الاتحاد

الملحق الثقافي

لوركا يدير معركة من قبره!

شغل الشّاعر الأندلسي الكبير والمسرحي ذائع الصّيت فريدريكو غارسيا لوركا النّاس حيّاً وميّتاً، وأثار اهتمام النقّاد والمؤرّخين والإعلاميين بإبداعه، وسيرته، ومواقفه، واليوم، وهو في القبر، فإنّ رفاته هي موضوع السّاعة على السّاحة الأدبيّة في إسبانيا.




في يوم 18 أغسطس 1936 تمّ اغتيال الشّاعر والكاتب فريدريكو غارسيا لوركا في بداية الحرب الأهليّة الطّاحنة الّتي مزّقت إسبانيا بين مناصرين للجنرال فرانكو ومناهضين له، وكشف كتاب صدر هذه الأيام أن الحرب الأهلية التي امتدت في الفترة بين 1936 و1939 قد أسفرت على عدد من الضحايا يتراوح عددهم حسب المصادر المختلفة بين 500 ألف و800 ألف.
جاء الشّاعر لمدينة غرناطة لينال أيّاماً من الرّاحة والاستجمام في البيت الّذي ولد به، ولكنّ الفاشيين اعتقلوه واتهموه بأنّه يدير إذاعة سريّة على صلة بالرّوس، وهي تهمة مضحكة، فتّم إعدامه رمياً بالرّصاص وألقيت جثّته في خندق مع مجموعة أخرى من الشّباب.
لم يكمل لوركا عند اغتياله عامه التّاسع والثّلاثين، ويقول المؤرّخون إنّه عاش آخر أيّامه على بعد أمتار من العين الّتي أطلق عليها الأندلسيون “عين الدّموع” والتي لا تزال إلى اليوم تحمل الاسم العربي بأحرف لاتينية!
هناك من ذهب إلى القول إنّ الشّاعر الفذ تمّ إعدامه عقاباً له على شذوذه الجنسيّ، ولكن الطّرح الأقرب إلى الحقيقة أنّ اغتياله كان انتقاماً منه لمواقفه السّياسيّة، وانّه كان أحد ضحايا الحكم الفاشي الإسباني.
سعى المؤرّخون إلى تحديد مكان دفن الشّاعر الّذي أصبح رمزاً للقمع الّذي لحق بالآلاف من الإسبان أثناء فترة الحرب الأهليّة، ولكن المشكلة أنّه بعدّ موت الجنرال فرانكو تمّ إتلاف وإحراق كلّ الوثائق التّاريخيّة المرتبطة بالمختفين والمتّصلة بالاغتيالات السّياسيّة ممّا جعل البحث عن المواقع الدّقيقة للمقابر الجماعيّة أمراً عسيراً، ولأنّ أنصار الجنرال فرانكو انتصروا في هذه الحرب فقد رفعوا ضحاياهم إلى مرتبة الأبطال وحكموا على ضحايا الجانب الخاسر بالنسيان.
الشاعر الرمز
ألف ايميليو سيلفا كتاباً عن الحرب الأهلية الإسبانية وأسّس جمعية سماها “جمعية استعادة الذاكرة التاريخية”، ونجح بعد لأي في العثور على رفات جده الذي أعدم هو الآخر في الحرب الأهلية، وهو اليوم يقود حملة واسعة لإعادة فتح هذه الصّفحة السّوداء من تاريخ إسبانيا، والّتي يريد الكثيرون طيّها بلا رجعة، ومنذ عام 2000 نجحت جمعيات مماثلة وعددها 200 جمعية في فتح 171 مقبرة جماعية وأعادوا دفن 4054 جثة، علماً بأن آلاف الإسبان الّذين تمّ اغتيالهم ودفنهم في مقابر جماعيّة لا تعلم أسرهم إلى اليوم اين دفنوا، وإسبانيا هي البلد الثّاني اليوم ـ بعد كمبوديا ـ من حيث عدد الأشخاص المختفين وتأتي قبل الأرجنتين والشّيلي.
عام 1977 وبعد عامين من وفاة الجنرال فرانكو صوّت البرلمان الإسباني على قانون يطوي صفحة الماضي الأليم وينصّ على عدم معاقبة ومحاسبة من كان سبباً في المآسي التي حصلت، ويدخل إسبانيا إلى مرحلة جديدة تتّسم بالدّيمقراطيّة، ولكن الماضي أطلّ من جديد هذه الأيام من خلال أفلام سينمائية ومن خلال قضيّة رفات الشّاعر لوركا اعتباراً لشهرته الواسعة وإشعاعه الفكري والاهتمام الكبير بمصير رفاته، فقد أصبح رمزاً، بل هناك من يطالب اليوم بإدانة من تولّى اغتيال الشّاعر ـ حيّاً كان أم ميّتاً ـ خاصّة بعد صدور قانون جديد يعترف بحقّ أسر ضحايا الحرب الأهليّة في تعويضات وحقّهم في الاعتراف المعنوي بالجرائم الّتي ارتكبها نظام فرانكو إزاء ذويهم.
دعوه ينام
ولأنّ الشاعر الكبير لوركا الذي أعدمته الفاشية الإسبانية تم تحديد مكان دفنه في مقبرة جماعية في قرية “فيزناز” قرب طليلة فإن أهالي معدمين آخرين مدفونين في المكان نفسه تقدموا بطلب لفتح المقبرة الجماعية، لنقل جثث موتاهم إلى مكان آخر، ولكن الغريب أنّ بعض أفراد أسرة الشّاعر اعترضوا بشدّة على استغلال اسم لوركا واستعماله بحثاً عن “انتقام تاريخيّ”، وهم يدعون إلى عدم البحث عن رفات الشّاعر وتركه ينام في راحة في رمسه! في حين ارتفع صوت ماركوس آنا Marcos Ana، وهو كاتب إسباني عاش فترة الفاشيّة وتمّ سجنه 22 عاماً بأكملها، وهو اليوم في التّسعين من عمره داعياً إلى تكريم ضحايا عهد فرانكو وردّ الاعتبار لهم ودفنهم في مقابر فرديّة، وهذه الدّعوة يناصرها الكثيرون.
ومن بين المنادين بالبحث عن رفات الشّاعر المغدور وتحديد هويته ميتاً هو جوزيه أنطونيو لورانت مدير مخبر تحديد الجينات بغرناطة، وهو الذي نجح بتكليف من FBI في تحديد رفات كريستوف كولومبوس مكتشف أميركا!
ومن بين أشهر الكتّاب المنادين بالبحث عن رفات غارسيا لوركا الكتاب الإسباني إيان جيبسن ـ وهو من أصل إيرلندي ـ ومتخصّص في أدب لوركا، وهو يتلقّى باستمرار رسائل تهديد تدعوه إلى مغادرة إسبانيا والعودة إلى بلده وتتوعده بالقتل وتطلق عليه أبشع النّعوت، ولا شكّ في أنّ هذه الرّسائل مصدرها أشخاص بقوا مخلصين لفرانكو ويحنّون إلى عهده ويدافعون عنه تماماً كما يدافع بعض الألمان على أدولف هتلر! وهكذا ومثلما مزقت الحرب الأهلية إسبانيا وقسمتها إلى شقين: الجمهوريون من جهة، وأنصار الجنرال فرانكو من جهة أخرى، فإن إسبانيا اليوم منقسمة إلى قسمين: قسم ينادي بفتح ملف هذه الحرب وقسم يرى من الأنسب عدم النبش في جراح الماضي... وفي قلب هذا النقاش الشاعر والأديب فريدريكو غارسيا لوركا.
البكاء
أغلقت شرفتي،
لأني لا أريد أن أسمع البكاء
إلا أن وراء الجدران الرمادية،
لا يسمع شيء غير البكاء.

هناك ملائكة قليلة تغني،
هناك كلاب قليلة تنبح،
يسقط ألف كمان في راحة يدي.

لكن البكاء كلب ضخم،
البكاء كمان ضخم،
الدموع تكم فم الريح،
ولا يسمع شيء غير البكاء.
اليد المستحيلة
أنا لا أتمنى غير يد،
يد جريحة، لو أمكن ذلك.
أنا لا أريد غير يد،
حتى لو قضيت ألف ليلة بلا مضجع.
ستكون زنبقاً شاحباً من كلس،
ستكون حمامة مربوطة بقلبي،
ستكون حارساً في ليل احتضاري،
يمنع بتاتاً القمر من الدخول.

أنا لا أتمنى شيئاً غير هذه اليد
للزيوت اليومية، وشرشف احتضاري الأبيض.
أنا لا أريد غير هذه اليد،
لتسند جناحاً من موتي.

كل ما تبقى يمر
تورد بلا اسم، كوكب أبدي دائم.
كل البقية شيء آخر مختلف: رياح حزينة.
بينما تفر الأوراق أسراباً.
الوردة
لم تكن الوردة
تبحث عن الفجر:
خالدة على غصنها تقريباً
كانت تبحث عن شيء آخر

لم تكن الوردة
تبحث عن علم ولا عن ظل:
تخوم من لحم وحلم،
كانت تبحث عن شيء آخر

لم تكن الوردة
تبحث عن الوردة.
جامدة عبر السماء،
كانت تبحث عن شيء آخر

اقرأ أيضا