الاتحاد

الكتابة اتصال بين حضارات


سؤال مبهم أو كأنني أبحث في بديهيات أمور هذه الحياة من خلاله، كيف أصبحت الكتابة؟ ولماذا هي وسيلة من وسائل الاتصال؟ وكيف توصل البشر إليها؟ ومتى بدأ عهدها؟ وأهميتها في أن تكون أول كائن يُخلق على وجه الأرض هو 'القلم'، وفي أن تكون أول كلمة تقال لمحمد (صلى الله عليه وسلم) لما بُعث هي 'اقرأ'، رغم أنه كان أمياً لا يعرف القراءة ولا الكتابة·
لقد اتصل الله تعالى بعباده من خلال الكتب السماوية التي وهبها للبشر ليتفكروا بقدرته وعظمته ويختاروا الطريق السليم بعبادته، وأدرج فيها الإعجاز الذي يكتنزه هذا الكون مضيفاً البراهين على الحجج والادعاءات، وقد كانت وسيلة اتصال بين رب العالمين وأنبيائه المرسلين، كما في سيرة أطهر الخلق محمد (صلى الله عليه وسلم) وتلقينه الآيات المباركة بواسطة جبريل عليه السلام· إن بديهية الإنسان بالتواصل كتابياً هي فطرية تماماً، وهي الأكثر شيوعا في يومنا هذا حتى بوجود التكنولوجيا الحديثة·
لكل لحظة قلق وخوف مثار وقفة وتأمل وتفكير تثير في داخل الإنسان حالة من حالات الاستنفار العقلي بشتى أنواعها ممثلة بنكهات الأحاسيس المختلفة فتولد زوبعة تعاظم الطاقة الفكرية في عمق ذاتية الإنسان وتفجر رغبة ملحة لدفع تلك الأفكار وتجسيدها سواء برسمها أو كتابتها فوق شيء معين كالورق أو الجدران أو الخشب أو حتى على الرمل، وهكذا تبقى أفكاره تعابير عما يخالجه من مشاعر وأحاسيس لتتفجر طاقات من الإبداع الإنسانية والبلاغة القطرية نستطيع ضمها إلى محاولات الإنسان للبحث عن الخلود بالدنيا·
والخلود هم الحلم السحري الذي غلب على الحضارات السابقة كما انعكست في ملحمة جلجامش البابلية أو الأوديسا اليونانية أو الأساطير الفرعونية والإغريقية والهندية، فإن استماتة الإنسان للحصول على سر الخلود تذهلك، خاصة أنها تجسدت في الكتابة، ولتأني الفكرة حتى تستوعب بتشبع سنختصر ملحمة جلجامش البابلية ونلتقط من بين طياتها كيف روت الكتابة جوع الإنسان لحلم الخلود·
قيل إن ملكا في بلاد الرافدين عظيماً في شجاعته وقوته ومغرماً بالتحدي جاءه من ينقل له خبر رجل يدعى 'أنكيدو' يتحدى قوي صلد، فقرر الملك منازلته، تمت المبارزة أمام حشود من البشر، استمرت طويلاً لشراستها لكن أحداً لم ينتصر فيها، وهكذا اتخذ الملك 'أنكيدو' صديقاً له وعينه قائداً لقواته·
أمضيا معاً دهورا عديدة ينتصران خلالها على أعدائهم بمعارك ضارية ولما بلغ 'انكيدو' الكبر مات تاركا صديقه الملك 'جلجامش' يحزن عليه حزنا عظيما لدرجة أنه امر ان توضع جثته في القصر كي يراها كل يوم يندبها ويبكي عليها، استمر على هذا الحال رافضا نصائح الحكماء بضرورة دفنها وبحث عن أي وسيلة لإرجاع روح 'أنكيدو' لجسده، فقامت إحدى النساء الحكيمات بإخباره عن عشب عجيب بأعماق النهر تعيد له روح 'أنكيدو' ووصفت له مكانها، أصر جلجامش الحصول عليه من أجل صديقه، فعزم طريقه نحو النهر متحدياً المخاطر مواجها الوحوش والجيوش إلى أن وصله وغاص في أعماقه يبحث عن ذلك العشب حتى وجده وحصل عليه، حينما خرج من النهر كان متعباً فاستلقى ليرتاح قليلاً ووضع العشب بجانبه، لكن أفعى جائعة غافلته والتهمت العشب وهكذا خسر العشب وضاعت كل الآمال لإعادة 'أنكيدو' للحياة·
بعد فترة من الزمن بدأت جثة 'أنكيدو' تتفسخ وتتعفن وتخرج منها رائحة نتنة، وجلجامش رافض دفنها، إلى أن وجد الدود يخرج من أنف جثة صديقه فأذعن، وكمحاولة أخيرة لتخليد ذكرى الصديق أمر جميع الحكماء والمستشارين أن يكتبوا ويثبتوا بالألواح كل انتصارات البطل 'أنكيدو' ومآثره ومعاركه وأعماله العظيمة ليقرأها الناس وينال الخلود، ويبقى حكاية ترددها الأجيال وتخلد في ضمائر الأمم والشعوب·
لقد لمحت من بين براثن تلك الملحمة براعم إنشاء الكتابة كوسيلة اتصال مع الأجيال القادمة، وبدا لي جلياً كيف تبلور حلم الخلود إلى وحي الكتابة، لتنبثق بعض الأجوبة لتساؤلاتنا عن توظيف الكتابة كوسيلة اتصال، كما أنه سر تناثرت من حوله أساليب وأفكار جديدة لتوصيل المعلومات عبر العصور، صحيح أنهم ماتوا وأجسادهم تلاشت، لكن صدى أفكارهم موجود بين أيدينا، وكأننا نرد على اتصالاتهم بقراءتها·
ألا تتفقون معي إذن أن حلم الإنسان القديم بالخلود هو من أدى لولادة الكتابة؟ وبها ضمت كل جوانب الحياة فكرياً، وعملياً وأدبيا، وتاريخياً وجغرافيا وفلكياً واجتماعياً وتواصل البشر فيما بينهم كتابياً من جيل لآخر، قد تتلمسون هذا الاتصال بواقعية أكبر حالما تقيض مشاعركم وتشعرون برغبة ملحة بتفريغ شحناتكم على الورق، إما لتوصيل أفكاركم ومشاعركم لقراء، أو لتقرأوا ذلك وتنقبوا عن مكنوناتها·
عائشة عبدالله

اقرأ أيضا