الاتحاد

الملحق الثقافي

شهادة من الرعيل الأول

أخيرا بدأت أقلام الرعيل الأول الذي عاش معي زمن البدايات تتحرك على الورق، وكأنني بما سجلته دغدغت المشاعر والذكريات وهذا لعمري ما أريده، وما أسعى إليه، فلا أريد أن أكون مسؤولا وحدي عن تسجيل ذكريات وأحداث أجمل زمان وأروع مكان.
القلم الأول الذي تحرك، كان قلم الأخ مفيد مرعي والذي كان حاضرا في كثير من الصفحات التي حررتها خلال عام 2009 والذي كان محظوظا بحضوره إلى أبوظبي قبل افتتاح إذاعة أبوظبي بأيام قليلة وبذلك أتيح له أن يمارس دورا فعالا في هذه الإذاعة الوليدة معتمدا على الخبرة التي حصل عليها خلال دراسته الجامعية في القاهرة ومساهمته في البرامج الإذاعية التي كنت أقدمها في إذاعة صوت فلسطين.


عندما وصلت إلى أبوظبي في بداية يناير 1971 نزلت في الفيلا التي خصصتها دائرة الإعلام آنذاك للأخ مفيد مرعي لديها وكانت تلك الفيلا في الخالدية واحدة من مجموعة فلل تسمى فلل علي ضو، وعلى ما يبدو هذا الرجل هو الذي قام ببنائها واستثمارها، قبل أن تزال ويقام مكانها عمارات شاهقة وهي بالتحديد مقابل شيراتون الخالدية.
شهر كامل مضى قبل أن تخصص لي دائرة الإعلام أول سكن أقمت فيه مع عائلتي في أبوظبي في شارع كان يطلق عليه في ذلك الوقت شارع الكترا، شارع زايد حاليا.
وكان مفيد مرعي من قدمني للمرة الأولى إلى الدكتور مانع العتيبة نائب رئيس دائرة البترول في ذلك الوقت.
جمعتني مع مفيد دار الإذاعة كما ساهمنا معا في تقديم البرامج التلفزيونية، قدم هو برنامج “صحتك” وحقق فيه نجاحا كبيرا وقدمت أنا برنامج “الذهب الأسود”، ولكن ميكروفون الإذاعة كان هو الصديق المشترك لنا خلال مسيرة استمرت أكثر من خمس سنوات.
وما كتبه الأخ مفيد عني، مفيدٌ فعلا في استكمال الصورة التي حاولت بكل صدق وعفوية رسمها لزمن البدايات في الإمارات التي عشقناها معا ورأيناها تنمو لتصبح دولة عظيمة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
وكل ما أرجوه أن تتحرك الأقلام الأخرى التي عاش أصحابها معنا ذلك الزمن الجميل وأن تكون هذه الصفحة لنا جميعا فنصب فيها عطور ذكرياتنا ونجعلها تاريخا من نوع آخر، وسجلا للمشاعر التي حملناها تجاه هذا البلد الحبيب وقيادته الحكيمة المخلصة وشعبه الطيب الكريم.
وأترك بقية الصفحة للأخ مفيد مرعي الصديق الذي كانت يدي بيده دائما في زمن البدايات:
? ? ?
في هذه الصفحة يكتب خليل عيلبوني ذكرياته وتجربته في أيامه الأولى في أبوظبي منذ عام 1971 ميلادية، وفي معظم المقالات يذكرني... الصديق والرفيق.
لقد وصل خليل إلى أبوظبي وبالذات في إذاعة أبوظبي قبل أن تطأ قدماه أرض المطار القديم، الذي أصبح مقراً للإذاعة وضمني مع خليل في مكتبين متجاورين. فقد وصلت أبوظبي قبله وتركته حائراً أين يستقر بين القاهرة ودمشق، وكان يكتب لي حلقات برنامج اجتماعي صباحي خفيف عبارة عن مواقف حياتية بين زوجين (غادة وأحمد) لا أنسى المكالمات الهاتفية التي كانت تنهمر علي من الرجال طبعاً عندما أتراجع كزوج أمام الزوجة. إذ أن خليل كان بأسلوبه الإذاعي الحواري المميز يستفيد من تجربته الزوجية ولم أكن أنا متزوجاً حينها إلا في هذا البرنامج، كان يكتب بسياسة يوم لك ويوم لي (والدنيا أخذ وعطاء).
وأطل في الإذاعة ومع المشوار الطويل مع صديق العمر خليل، وللعلم فإن خليل هو أستاذي وهو من قدمني إلى الميكرفون في القاهرة أثناء دراستي الجامعية وبسببه تغيرت وجهة سيري وحياتي بأن أكون ضمن أول مجموعة إعلامية (قليلة) للإعداد لانطلاق إذاعة أبوظبي في 25/2/1969، كانت تضم الأساتذة المخضرمين المرحومين: محمد الغصين، غانم الدجاني، عبد المجيد أبو لبن، صبحي أبو لغد، مصطفى أبو غربية والصديقين حيدر محمود ومحمد صوان أطال الله في عمرهما.
مع وصول خليل إلى أبوظبي عشنا سوياً بكل معنى الكلمة. كل واحد منا كان يقدم خمسة برامج أسبوعية وإذا سافر أحدنا إجازة أو في مهمة كان يُغطي الآخر أي إذا لم أتمكن من تسجيل حلقات أحد برامجي لمدة غيابي كان خليل يقدم عني البرنامج وهكذا لا تنقطع برامجنا بسبب الغياب.
هذا في الجانب المهني (وليس فقط في البرامج) فخليل بموهبته المبكرة ككاتب ومخرج وشاعر أحدث وأسس للدراما الإذاعية في أبوظبي ودرّب و”صنع” نجوماً إماراتيين كثر وكان يشاركنا المسلسلات الدرامية نجوم عرب يزورون أبوظبي كالصديق الفنان عبد المجيد مجذوب.
خليل وجد نفسه في أبوظبي التي كانت تربةً صالحةً لمواهبه التي تتفجر كل يوم ويزداد حبه (وحبي) وتعلقه بأبوظبي ومن ثم بالإمارات العربية المتحدة وبمؤسسها وقائدها المغفور له الشيخ زايد. خليل الخارج من نكسة حزيران عام 1967 وكنت قد تعرفت إليه قبل ذلك وذهب خليل إلى الجبهة موفداً من إذاعة فلسطين في القاهرة لينقل “انتصارات” الجبهة وإذا به يعود إلى القاهرة بعد أن واجه الموت عدة مرات ليواجه من مدير الإذاعة بسؤاله عن مسجل الـ her الذي كان يحمله خليل لإجراء المقابلات والذي دفنه في التراب كي لا تُعرف هويته من العدو ووزنه يزيد عن عشرة كيلوغرامات (وبقينا نحمل هذا النوع الثقيل من المسجلات سنواتٍ عديدة في إذاعة أبوظبي).
من النكسة والهزيمة إلى الأمل بالوحدة والازدهار والعروبة المتمثلة في شخص القائد الشيخ زايد يزداد عطاء خليل دراما، برامج وشعر مشوارنا الإذاعي والإعلامي في أبوظبي طويل ومليء بالأحداث التي يسجلها خليل في “البدايات” وأتمنى أن يسمح لي الوقت أن أسجل تجربتي أنا في أحد الأيام.. ربما في كتاب وفاء لأبوظبي.
ولكن تحضرني مواقف سريعة أحكيها لكم هنا.
خليل كان “يحفظ” بذاكرته كل أرقام الهواتف لكل الأهل والأصدقاء والمسؤولين في أبوظبي ويرفض تسجيلها في دفتر التليفونات كما نفعل كلنا. وفي المقابل كان ينسى أحداثاً وأموراً تحصل معه.
حصلت مشادة كلامية بينه وبين أحد الزملاء في الإذاعة. وفي اليوم التالي (لأن خليل نسي ما حصل) استقبل ذلك الصديق بابتسامته المعتادة وبتحية حارة!
نصح أحد الأطباء في أبوظبي خليل بأن يجري فحوصات لقلبه، فجاء إلى لندن وأخذ موعداً من الجراح العربي الشهير الدكتور مجدي يعقوب. وكنت ـ كالعادة ـ قد سبقته إلى لندن التي جئتها لفترة قصيرة أجرب فيها حظي وأقرر متى أعود إلى أبوظبي وتمتد هذه الفترة (القصيرة) حتى الآن إلى 30 سنة! المهم أني وصلت إلى خليل في الفندق وكان موعده في المساء مع الدكتور مجدي يعقوب وإذا بخليل يُخرج أوراقاً ويقول لي اسمع... كانت قصيدة عبارة عن “وصية”.. خليل يقرأ بإحساسه وعناده كشاعر وأنا تنهمر الدموع من عيني لدرجة أني رجوته أن يتوقف عن القراءة، وبفضل الله مرت الأزمة القلبية... ومرت السنون والأيام وإذا بخليل يتصل بي من مراكش ليخبرني أنه أجرى عملية المرارة، وزرته بعدها في المغرب (في شهر أكتوبر الماضي) وإذا بمكتبه قصيدة طويلة في إطار ضخم عنوانها: وداعاً للمرارة، رفضت أن أقترب منها كي لا يقرأها لي خليل. كل الذي تمنيته أن تكون القصيدة فعلاً وداعاً لمرارتِه الصغيرة ومرارته الكبيرة منذ نكسة عام 1967.
وندخل في 2010 العام الـ45 لصداقة فريدة ومميزة، ورحلة عمر أعتبرها رائعة عنوانها أبوظبي وحبنا للإمارات

اقرأ أيضا