الإثنين 3 أكتوبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم

خريف الحب الصامت

خريف الحب الصامت
28 ابريل 2011 22:10
(القاهرة) - أفقت من صدمتي التي فقدت فيها حبي الأول لكني لم أشف منه، وكل ما استطعت أن أتوصل إليه بعد شهور من التفكير الواقعي العميق أنني لا أتهم محبوبتي ولا أتهم نفسي بالتقصير ولا أحد منا يتحمل المسؤولية عن هذه النهاية المأساوية التي عصفت بنا وحطمت آمالنا وتركت لنا آلامها التي سكنت القلوب ولم تغادرها. اعترف أولاً بأنني تعاملت مع مشاعري من منطق طبيعي بعيد عن الحسابات والأرقام، رغم أنني مهندس وعملي لا يخلو من ذلك بل يعتمد عليه في كل صغيرة وكبيرة، وكل ما أقدم عليه يجب أن يكون مسبوقا بالحسابات بأدق التفاصيل أنهيت دراستي الجامعية والتحقت بشركة إنشاءات خاصة، وكانت الصدفة وحدها وراء عملي هذا الذي التقيت فيه بهذا الملاك البريء أنها ابنة صاحب الشركة، هادئة مثقفة مرحة جميلة بما يفوق الوصف أو قد تكون هكذا في عيني، ولكن هذه هي الحقيقة التي لا أبالغ فيها وما لا دخل لنا فيه أنها تدرس في كلية الهندسة أيضاً فكان ذلك عاملاً مشتركاً بيننا؛ لأنها أحياناً كانت تسألني عن بعض المواد الدراسية أو المسائل، فأجيبها والتقي بها من دون موعد مسبق عندما تأتي لزيارة أبيها، وقد كانت تفعل ذلك كثيراً. لم تكن هذه اللقاءات مقدمات لكي أحبها، ولم تكن حواراتي سبباً لاكتشافها، وإنما أحببتها من أول نظرة، وكان هذا الحب ينمو ويترعرع داخلي، وشجعني على الاستمرار فيه ما وجدته منها من اهتمام، وتأكدت بما لا يدع مجالاً للشك أنها تبادلني نفس المشاعر، وكنا كبيرين في تصرفاتنا وسلوكياتنا، فلم ينطق أحدنا بتلك الكلمة، ولم يطلبها من الآخر، وإنما كانت الأدلة عليها قوية واضحة.. تعاملاتنا كلها تنطق بذلك، وكان الصمت بيننا أحياناً أبلغ من الشعر والكلام كله، وكانت لنا لغتنا المشتركة التي لا يفهمها أحد غيرنا، لغة خاصة بحالتنا، لا مكتوبة ولا منطوقة وإنما تعبيرية تصل بالإحساس، وتكتب بنظرات العيون، وتقرأ بالفهم والإدراك، ولا أعرف قصة حب مثل قصتنا. بنينا حياتنا وأسسناها وعشنا أحلامنا وأردنا تحقيقها، لم نر محالاً ولا صعباً لم نتوقف عند أي مشكلة ولا عائق، بل لم يرد شيء من ذلك إلى عقولنا بالمرة، لكنها جاءت رغم أنفنا، وهذا هو الواقع الفعلي الذي لم نحسب له حساباً، ولم نشعر به؛ لأننا كنا نحلق في عالم آخر، ربما في الأحلام أو في عوالم أخرى في كواكب بعيدة عن الأرض، فقد جاء من يطلب يدها فور انتهائها من دراستها الجامعية، كنت حينها مثل الذي يسقط من فوق جبل أشم، لا أعرف متى سأصل إلى الأرض وعلى أي صخرة سيتحطم رأسي أو ضلوعي والهلاك قادم لا محالة، كنت أول المطعونين بالخبر القاتل، كان مثل الزلزال الذي هزني من سبات عميق، بل رجني رجاً كأنه ينفض عني الغبار ويرفع الحواجز ويخلصني من أوهامي. أما هي، فقد كانت شجاعة بما لم أتوقعه، فقد استطاعت للمرة الأولى أن تعترف بأنها تحب وحبيبها هو أنا وأنها قادرة على انتظاري حتى آخر العمر، وقالت «لا»، ورفضت الزواج من رجل لا تحبه، ورفضت التخلي عن رجل تريده، وفي الوقت نفسه لم تطلب مني خطوة مماثلة، فهي تعرف أنني عاجز عن ذلك تماماً، ولم تحملني مسؤولية هذا الضعف؛ لأنني في الحقيقة لا ذنب لي فيه، إنه الفقر الذي لا نختاره ودائماً يختارنا، ولا نستطيع التخلص منه لمجرد أننا نكرهه. كأنني الآن فقط تذكرت أنني فقير ابن فقير، ورثت الفقر «كابرا عن كابر» من الجدو والأب، لقد نسيت هذا في قصة حبي فقط، رغم أنني لم أنسه أبداً طوال حياتي، وأنا أقترب من الخامسة والعشرين من عمري. إنني واحد من مجموعة فقراء هم أفراد أسرتي، صحيح أبي لم يتخل عني، لكنه لم ينفق على دراستي مليماً واحداً منذ بلغت السادسة، وما كان ذلك تقصيراً منه ولا بخلاً، ولكن لضيق ذات اليد، فخرجت إلى العمل، لا توجد مهنة ولا حرفة إلا وكان لي منها نصيب، حتى في أيام الدراسة، بل في أيام الامتحانات لم يكن لي اختيار للتوقف عن هذه الأعمال، وإلا فشلت فشلاً ذريعاً، وكانت نهايتي، ولم أسمح لتلك الظروف بأن تهز شخصيتي أو تترك جرحاً في نفسي، ولا شرخاً في حياتي، وإنما اتخذتها مطية لتحقيق أمنياتي. الحقيقة المرة التي ليس أمامي إلا الاعتراف والإقرار بها أنني لست كفؤاً لهذه الفتاة، ولا لغيرها وأنا صفر اليدين، فلم أنبس ببنت شفة في هذا الموضوع، فقط كتمت أحزاني وتركت جرحي ينزف فدواؤه وعلاجه ليس بيدي ولا بيد أي طبيب، وكما كان حبي صامتاً، تركت عملي عند هذا الرجل أيضاً في صمت، بعد أن قدمت له اعتذاري عن عدم الاستمرار معه، وقد كانت هذه رسالة واضحة مني، فهم الرجل معناها بأنني لم أغرر بابنته ولم أخن الأمانة ولم أتجاوز أي حدود، وقد قدر لي هذا التصرف ومنحني مبلغاً من المال تحت مسمى مكافأة نهاية الخدمة، رغم أن ذلك ليس موجوداً في لوائح العمل والعقود، ومن جانبي أردت أن أغادر المكان والناس الذي يذكرونني بها دائماً، فيكفي أنها تسكن قلبي، وآراها بين دفاتر أوراقي وفي يقظتي وأحلامي. لم يكن ابتعادي عن المكان كافياً لأتخلص من هذه التجربة، فقد كانت الحب الأول الذي لا ينسى، ولم تكن الأعوام كافية ولا قادرة على أن تخلصني منه فظل بداخلي حتى بعد أن تزوجت وأنجبت، بل كان من توابعه أنني لم أستطع أن أحب أي فتاة أخرى، ولا حتى زوجتي، التي كانت علاقتي بها مجرد زوجة ليس إلا، ولكن حبيبتي هي التي كانت تعيش بداخلي وتسكن قلبي. واحد وعشرون عاماً مضت، كبر فيها أبنائي وأصبحوا شباباً، وغزا الشيب مفرقي، وقد تخطيت الخمسين، وتوهمت أنني شفيت من حبها، وأن الحياء والمشيب يمنعاني من مجرد التفكير في هذه الأمور، فلا يجوز ولا يناسب سني التطرق إلى العشق والغرام، فذلك للشباب فقط، توهمت أن آلام الحب الأول قد ولت إلى غير رجعة، وتغيرت المشاعر التي كانت بكراً، ومضى الحب الأول بعذابه وشجونه وآهاته وأنينه، وأنا مقتنع بأنه لا أحد في الدنيا استطاع أن يجعل حبه الأول هو حبه الأخير، وعزائي في ذلك أن كل الناس مثلي، لا أحد يتزوج بمن أحبها وكانت الأولى في حياته، ولا واحدة تزوجت حبيبها الأول، فكان حكمي على هذا الأمر برمته بعقلانية بعيداً عن الاندفاع وراء المشاعر وحدها. تخلصت من آهات هذا الحب وعذاباته، وإن ظلت بقاياه داخلي حيه، ولكنها لا تمثل مشكلة أو أزمة، إنما المشكلة هي ما استجد بعد هذه السنوات الطويلة من الفراق ومحاولة النسيان، وأنا أبتعد عن كل مكان يذكرني بها، وعن كل إنسان وعن أي شيء أو مناسبة حتى لا أكون سبباً في أي حرج لها، وكي لا أضع نفسي في موضع الاختبار، وربما لا أريد أن استعيد مواقف ضعفي وفقري وأهرب منها، فإن كنت كرهت الفقر من قبل فإنني أتهمه بأنه السبب وراء حرماني منها، من حبي الأول، وما استجد وظهر من جديد ليطل برأسه على حياتي لم يكن في الحسبان ولا يخطر على بال أحد، وهو إلى الخيال أقرب، وبالدراما أشبه. وأنا أقلب في «فيسبوك» على الكمبيوتر وجدت صورتها واسمها، إنها هي مازالت كما عرفتها، لم يتغير فيها شيء، رغم أنني كنت أقول بيني وبين نفسي من المؤكد أنها تغيرت وأصابها ما أصابني من شيب وتجاعيد، فشلت في مقاومة التواصل معها، لم أستطع أن أمنع نفسي من تصرف صبياني مصبوغ بالحيلة والمكر، انتحلت شخصية أخرى وتبادلت معها الآراء والأفكار، وعرضت عليها بعض المشكلات وما حدث بيننا بطريقة مختلفة، فأجابت ونصحت بالحكمة، وفهمت أنها اكتشفت شخصيتي فلديها من الذكاء ما يمكنها من ذلك، وكما كان حبنا في الماضي صامتاً، عاد أيضاً صامتاً، والآن أعتبره صدمة ثانية، فلا يجوز لنا أن نفعل ذلك حتى لو كان بلا كلام. كلما حاولت أن أبتعد، أفشل فشلاً ذريعاً، كأنني أريد أن أعوض ما حرمت منه، وأشعر بأنها تفعل الشيء، نفسه حتى أنني فكرت في الذهاب إلى طبيب نفسي ليعالجني من هذا الحب الذي تجدد في الكبر، ولكن أخشى أن يعرف أبنائي فأصغر في عيونهم وأنا مثلهم الأعلى.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©