الاتحاد

الملحق الثقافي

جنون طريف وتنبّؤات عاقلة وخيبات قاتلة

د. حسن محمد

د. حسن محمد

“فساتين هندومة” لجواد صيداوي هي الرّواية الصّادرة عن دار الفارابي في مئة وثمانين صفحة من القطع الصغير، بعنوانها الطريف، ورمزيّتها السّاخرة، بعد سلسلة من الرّوايات التي تغرس جذورها في البيئة والانسان، دون أن تسقط في الابتذال، نحو العودة على متن الرحيل، جمانة، مطاردة، أسنان المشط، صرنا على الليسته...
تتخذ الرواية منبع أحداثها من بلدة طبرنا المواجهة لجبل الشيخ، أو ما يعرف بجبل حرمون، وهو سلسلة فاصلة بين لبنان وسورية من ناحية الحدود الجنوبية الشرقية، وتنطلق من غنى المكان: المسجد، السوق، المنزل، حيث تطلّ شخصية المؤذن الشيخ عبدالله المخلص في أعماله وعباداته، والطامح الى مرتبة الإمامة ولو من الدرجتين الثانية أو الثالثة، يجالس أبناء بلدته، فيقصد حوانيتهم، ومراكز أعمالهم محاورا ناصحا، معينا بكلّ الوسائل: كتابة الرّقى، والتّعاويذ التي تحصّن ضدّ الشّيطان، فكتابة الحجب التي تجمع أو تفرّق، فضلا عن عمله في النجارة، وهي أعمال اضطرّ إليها بعد تعذّر تنصيبه إماما. وقد يتدخل شيخنا في العلاقة بين الأب وابنه، فيوجّه ويلقي المواعظ التي لا تجد من يأخذ بها، كالنصيحة التي أعطاها للقصّاب عباس نعمان كي يبقي ابنه عبّود في المدرسة.
عشرة أجزاء
قسّم صيداوي روايته عشرة أجزاء عاملا على تنمية الأحداث والتناقضات باتجاه الذروة، بدءا من اللقاء الأوّل بين الشيخ والشخصية الرئيسة الثانية في الرواية: الفتاة هندومة التي لها آراء لاتحيد عنها في الاجتماع والحرب والسلم.
كان اللقاء حاميا لأنّ كلا منهما متمسّك بوجهة نظره، فهندومة تقصد الشيخ في دكّانه، وتلقي اليه أخبارها الجديدة غير عابئة بفارق الخبرة بينها وبينه، ولا بفارق الموقع الاجتماعي أو الديني الذي يجعل كلمته فوق كلمتها. علما بأنّ مولانا يعالجها من المسّ الشيطاني منذ بضع سنوات، واذا كان لم ينجح كلّيّا في مهمّته، الآ أنّه استطاع أن يخفّف عنها حالة الصّرع التي يسبّبها دخول الجنّيّ في الانسيّ.
المهمّ أنّها رأت القمر في حال متعبة، واستطلعت الدلالة الغيبية الكامنة فيه قائلة:
ـ “الحرب بدها توقع واليهود بدهن يجوا (سوف يأتون)”.
فابتسم الشيخ وقال:
ـ “ما تخافي يا هندومة، اليهود ما بيجوا لهون أبدا، واذا إجوا لاسمح الله، بدهن ياكلوها بصرماية عتيقة”.
عندها اتهمته بقلّة العقل فنالت منه ماتيسر من الزجر واللعن.
بين هندومة وفلسطين
تتداخل الأحداث، انطلاقا من الجزء الثاني، فيغدو الحديث عن ولادة هندومة ونشأتها، ممزوجا بتاريخ النكبة الفلسطينية، والخروج القسري لوالدها عثمان المحمد من قريته في الطرف الشمالي لغور الاردن باتجاه لبنان، وكيف توزّع اللاجئون الفلسطينيون الذين تدفقوا على طبرنا بكثرة على المدارس والمساجد والخيام التي نصبت على عجل، ومنهم من حلوا ضيوفا لأّيام على أصدقائهم، أو استأجروا منازل...
بلغة سردية مؤثرة يرصد صيداوي نزوح اللاجئين الفلسطينيين والمأساة التي حلت بهم والوعود بإعادتهم فورا الى موطنهم.
وفي خضمّ البحث عن الوطن/ المأوى، ينشغل عثمان المحمّد بمداواة ابنته هندومة على يد الشيخ عبدالله على الرغم من كلّ الأقاويل التي سمعها في مقاهي طبرنا ومجالسها.
وعلى ما في الرواية من شخصيّات ثانوية مثل حيدر الأخوت ومسعودة الشركسية، وكامل حمدان الشيوعي... الا أنّ الكاتب يعيدنا دائما الى النقطة المركزية وهي شخصية هندومة النّامية، منذ ولادتها في سيارة الشحن حين قالت أمّها: ربّنا يستر.
ولمّا بلغت العاشرة طفقت تخرج الى أزقّة حيّ القلعة، وتختلط بأطفاله، أو تقف بمفردها قرب جدار تراقب دون أن تشارك، فتسمع من يصفها بالمجنونة فلا تبالي، واذا تعرّض لها أحدهم بأذى قاومت بشراسة... وتصرّفاتها وأقوالها، استمرّت مختلفة عن الأطفال العاديين.
ومع مرور الزمن أخذت دائرة جولاتها تتسع تدريجا لتشمل ساحة البلدة وأسواقها، ثمّ الأحياء القريبة فالبعيدة، وصولا الى الحقول والتلال المجاورة.
المحلّيّة مع العاميّة
وإذا كانت هذه الرواية مغرقة في محلّيتها، عاشقة لصور التقاليد المعيشية، فهي مغرقة في إنسانيتها، مبدعة في التقاط مشاهد الحياة من أفواه الناس، تتركهم على طبيعتهم الأولى، وجبلتهم النفسية والاجتماعية، وقد وفق الكاتب في ترسيم الشخصيات انطلاقا من عالمها الداخلي، عالم الرغبات والأحلام، عالم الصدق والعفوية، فالمجنون له دور فاعل في تحريك الأحداث، وتشكيل المشهد الإنساني في حيّه وبلدته، كذلك الرجال من أصحاب المهن البسيطة: لحّام، كندرجي، سائق سيّارة، حانوتي، والنسوة على ما هنّ فيه من بحث عن الأسرار العائلية، وتسلّ بفضائل الرجال وعاهاتهم ونواقصهم، والحزبيون الذين يلاحقون النخب المثقّفة من الطلبة لتنظيمها، الى المنحرفين والمنحرفات الذين ساءت سمعتهم، فالمتزوجين والمتزوجات بين شجار وطلاق.
هذه المحلّيّة تطبع الأحداث بطابعها، من خلال الحوار الساخر باللغة العامية وباللهجة الخاصة، فتشعر كأنّ الشخوص ما زالوا أحياء يتحرّكون بلحم ودم، ويتقدمون الى المسرح بكامل دوافعهم وارتباطاتهم ومستوياتهم.
وقد أصبحنا أمام فسيفساء اجتماعية ساخرة، فيها دين وسياسة واقتصاد، جنون وتعقّل وثرثرة، إبداع وابتذال، فهذه البلدة الصغيرة والمسافة بين حيّ القلعة والساحة وسوق القصابين اختزال لكلّ إنسان، ولكلّ بقعة من الكرة الأرضية.
وتدخل هندومة وسط الضجيج الاجتماعي خاطفة الأنظار بفضولها، وعباراتها اللاذعة، وفضحها لأسرار من يسخر منها، أو يطارحها المزاح الثقيل، فلا تغيب صورتها عن الدكاكين والمقاهي والمجالس على تنوع أهلها من لاعبي قمار أو أصحاب فكر وكياسة. وغدت مع الأيّام مالئة دنيا طبرنا وشاغلة ناسها، كأسماء شهيرات النساء في التاريخ: كليوباتره، زنوبيا، شجرة الدر... وأصبحت مقولاتها تنبّؤات على مسحة من جنون، مع قربها الشديد من استشراف المستقبل أي مجيء اليهود
وفي الجزأين الأخيرين ينضمّ أحمد الوأواء، مجنون آخر، الى هندومة، فيناجيان معا النجوم في ظلمات الأحياء المقفرة، وقرب الآبار المهجورة.
غياب الحلم
وتسري عدوى الجنون الى كلّ العقول المتعطشة للأخبار تتلقّفها من الإذاعات العربية متتبعة تطورات الصراع مع العدو الصهيوني، وقد أراد صيداوي أن يسترجع مشهدين: الأول عدوان السويس سنة 56 والثاني عدوان حزيران سنة67، والنكسة المرة التي نزلت بالأمة العربية، وأفقدت أهل طبرنا عامة وخاصة توازنهم النفسي والعقلي، لهول الكارثة.
لم تعد طبرنا كما كانت، تغير كلّ شيء في نظر هندومة حتى سكان المخيم باتوا غرباء في نظرها، لا أحد يمازحها، أو يستفزّها أو يرحّب بها.
وعندما تقترب الرواية من خطّ النهاية تهرول هندومة تجاه المحافر، مستعجلة لقاء الموتى الذين سبقوها، وقد ضاقت أنفاسها وتعثّرت خطاها، وأحسّت أنّ فساتينها وأسمالها عبء على وظائف أطرافها، الى أن وقعت أرضا تاركة هذا العالم.
وبغياب هندومة، يغيب حلم جدّها بالعودة الى فلسطين، في حين يراود سكّان المخيم شعور بالارتياح.
هكذا يسدل الستار على أحداث الرواية بالاقتران الجنوني بين رحيل هندومة عن ساحة طربنا، وتلاشي الأهداف العزيزة ومنها: عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم، في إشارة الى أنّ الزّمن العربيّ، واللّحظة التاريخية مفرطة في الحمق الى درجة الجنون السّياسي

اقرأ أيضا