الاتحاد

الملحق الثقافي

في الحاجة إلى كانط

ليس مأمولاً أن يأتي زمنٌ تهيمنُ فيه عقيدة واحدة ودين واحد على كافة بقاع الأرض، لا يمكن أن يحدث هذا ولو بعد ألف عام من الدّعوة والتبشير، ومن الدعاية والتكبير، لن يتحمّل النّاس طويلاً ارتداء العمامة أو القلنسوة نفسهما، أو ارتداء اللّون الواحد، لن تتحمّل البشريّة أمداً طويلاً أن تعيش وفق المنهاج والنّمط نفسه. بل، حتّى لو حدث مثل هذا في إحدى عوالم المُحال، وهيمن دينٌ واحد ومذهبٌ واحد ومنهاجٌ واحدٌ، فالنّتيجة أنّ الإنسان سيفكر لا محالة في الانشقاق عن ذلك الدين، وسيؤسس لأديان ومذاهب أخرى مغايرة، أو أنّه على الأرجح قد يغادر بالمرّة التّجربة الدينية ليجترحَ مسالك أخرى.
لماذا؟ لأنّ التمرّد خاصية وجودية للإنسان. الإنسان كائنٌ ميّال إلى تجاوز ذاته على الدّوام لأجل ممكنات أخرى. الإنسان كائنٌ ميّال إلى تغيير كينونته وأفكاره ورؤاه باستمرار، ميّال إلى التفرّد والتمرّد والعصيان، وعصيانه هذا هو ما يوقظ نار الحضارة. في قلب الكائن الإنساني شيءٌ من برومثيوس. من هنا، ليس معقولاً أن نتوقّع أن ينتصر نمط واحد من الإيمان أو الأديان. لن يحدث هذا ما دام الإنسان موجوداً.
أيضاً، إن حدث نوع من الخروج من الأديان أو الخروج عنها، فلن يكون هذا الخروج من باب واحد وعلى المنوال نفسه. ولنكن صرحاء، حتى الإلحاد نفسه لو قدر له أن ينتصر يوماً فسرعان ما سيفكر الإنسان في الانشقاق عنه لأجل أن يستشرف إمكانيات دينية وروحيّة مغايرة.
لكل هذا نقول، سيبقى التعدّد والتنوّع والاختلاف في مجال الأديان قدراً إنسانياً، وليس منتظراً خلاف ذلك. والممكن الآن، بل المأمول أيضاً، هو تقنين العلاقات بين الأديان على أساس المبدأ التالي: الاعتراف المتبادل والمتكافئ بين الأديان. فهل هذا المطلب ممكن؟
يهمّنا أن تبدو قضيتنا واضحة الآن. فما عسانا نقول؟
اعتراف الجميع بالجميع
مؤكد أنّ قوى التنوير تناضل من أجل سيادة مبدأ الاعتراف المتكافئ والمتبادل على مستوى العلاقات بين الأفراد، أي لأجل أن يتحقّق ما يسميه هيجل بمبدأ اعتراف الجميع بالجميع، أو بلغة كانط، أن يكفّ النّاس عن معاملة بعضهم بعضاً كوسائل وكموضوعات وكأدوات، وأن يعاملوا بعضهم كذوات مستقلّة وحرّة وكريمة، وبالأحرى كغايات.
إنّ الإنسانية والإنسانيين ما زالوا إلى اليوم يناضلون من أجل ترسيخ مبدأ اعتراف الجميع بالجميع في كل مناحي الحياة، وينتظرهم جهد جهيد لأجل ترسيخ هذا المبدأ في مستوى العلاقات بين الدّول أيضاً. ولهذا السبب كان موقف هابرماس واضحاً يوم قال: الحداثة مشروع لم يكتمل بعد.
لكن- وهذه قضيتنا- الآن فإننا نناضل من أجل سيادة هذا المبدأ في مستوى العلاقات بين الأديان وبين المذاهب الدينية أيضاً، أي أن تعترف الأديان ببعضها البعض اعترافاً متبادلاً ومتكافئاً. وبالفعل، فإنّ المطلوب هنا جهد قد لا يكون ميسّراً، طالما أنّ عقيدة الولاء والبراء في الإسلام تمثل عائقاً، وكذلك عقيدة الخلاص في المسيحية، وكذلك عقيدة شعب الله المختار في اليهودية،.. إلخ، والأمر متعلق تحديداً بإصلاح ديني جذري يجب أن يطال نظرة الأديان إلى بعضها البعض. إنّ الهدف المنشود هو العمل من أجل أن يتمكّن مبدأ التنوير القائم على أساس الاعتراف المتكافئ والمتبادل بين الجميع، من تقنين العلاقة بين الأديان أيضاً. ولأنّ المؤمن يحبّ لأخيه مثلما يحبّ لنفسه، سنتكلم عما نحبّه لأنفسنا أولاً، ومن ثم نحبّه لغيرنا أيضاً.
الدرس الغائب
قضيّتنا متجذّرة في العقل الأخلاقي لكل الحضارات والثقافات، ومن ثمة في حضارتنا وثقافتنا أيضاً، والمطلوب إيقاظها. بمعنى أنّ أصول الاعتراف المتبادل والمتكافئ سواء بين الأفراد أو بين الدّول أو بين الديانات، ترجع إلى حكمة قديمة صاغتها جل الحضارات والثقافات بعبارات مختلفة، حكمة تقول: (عامل الآخرين كما تريدهم أن يعاملوك). وإليكم هذا الجرد السّريع:
يقول كونفوشيوس: «لا تفرض على الآخرين ما لا يمكنك أن تختاره لنفسك». يقول طاليس: «تجنب القيام بأعمال قد تلوم الآخرين على فعلها». يقول بهاء الله: «إن تحوّلت رغبتك للعدالة، فاختر لجارك ما تختار لنفسك». يقول إنجيل لوقا: «وكما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا أنتم أيضاً بهم هكذا». يقول نبيّ الإسلام: «لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحب لنفسه».
الصياغة المثلى لهذا المبدأ وردت عند فيلسوف التنوير كانط في عبارة تقول: «تصرّف وكأنّك تشرع القانون للبشرية جمعاء. بمعنى، أنك عندما تريد أن تقوم بسلوك معين، اسأل نفسك أولاً: ماذا لو أمكن للآخرين -كل الآخرين- أن يمارسوا السلوك نفسه، ما عساها تكون النتيجة؟
هذا هو الدّرس الأساس الذي لم يستوعبه الوعي الإسلامي بعد. والمطلوب منّا أن نحرض وعينا على استيعابه. ولنشرح ذلك بوضوح أكبر، إذا نحن قرّرنا على سبيل المثال أن نمنع التبشير المسيحي في دول الجنوب، وأن نمنع زواج المسلمات من غير المسلمين، فليس السؤال الفعلي هنا هو أن نسأل عن «رأي الشرع» أو عن «الحلال والحرام»، لكن السؤال الفعلي هو أن نسأل أنفسنا: ماذا لو أصبح موقفنا تشريعاً كونياً تتبنّاه كل الدّول وكل الديانات، فماذا سيحدث؟ أي، وفي المقابل، ما مصير الدّعوة الإسلامية ومساجد المسلمين في دول الشمال؟ ماذا لو وضعت الكنائس أمام دول الاتحاد الأوروبي مقترح قوانين تبطل زواج المسلمين من غير المسلمات؟
ولنشرح الأمور بمثال آخر، حين أطالب بحقي كمسلم متدين في أن أصلي الصلوات في أوقاتها وحتى داخل أوقات العمل، فعليّ أن أكون في المقابل مستعداً لتقبل أن أجد الطبيب الذي أحمل إليه ابني على وجه السرعة معتكفاً على الصلاة، أو أنتظر عودته من المسجد إن صادف الوقت وقت صلاة الجمعة، وعليّ أن أتحمل أن يتوقّف بي سائق التاكسي الذي يقلني إلى مقر العمل لكي يؤدي صلاته إذا مرّ بجانب أي مسجد في وقت الصلاة، وطبعاً عليّ أن لا أجزع إذا تأخرت الطائرة في الهبوط بي إلى مطار نيويورك لأنّ عمال برج المراقبة انصرفوا إلى عظة الأحد، إلخ.
المؤكّد أن تلكّؤ المسلمين في قبول المبدأ الكانطي، بحيث أنّهم لا يسألون أنفسهم ماذا لو أصبح السلوك الذي ينتهجونه أو يطالبون بالحق في انتهاجه تشريعاً كونياً؟ إن هذا ليدعم فقط وجهة نظر أنصار اليمين المتطرف في أوروبا وأميركا عندما يطالبون بمنع بناء المساجد أو منع الدّعوة إلى الإسلام إسوة بما تفعله الدول الإسلامية من تجريم للتبشير ومنع لبناء الكنائس والمعابد الأخرى فوق أراضيها.
وهذا ما قد تكون له عواقب في غير صالح صورة الإسلام وحقوق المسلمين أينما حلّوا وارتحلوا. فلننتبه إلى عطبنا الأخلاقي. ولنقُم بتعليم أنفسنا بأنفسنا قبل أن يفرض علينا الآخرون تعاليمهم. وهنا بالذات، لدينا ما نتعلمه من الحكيم إيمانويل كانط.

اقرأ أيضا