الاتحاد

الملحق الثقافي

دستويفسكي.. والجحيم السيبيري

هم على حقّ أولئك الذين يقولون إن أعمال الكاتب الروسي العظيم فيدور دستويفسكي ضروريّة لكلّ زمان ومكان لأنها تضيء الجوانب المعتمة في الحياة البشريّة، وتساعدنا على مواجهة الكوابيس الوجودية المرعبة. وكان دستويفسكي قد قرأ في سنوات شبابه أعمال العظماء من أمثال غوته، وشيللر، وشكسبير، وهوميروس، وكورناي، وراسين، وموليير، ودانتي وغيرهم. وبعد أن أمضى سنوات في الحياة العسكرية كمساعد لملازم أولّ، استقال من عمله، وذلك عام 1846م، مقرّرا العيش من قلمه. وفي هذه الفترة كتب «المساكين»، وبعض القصص الأخرى المستوحاة من الحياة في سانت بطرسبورغ، تلك المدينة «الأكثر تربّصا بالإنسان» كما كان يقول.

حسونة المصباحي

إلى جانب ذلك، أظهر تعاطفا مع الحركات الثوريّة، الراديكاليّة منها بالخصوص، والتي كانت تنشط في روسيا في ذلك الوقت مطالبة بحرية الصحافة والرأي، وتحرير الفلاحين الروس من الرقّ، وإحداث إصلاحات جذريّة في مجال القضاء.
وفي عام 1849، قرأ دستويفسكي الرسالة الشهيرة التي كتبها الناقد التقدمي بيلينسكي منتقداً فيها غوغول، متّهما إيّاه بـ «مناصرة النظام القيصري المطلق». وبسبب نشاطاته الثوريّة، اعتقل فيدور دستويفسكي، واقتيد إلى السجن ليوضع في زنزانة منفردة فيها مكث 8 أشهر.
وللإجابة على أسئلة المحقّقين، كتب رسالة اعترف فيها بأنه قرأ رسالة بيلنسكي التي كان النظام القيصري قد وصفها
بـ «الإجراميّة». كما اعترف أيضا بأنه قرأ أعمال الاشتراكي الطوباوي فورييه، وأعجب بأفكاره لأنه لم يجد فيها «رائحة لكراهيّة». غير أن رسالة الاعتراف تلك لم تجد نفعا إذ أصدرت المحكمة العسكريّة حكما بالإعدام على صاحبها!...
غير أن القدر كان بالمرصاد لذلك الحكم الذي كان سيحرم الإنسانيّة من كاتب عظيم. ففي اللحظات الأخيرة التي كان فيها دستويفسكي يترقّب تنفيذ الحكم المذكور معصوب العينين، أمام جنود كانوا يستعدّون لإطلاق الرصاص، قدم أحد الضباط راكضا ليعلن أن القيصر أبطل حكم الإعدام مستبدلاً إيّاه بحكم بثمانية أعوام في سجون سيبيريا المرعبة.
ومبتهجا بذلك، كتب دستويفسكي إلى أخيه رسالة يقول فيها: «ها نحن نرى الشمس أخيرا». وهي جملة لفيكتور هوغو في نصّ له حمل عنوان: «اليوم الأخير لمحكوم». وعندما جاء أخوه لتوديعه قبل أن يقاد إلى سيبيريا، قال له: «أنت لا تعرفني.. فأنا لا انزل إلى القبر. وفي المعسكر ليس هناك وحوش ضارية، وإنما أناس قد يكونون اكثر شرفا واعتزازا بإنسانيتهم. وقد يكون هناك ما يمكن أن يكون مادة للكتابة».
ذكريات من بيت الموتى
كان عام 1849 يمضي إلى نهايته مثقلا بالثلوج لمّا انطلقت قافلة المحكومين إلى سيبيريا. وكان دستويفسكي مقيّد الرجلين بالسلاسل، وقد استمرّت الرحلة المضنية إلى هناك قرابة الشهر. وفي المعتقل الرهيب، عاش تجربة مريرة سوف تظلّ تفاصيلها عالقة بذاكرته حتى النهاية. وسوف تكون تلك التجربة حاضرة في روايته «ذكريات بيت الموتى» بجميع جراحاتها وعذاباتها، وأوجاعها. وفي رسالة بعث بها إلى أخيه بتاريخ 30 يناير 1854، تحدث عن الحياة الصعبة في المعسكر حيث يفرض الاختلاط بين المحكومين بقطع النظر عن مراتبهم الثقافية والاجتماعية. وهو يسمي هذا الاختلاط بـ «الشيوعية الإجباريّة». كما يتحدث عن الكراهيّة التي يكنّها المحكومون الفقراء للمحكومين النبلاء. مع ذلك هو لا يتردّد في الإشارة إلى أن هناك محكومين يتحلّون بأخلاق عالية. وهم «أقوياء»، و«رابطو الجأش». فلكأن هناك «ذهبا تحت اللحى» وبفضل العفو الذي أصدره بشأنه القيصر ألكسندر الثاني الملقب
بـ «المحرّر» من قبل الروس لم يمض دستويفسكي في المعتقل السيبيري غير خمسة أعوام. وبعد إطلاق سراحه كتب: «ذكريات بيت الموتى»، تلك الرواية التي ستكون أول شهادة عن جحيم المعسكر في سيبيريا، مستبقا بذلك كتابات آخرين سيكتبون عن الوضوع ذاته في الفترة الشيوعيّة مثل شالاموف وسولجنستين.
وفي الرواية المذكورة وصف دقيق لحياة المحكومين اليوميّة، وللعذابات التي يتعرّضون لها في كلّ لحظة. وأفظع العقوبات التي تسلّط عليهم تلك التي تحرمهم من أدنى درجات الحرية. ورغم أن الأحداث والوقائع التي يتطرق إليها دستويفسكي تمتدّ إلى أشهر وإلى سنوات طويلة فإننا نعيشها في الرواية كما لو أنها تحدث في يوم واحد. يوم طويل، بارد، قاتم، مفعم بالعذاب، والألم، والدموع، والقسوة. ونحن نحسّ أن الزمن يدور في الفراغ، وفي فضاء مغلق تماما. وأما المحكومون فيدورون في حلقة مفرغة مثل المساجين في لوحة فان كوخ الشهيرة. ولعلّ دستويفسكي يرغب في أن يشعرنا بأن أولئك المحكومين الذين يتقاسم معهم العذاب اليومي هم صورة للإنسانيّة المعذّبة.
ويكتب دستويفسكي قائلا: «الخبز لا يعني شيئا. هم (أي المحكومون) يأكلون الخبز لكي يعيشوا، غير أنهم لا يمتلكون الحياة. ما هو جوهري، وأساسي، وحقيقي، ومهم، هذا ما هو ناقص. والمحكوم يعلم جيّدا أنه لن يحصل عليه أبدا. حاولوا الشيء التالي: ابنوا قصرا. املأوه بالمرمر، وبالذهب، وبعصافير الجنة، وبالحدائق المعلّقة، وبكلّ ما يمكن من الأشياء، ثم ادخلوه. وربما لن تشعروا أبدا بالرغبة في الخروج منه. وربما لن تخرجوا منه البتّة. فكلّ شيء فيه!... ثم فجأة يحاط قصركم بأسوار عالية، ويقال لكم: كلّ هذا لكم! تمتّعوا به بحسب شهواتكم وأهوائكم. لكن ممنوع أن تخطو خطوة واحدة خارجه! وكونوا عندئذ على يقين أنكم سوف تريدون ترك تلك الجنة والقفز من الجدار. بل اكثر من ذلك، كل ذلك الترف، وكلّ تلك النعمة، وكلّ تلك السعادة، وكلّ هذا لن تكون له سوى نتيجة واحدة وهي مضاعفة آلامكم، وأوجاعكم... نعم.. ذلك أن هناك شيئا واحدا ليس متوفرا، ألا وهو الهواء النقيّ، هواء الحرية... الحرية الغالية العزيزة!».
ومعلقا على هذه الفقرة كتب احد النقاد يقول: «إن صورة القصر الذي من ذهب ومن مرمر تجسّد بطريقة مفارقة الفكرة المهمة للغاية لدى الروائي الروسي دستويفسكي، المتمثّلة في أن الرفاهيّة (التقدّم المادي والسياسي) ليس غير وهم وألم إذا ما كان يتوجّب علينا أن نضحي بحريتنا من أجل الحصول عليه. إن هذا السجن الذهبي هو الشكل الجنيني ليوتوبيات أكثر اتساعا، والتي سوف يعرّيها دستويفسكي، ويفضحها. وكما سبق وذكرنا فإن دستويفسكي بدأ حياته اشتراكياً مثالياً غير انه سوف يكتشف شيئا فشيئا أنه كان واهما، وأن التقدم المادي الذي تبشر به الاشتراكية هو في الحقيقة «كذبة كبيرة»، الهدف الأساسي منه هو خداع الناس، وتضليلهم».
الحرية قبل الخبز
وعقب رحلة إلى أوروبا قام بها في عام 1863، نشر دستويفسكي في إحدى الصحف مقالا حمل عنوان: «ملاحظات الشتاء على مشاعر الصيف»، وفيه كتب يقول: «نحن نؤمّن كلّ شيء للإنسان، ونعده بتوفير الطعام، والشراب، والعمل، ومقابل ذلك نحن نطلب منه أن يكون كلّ جزء من حريته الشخصيّة في خدمة المصلحة العامة. لا. لا يريد الإنسان أن يعيش بهذا الشرط (...) وبغباء وحماقة هو يشعر دائما بأن هذا هو السجن، وأن يعيش بحسب إرادته وشهواته أفضل بكثير ذلك أنه يظلّ حرّا بشكل كامل». وفي «دفاتر من تحت الأرض»، يعيد دستويفسكي الهجوم على أوهام الرفاهيّة والتقدّم المادي. وهنا يتحوّل القصر الذهبي إلى «قنّ للدجاج»، وإلى «بيت للنمل»، وإلى «عالم ميكانيكي». ولن يتوقّف دستويفسكي بعد ذلك عن انتقاد اليوتوبيات بجميع أنواعها، وأشكالها. وهذا ما نجده في «الجريمة والعقاب» وفي «الممسوسون»، وفي «الإخوة كارامازوف».
وعن ذلك كتب أحد النقاد يقول: «إن أبطال جميع روايات دستويفسكي، راسيلنكوف في «الجريمة والعقاب» الذي يقتل عجوزا وخادمتها بشكل فظيع، وشيغاليوف في «الممسوسون» الذي يلعب دور المنظّر البارد، والمنعدم الأخلاق، والمحقّق الكبير في «الإخوة كارامازوف» الذي ينافس الله في حبّه للإنسانيّة، يضحّون بحريّة الإنسان من أجل سعادة مستقبليّة. وجميعهم يحقّرون من شأن هذه الحرية لكي يستعبدوا الإنسان بشكل أرقى وأفضل. وهم يبنون المحتشدات والسجون والمعسكرات، ويقدمون الخبز، والألعاب لكي يحققوا العبودية الشمولية».
وحتى نهاية حياته، كان دستويفسكي يهتمّ بالحياة اليومية، ويقرأ الصحف والمجلاّت للتعرّف على أوضاع بلاده، وعلى أحوال الناس، الفقراء والأغنياء على حدّ سواء، قائلاً بأنه بحاجة إلى كلّ هذا. ولعله استوحى موضوع روايته «الجريمة والعقاب» من الجرائم العادية التي كانت تتحدث عنها الصحف. ولعله استشعر أن الشيوعيين الروس الذين انتشروا في بلاده، وفي جميع أنحاء أوروبا واعدين الناس بالحرية، وبالعدالة، والمساواة، والرفاهيّة المادية، خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، سوف لن يلبثوا أن يتحولوا إلى قتلة، وطغاة. وربما لهذا السبب لم يتردّد زعماء الثورة البلشفية بعد انتصارهم في توجيه انتقادات لاذعة لدستويفسكي، معتبرين أعماله «سلبيّة».
وفي العشرينيات أعلن لينين أنه «يكره» صاحب «الإخوة كارامازوف»، غير أن ذلك «لا يقللّ من عظمته» بحسب تعبيره. وعندما صعد ستالين إلى كرسيّ السلطة، لم تعد أعمال دستويفسكي تحظى بالتقدير اللائق بها بسبب عدم توافقها مع متطلبات «الواقعيّة الاشتراكية» الممجّدة للبطل «الإيجابي»، والمبشرة بـ «السعادة للإنسانية قاطبة». مع ذلك ظلّ العديد من الكتاب والشعراء متعلقين بدستويفسكي، وبأعماله تعلّق الضّائع في العتمة اللامتناهية بقبس من نور. وكانوا يجدون في مجمل أعماله المفاتيح اللازمة لفهم المصير المفجع الذي آلت إليه الثورة البلشفية.
ولقد كتب دستويفسكي ذات مرة يقول: «الواقع ليس محدودا بما نألفه ذلك أنه يحتوي على قسم هائل من شيء ما في شكل كلمة مستقبل التي لم يجر وقتها بعد».
وهذا يعني أنه كان مدركا أن الفن يمكن أن يكون وسيلة للتنبؤ بالمستقبل، والتعرف على أطواره. لذلك كانت غايته كما يقول كارياكين أن يجيب بواسطة الفن عن السؤال البسيط، والصعب في نفس الوقت: «ماذا يمكن لإنسان أن يفعل، أيّ انسان في أيّ مكان من العالم إذا مما كانت لديه الحرية الكاملة في العمل؟».
وكان ستيفان زفايغ على حق أيضا عندما كتب يقول: «إن قدرة دستويفسكي على الملاحظة الفنية ليست سوى قدرة غيبيّة. وبينما يكون الفن علما عند بعض الناس، فإنه عنده سحر أسود. انه لا يشتغل بالكيمياء التجريبية بل بسيمياء الواقع، وليس بعلم الفلك، أو بالتنجيم الخاص بروح الإنسان. إنه لا يجمع بل يملك كلّ شيء. إنه لا يحسب لكن مقاييسه لا تخطئ»

اقرأ أيضا