الاتحاد

الملحق الثقافي

حكايات صغيرة عن الهروب والوصول

ما بين انطلاق مرتا حداد من قريتها “بتاتر”، القريبة من بحمدون وعاليه، متوجهة في العام 1913، إلى أميركا بحثا عن زوجها الذي لم يعد، منذ عام، يكتب لها الرسائل أو يرسل المال، وبين وقوفها وصلاتها أمام تمثال الحرية في نيويورك، ثمة مسافة طويلة قطعتها هذه المرأة التي بالكاد بلغت العشرين من عمرها ولم تغادر قريتها، حتى أن خالها يرفض قرارها قبل أن يوافق على مضض.

كانت هذه نقلة نوعية في حياة مرتا، لكن لا أحد ممن قرأ رواية ربيع جابر “أميركا” كان يتوقع النهاية التي ستتوصل إليها امرأة قروية لم تكن تتقن من الإنجليزية سوى الفتات، لكنها ذهبت لتبحث عن زوجها، قاطعة البحار وساعية في القطارات، وتعرضت لكل المصاعب في الطريق حتى عرفت مكان الزوج، ولسوف تنظر إليه من مقعدها في العربة التي أوصلتها، فيما هو يحتضن زوجته الثانية في حديقة قصره، فرأته واعتقدت أنه رآها، الأمر الذي جعلها تعود إلى نيويورك، وتستقر هناك في عمل يضعها على سكة جديدة في حياتها، سنجدها في نهايتها وقد غدت “أميركية” تماما.
في أربعة أجزاء، ومائة وستة وعشرين فصلا، يقدم لنا ربيع جابر رواية مارتا هذه منذ رحيلها عن قريتها، حتى النهاية التي ستأتي بعد ستين عاما، في العام 1973، وهي في الثمانين من عمرها، تتذوق في حديقة باذخة ثمار رحلتها وحصاد كفاحها، ففي حديقة التفاح ـ باسادينا نجد ثمارا وورودا من جانب، ومن جانب آخر نجد الأبناء من زوجها الثاني (علي جابر ـ الدرزي الذي اضطر لتغيير دينه كي يتزوج منها) والأحفاد، ونجد ألبوم الصور والذكريات.

رواية مرتا هذه تشكل مركزا لمجموعة كبيرة من الحكايات، حيث يأخذنا السرد بين زمنين ومكانين، زمن القرية وعوالمها وشخوصها، وزمن أميركا التي تغدو قبلة للمهاجرين السوريين (المقصود سورية ولبنان طبعا)، زمن ارتحال مرتا بحثا عن زوجها، وزمن “السنوات الطيبة” كما في الجزء الرابع من الرواية. والأمكنة الأميركية المتعددة التي تتنقل فيها مرتا تختلط بعديد الأمكنة الكثيرة التي يأتي منها المهاجرون السوريون أو (التورك = الأتراك).
الرواية التي تقع في 430 صفحة يتناول فيها الراوي أدق التفاصيل المتصلة بحيوات شخوصه، فالشخصية الرئيسة تكاد تكون وحيدة في ذلك، فيما بقية الشخصيات تأتي لتسندها وتوضح جوانب وملامح وأبعادا جديدة. فزوجها لا يظهر في الرواية إلا حين يتزوجها ويهاجر مباشرة، ثم من خلال الحديث عنه من آخرين عمل معهم، ثم حين تراه في حديقة قصره، وأخيرا حين يتطوع في الحرب العالمية ويسجل عنوان مرتا عنوانا له فتأتي بطاقة نعيه إليها.
الآخرون يتوزعون في درجة الأهمية، من صاحب المتجر الذي سيشتري مطرزاتها ومناديلها، ثم يمنحها فرصة العمل “كشاشة” (تحمل البضائع وتدور بها لتبيعها في القرى والمدن)، حتى تبلغ درجة امتلاك متجرها الخاص والبدء بالتوسع الهائل وغير المتوقع من امرأة في مثل بنيتها التي تبدو في بداية الرواية، امرأة محافظة وكل همها البحث عن زوجها والالتحاق به. وحين تكتشف زواجه يأتي علي جابر ليكون مساندا، فينجب منها ابنين وبنتين، ويتوفى.
العابرون من سوريا كثر، وهي مستعدة للمساعدة مع تطور أعمالها، تساعد بلا مقابل في كثير من الأحيان، فهي وجدت المساعدة واستقرت وأخذت تبهر من حولها بتحولات شخصيتها وتوسع أعمالها. قفزات متلاحقة ومفاجئة في حجمها ونوعها، جعلت من السرد البطيء والتفصيلي سردا يحمل قدرا من التشويق لمعرفة مصير هذه المرأة. وحتى حين يهتز وضعها مع اهتزاز أميركا بالأزمة الاقتصادية في 1929 يظل لدى مرتا الكثير لتعيش به ثم تنهض من أزمتها، حتى أن الراوي وهو يقترب من حادثة موتها يتردد في الإفصاح عنها فنجده يؤجلها:
“ذات ليلة ستنام وهي تشعر ببعض التعب. للحظة تفكر في النهوض لشرب الماء أو العصير. لكنها ناعسة. تنام وفي الفجر يصيح الديك لكنه لا يوقظها. أعلم أن هذا آت بعد قليل. لكنها الآن تسقي الحديقة ساعة المساء وتسمع غناء الطيور.. هكذا أريد أن أتركها”.
عشرات الحكايات القصيرة غالبا، حكايات للسوريين في زمن الجراد الذي أتى على كل شيء، حكايات يحملها سوريون كثر قادمون إلى أميركا، وحكايات لسوريين ـ أميركيين يحملها قلة ممن يعودون إلى الأوطان البائسة. حكايات من الواقع المعيش، وأخرى من التاريخ، تاريخ قريب محفوظ في الذاكرة، وتاريخ يأتي به الراوي ـ الروائي في هامش الرواية من كتب التاريخ التي يبدو ربيع جابر مهتما جدا بجمعها والإفادة منها.
في الرواية فصول مترابطة تحمل أرقاما متتابعة، وتسرد حالة مرتا في مكان وزمن محددين، وفصول لشخصيات قليلة مثل علي جابر، لكن فصول الرواية الأخرى تأتي لتسرد تحولات مرتا في عملها وعلاقاتها وبنية شخصيتها، هذا السرد الذي يهتم بأدق التفاصيل، مثل تسجيلها أصغر الأشياء وأدق الحوادث، واستقصاء الروائي لطبيعة الزمن الذي عاشت فيه شخصيته، وتقديمه باللغة المناسبة (لنعد إلى قائمة المواد في إحدى الطلبيات المعدة للبيع ربما. ص 154).
شخصية مرتا قد تثير الجدل حول ضعف بنيتها الدرامية، واستقامتها ضمن نسق واحد طوال الرواية، وعدم اضطرارها خوض أي صراع أو معركة للوصول إلى ما وصلت إليه وتحقيق ما حققت، في بلد يقوم كل ما فيه على علاقات الصراع أو المنافسة في الحد الأدنى؟ فكيف استطاعت هذه “البتول” ـ إن جاز التعبير ـ تجنب ذلك كله؟ وربما يمكن القول إن الرواية لم تشهد صراعات تذكر، باستثناء بعض المعارك بين السوريين، وهي معارك تم تبريرها بأنها لأسباب طائفية؟ بل إن بعض منافسي مرتا لم يجدوا غضاضة في مساعدتها على اجتذاب زبائنهم إليها؟
وهنا نستعيد سؤال الراوي/ الروائي ربما “كيف تغيرت مرتا في أربع سنوات؟”. كيف اندمجت إلى حد أن تبدو أميركية يسألها الأميركيون إن كانت ولدت في أميركا وقد ظل السؤال الأساس في الرواية هو عن كيفية اندماج السوريين في المجتمع المختلف تماما عما ألفوا في بلادهم؟ ثم كيف يهربون من الجوع والفقر ليتطوعوا جنودا في حرب لا يعرفون عنها شيئا؟ وما الصورة النهائية لأميركا التي يمكن للقارئ أن يتوصل إليها؟
أسئلة كثيرة أثارتها الرواية ويمكن التوقف عندها، لكن طبيعة قراءتنا هذه لا تسمح بهذا الكثير

اقرأ أيضا