الاتحاد

الملحق الثقافي

الغضب تغفل معه القلوبُ وتغيب العقولُ.. وكنتُ ساعة كتبتُ غاضباً

أقدم الروائي المصري الدكتور يوسف زيدان، الفائز بجائزة (البوكر العربية) عن روايته “عزازيل”، على إجراء نقد ذاتي، قلما مارسه أو يمارسه الأفراد العرب، ممن يتمتعون بميزات الشهرة في مجالاتهم. ففي خضم أزمة الكرة (أو الكره) بين المصريين والجزائريين، كتب الروائي المصري مقالا بعنوان “ذكريات جزائرية” ضمنه ما ألحّت به عليه لحظة الغضب. وأمام ما أثاره ذلك المقال من انتقادات، كتب زيدان مقالا ثانيا بعنوان “رسالةُ حُبٍّ واعتذار للروائي الجزائري واسيني الأعرج” نضح بما تحتويه ضلوع المثقف المبدع من رهافة ونقاء.
هنا يعيد “الاتحاد الثقافي” نشر أهم ما جاء في مقال زيدان الاعتذاري:
عندي اعتذارٌ حارٌّ، واجب التقديم، للمبدع الجزائري الكبير.. الصديق: واسيني الأعرج. فقد سببتُ له الألم، ولكثيرين غيره، بمقالتي المنشورة تحت عنوان: ذكريات جزائرية.
العجيبُ أيها الصديق، واسيني، أن هذه المقالة (الاستثناء) تختلف عن كل ما كتبته من قبل، وكُلِّ ما سأكتبه من بعد.. فمنذ بدأتُ (الكتابة) قبل سنوات بعيدة، اخترت لقلمي مسلكاً لا يرتضي لنفسه الاصطخاب المناسباتي، ولا يخوض أبداً مع الخائضين. ومع أنني كتبتُ كثيراً، ونشرتُ، حتى كادت صفحاتي المنشورة كتباً وبحوثاً ومقالاتٍ، تبلغ الثلاثين ألف صفحة أو أقل قليلاً، إلا أنك لن تجد لي صفحةً واحدةً سال عليها المداد استجابةً لصخبٍ يجري، أو خوضاً في واقعةٍ تقعقع عندها الكلمات وتشتبك بسببها الأسنةُ والألسنةُ. فقد اعتقدتُ دوماً، ومازلت أعتقد، أن (الكتابة) أمرٌ يرتبط بالمطلق، ويحلِّق بالرؤى وبالكلمات فوق حدود اللحظة الراهنة، فيزيدنا بها استبصاراً. غير أن حالي، أيها الصديق، تبدَّل هذه المرة المريرة، حين غلبني حالُ الغضب ودهمني حكمُ الوقت.
فقد هالني ما جرى بسبب مباراة كرة القدم، على قلة اهتمامي بهذه الكرة، وآلمني ما انتهى إليه المآل من خلطٍ وتخليطٍ وإهاناتٍ متبادلة، فثارت غَيرْتي على مصر، وعزَّ عليّ أن تصير هدفاً لألسنة الصغار.
والعجيبُ أيها الصديق، واسيني، أن مقالتي ابتدأتْ بنعي المعالجة العامة لهذه الأمور ذات الطابع الديماجوجي (الغوغائي) فأردتُ التذكير بأن التهاون في محاسبة اللاعب الجزائري القديم (الأخضر بللومى) أدَّى إلى التهوين من صورة مصر في الأذهان.. كما أردتُ التنبيه إلى أن تصدُّر الجهلةِ لوسائل الإعلام، تصدُرُ عنه ويلات تلحق بالجميع.
وقد ذكرتُ ذلك صراحةً في ابتداء مقالتي، وأشرت إليه بوضوحٍ شديد، غير أنني أتبعته بسرد وقائع شخصية انبجست عيونُ ذكراها في باطني، ففاضت بماءٍ فوارٍ حارقٍ كان الأليق به أن يترك سُدى، حتى يتفرَّق في صحرائي بَدَدا.. غير أنني سكبتُ ما اندفق فوق السطور.
ولكن كثيرين فرحوا بما لا يجب الفرح به! فأسقطوا ما ابتدأتُ به المقال، وغيَّبوا خطابه العام والفقرات الدالة عليه. وأبرزوا فقط ما انفلتَ بآخر مقالتي من ذكرياتٍ تُزري بالجزائر. وأعادوا نشر ما فرحوا به، منفصلاً، انتهازاً لفرصةٍ سنحتْ على غفلةٍ مني.. والغضب كما تعلم أيها الصديق، تغفل معه القلوبُ وتغيب العقولُ. وكنتُ ساعة كتبتُ، غاضباً.
غير أن “الفرحين” الذين كانوا يشتهون هذه الكبوة، راحوا يؤجِّجون نيران النفوس، بتكرار نشر الفقرات المجتزأة من (ذكريات جزائرية) ويهوِّلون من أمرها، ابتغاءَ غايةٍ “في نفس يعقوب”.. وبالغوا في إعادة النشر! فصارت هذه الفقرات المجتزأة، المزرية، تملأ صفحات الإنترنت، والجرائد التي تنقل عن الإنترنت، والنفوس التي تشتهي النوائب.
وحسبما كان متوقعاً، فقد أهاجت فقراتي المجتزأة بواطن الكثيرين، من المخلصين والناصحين والعابثين والمغرضين.. وقد لامني المخلصون فتقبَّلت لومهم، وأهدى الناصحون في رسائلهم لي نصائح بالابتعاد عن مثل تلك الأمور التي لا يظهر منها على السطح العام، إلا ما يُراد سياسياً إظهاره! فلما تدبَّرت الكلام، وافقت الناصحين فيما نصحوا به.
وبقي من بعد ذلك عبث العابثين، وتعريض المغرضين، فهاج غضبُ الجزائريين وتوالت رسائلهم الشنيعة (...).

اقرأ أيضا