصارى” اقتناء الأراضي التي كانت تشكل موردا اقتصاديا لأصحابها. كما اهتموا بشراء العقارات الصناعية والسكنية فضلا عن المحال التجارية وترصد الدراسة ان الحكم المصري لبلاد الشام (1831 ـ 1840) حقق قدرا من المساواة الاجتماعية بين الطوائف، وأتاح للكنائس فرصا للنمو والتطور بصورة جعلت من الصعب على الدولة العثمانية التراجع عنها حتى بعد زوال الحكم المصري، فضلا عن تدخل الدولة الاجنبية، والقناصل لحماية الطوائف النصرانية، فقد انشأ حكم محمد علي لبلاد الشام مجلسا في كل مدينة يزيد تعداد سكانها على ألفي نسمة، ولكل مجلس يوجد رئيس منتخب، وعدد أعضائه من إثني عشر الى واحد وعشرين عضوا، بحسب أهمية المدينة، وتمثل فيه كل الطوائف.
وقد أبدت الدولة العثمانية قدرا كبيرا من التساهل في شروط العهدة العمرية، فبعد حريق كنيسة القيامة عام 1808 صدر فرمان من السلطان محمود الثاني بإعادة ترميم كنيسة القيامة كما تشكلت لجنة لإعادة تعمير الكنيسة وبنائها، وطلبت الدولة من المسلمين التبرع لإعادة بناء الكنيسة، وفي عام 1809 صدر فرمان بناء على فتوى شرعية سمحت لطوائف النصارى بإنشاء الكنائس وتجديدها من واردات أوقافهم.
علاقاتهم
تثبت الوثائق أن العلاقة بين المسلمين والنصارى كانت قائمة على التسامح وحسن الجوار والتعاون وقد وضح ذلك مع قدوم حملة نابليون على الشام عام 1799، فقد قدمت طائفة الافرنج مبلغ مئة الف قرش أسدية الى الحاج حسن افندي جودة رئيس المؤذنين بالحرم القدسي الشريف لتعمير سور مدينة القدس، ولشراء الذخائر للدفاع عن المدينة، وقد أوقف النصارى بعض ممتلكاتهم على المسجد الأقصى وقبة الصخرة وعلى فقراء المسلمين، كما ان المسلمين أرسلوا بناتهم للتعليم في المدارس التي افتتحت في القدس عام 1835 من جانب الإرساليات البروتستانية، ولا يعني هذا ان الأمور كانت وردية، فقد وقعت بعض الفتن بين المسلمين والنصارى كما حدث اثر ثورة المورة عام 1821 لكن كانت الفتن تقع ثم لا تلبث ان تهدأ الأمور وتعود العلاقات الودية وحسن الجيرة.
على مستوى الوظائف شارك النصارى في الجهاز الإداري للدولة وقاموا بعدد من الوظائف، من بينها وظيفة ترجمان اي مترجمين للمتصرفين، خاصة بعد تأسيس القنصليات الأجنبية في القدس وقدوم ممثلين عن الدول الأجنبية لزيارة المدنية، وذلك لمعرفتهم باللغات الأجنبية وممن قام بهذه الوظيفة استربادي افندي الرومي وبشارة ولد حبيب بولص الرومي.
وظائفهم
وكانت هناك بعض والوظائف المالية شغلها النصارى باستمرار مثل الصراف وكان يعينه الوالي مباشرة، وهو موقع يشبه في اختصاصاته الآن وزير المالية في الولاية، وتذكر السجلات الشرعية ان انطوان ايوب الكاثوليكي كان مراقب خزينة القدس. وهناك وظيفة الكاتب ويشترط فيمن يشغلها ان يكون عارفا باللغتين العربية والتركية وان يجيد الحساب ومعظم من شغلوا هذا الموقع كانوا من النصارى مثل ابرايم قسطنوي الرومي والمعلم صالح يعقوب الرومي، وهناك وظيفة مأمور الكمرك - أي الجمرك - وكان النصارى يشاركون في محكمة البداية وكانت مختصة بعمليات البيع والشراء وإصدار الوكالات والتصديق عليها وتلقي الشكاوى من المواطنين كما شاركوا في محكمة التجارة والتي كانت تتبع العدلية مباشرة أي وزارة العدل.
وتأسس البنك العثماني عام 1862 واتخذ البنك من الاستانة مقرا له وكانت له فروع في مصر وقبرص ولندن وباريس. وكان رأس ماله انجليزي وفرنسي مشترك وقدره عشرة ملايين ليرة انجليزية وقد تولاه من النصارى “حنا افرونكو بن ابراهيم” البروتستانتي وساعده في إدارته الخواجة ميخائيل بطاطو اللاتيني.
الكتاب زاخر بالمعلومات الموثقة والمدققة، وقد يندهش البعض من المفردات التي استعملها الكاتب، مثل نصارى.. وارتباط كل اسم بطائفته و هذا لا نجده اليوم، وقد لا يكون مقبولا لكنه بمعيار القرن التاسع عشر كان هو السائد، قد التزم الباحث بمعايير العصر الذي اشتغل عليه واستعمل مصطلحاته وهذا يحسب له

اقرأ أيضا