الاتحاد

الملحق الثقافي

هل يصلح عطّارو الثقافة مفسدة الرياضة؟

تفصح العرب ـ العاربة والمستعربة ـ في قولة شهيرة عن يأسها من إصلاح العطارين لمفاسد الدهر. وذلك يأس مزدوج يطال العطارين والمفاسد المتمادية في آن. والرائي، إلى الواقع العربي الراهن، في تجلياته المختلفة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.. والرياضية أيضا، سيتحوّل يأسه إلى داء مستحكم يستعصي على خبرات الطب القديم والحديث، وطب الأعشاب، وكذلك تركيبات العطّارين.



وكالة أنباء الشعر العربي، وهي بحدّ ذاتها مبادرة جديدة وجدّية في عالم الإعلام الثقافي العربي الإلكتروني، أطلقت قبل أيام مبادرة تتسم في معطياتها بأنها ضد اليأس أولا، وبأنها قد تعيد الاعتبار إلى قدرات العطّارين الثقافيين في معالجة مفسدة السياسة والرياضة، وما يجمع ولا يجمع بينهما.
مبادرة الوكالة، أرادت أن يكون للساحة الثقافية العربية دورها وشأنها في رأب الصدع الذي وقع بين الشعبين العربيين، المصري والجزائري، بسبب مباراة كرة القدم التي (فصلت) بينهما، وأصبحت ملابساتها ووقائعها وتداعياتها معروفة. وقد أطلقت الوكالة مبادرتها مع مطلع العام 2010، وهي الأولى من نوعها من أجل مصالحة ثقافية بين البلدين العربيين الشقيقين الجزائر ومصر اللذين تجمعهما هوية واحدة وثقافة واحدة وأواصر أخوة تمتد عبر قرون طويلة.
وقد جاءت هذه المبادرة المتواضعة، بحسب ما أوردته الوكالة، بعد استقراء لآراء الكثير من مثقفي البلدين الذين يرتبطون بأسمى علاقات الود والأخوة ما جعلهم يتوقون لرأب الصدع الذي تسببت بعض وسائل الإعلام في إحداثه متناسية عمق الأواصر التي تربط البلدين الشقيقين. ووضع أصحاب المبادرة جهدهم بين أيدي السادة المسؤولين في وزارتي الثقافة في مصر والجزائر متوسمين فيهما وفي كل وزراء الثقافة وكل المثقفين العرب أن يساهموا في تعضيد هذا الجهد.
ولا يخفى أن التداعيات الخطيرة التي نشأت عن تلك المباراة الرياضية التي خلت من أية روح رياضية، نجمت بالأساس عن نفخ إعلامي حاقد من كلا الطرفين، توسّل تأجيج الحساسيات، واختلاق التناقضات، والضرب على الوتر الشوفيني.. ومن أسف، أن أقلاما مرموقة، لها مكانتها في الوسط الثقافي المصري والجزائري على السواء، قد انجرّت ـ بوعي أو لاوعي ـ إلى مستنقع المفسدة الرياضية، فأساءت وأسيء إليها. وهو ما يحتم أن تنطلق مبادرة وكالة أنباء الشعر العربي من هذا الحيّز الثقافي لكي تؤسّس ما يمكن تسميته “عودة الوعي” إلى كل من غاب عنه، سواء في منابر الثقافة، أو ملاعب الرياضة، أو محافل السياسة.
نتائج خطيرة
وقد أثارت مبادرة وكالة أنباء الشعر العربي، ردود فعل واسعة بين المسؤولين الثقافيين ووزراء الثقافة العرب، باعتبارها وسيلة نبيلة للخروج من مأزق يلفه الالتباس، ومن أجل إذابة جليد الخلافات، وعودة المياه إلى مجاريها.
فقد رحب الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى بمبادرة الوكالة، وأكد أنها فكرة جيدة أن تقوم وكالة إعلامية بذلك، وكان موسى قد أعرب من قبل عن أسفه الشديد لعدم تحقيق مساعي المصالحة بين بعض الدول العربية لنتائج كاملة، مع استمرار الجهود لتحقيق ذلك، مؤكدا أن هناك اتصالات ومساعي دائمة في هذا الشأن لتحقيق المصالحة، وأضاف موسى قائلا: وكما يعلم الجميع فإن ما حدث بين مصر والجزائر كان بسبب موضوع “هايف” أدّى إلى نتائج خطيرة جدا، وهناك وسائل أخرى واتصالات مستمرة.
وأوضح موسى في تصريحات صحفية أن الخلاف بين البلدين أدى إلى المساس بعلاقات بنيناها بين المشرق والمغرب عبر سنوات طويلة من شغب كروي وصخب إعلامي، مضيفاً أنها أساءت لصورة العالم العربي أمام العالم الذي شاهدنا على شاشات التليفزيون بينما نتبادل الفعل ورد الفعل.
واستقبل فاروق حسني وزير الثقافة المصري مبادرة الوكالة بترحيب شديد مؤكدا أن مصر بدأت من جانبها الدعوة، وأن الثقافة ليس فيها خصام فالثقافة يجب ألا يكون بها أي صورة من صور الخصام ونحن مستعدون لأي شيء، وحديثي الآن عن الشعوب، وليس عن السياسة فالثقافة هي سياسة الشعوب ويجب ألا تمس.
وأضاف وزير الثقافة المصري في تصريحه للوكالة أن العلاقة بين الفنانين والأدباء والمثقفين والمبدعين والمفكرين هي علاقة أزلية وسوف تكون أبدية، وأن ما حدث هو حدث طارئ وعارض ويجب أن نتفوق عليه وهذا بالنسبة للطرفين. وأثنى فاروق حسني على المبادرة وأهميتها في إبراز الدور الكبير لمثقفي البلدين في تخطي الأزمة، ووجه الدعوة من خلال الوكالة إلى المثقفين الجزائريين بتجاوز تلك الأزمة موضحا أنه من المفروض أن يحمل المثقفون على عاتقهم إصلاح الموقف السياسي وليس كما نرى بأن السياسة تؤثر على الموقف الثقافي.
وفي النهاية شدد حسني على أن الثقافة والمثقفين قادرون بالفعل على تجاوز وإصلاح ما أفسدته الكرة.
زرع المحبة والمودة
وأكد وزير الثقافة والإعلام السعودي د. عبد العزيز خوجة ترحيبه وتأييده للمبادرة في تصريح أدلى به لوكالة أنباء الشعر قائلاً: مبادرة راقية، ونشكر وكالة أنباء الشعر العربي، على هذه الالتفاتة الجميلة، بوجوب الالتفات إلى كل ما يرتقي بالإنسان، ونشر ثقافة التسامح، التي ينادي بها الإسلام، منذ زمن، في أن الاختلاف لا يفسد للود قضية، وخصوصا في الثقافة، فمثلا تحيزنا لأي شكل من أشكال الأدب، لا يعني إلغاء الآخر، أو أننا نقصي الآخرين، وفي حقيقة الأمر نحن بحاجة إلى إثراء الوسط الثقافي العربي بالنتاج الأدبي الجدير بالمتابعة والقراءة، وأن ننصرف عن الخلافات. وهنا لا بد أن ننوه إلى ضرورة التقاء المثقفين العرب وتشجيعهم لبعضهم بعضا على التلاحم مع بعضهم بعضا، حتى إن كانت خلافات بين دولهم. وبخصوص ما حصل بين الجزائر ومصر، أرى أن للمثقفين من البلدين دورا كبيرا في الابتعاد عن أي خصومة بين البلدين، وزرع المحبة والمودة بين الإخوة المصريين والجزائريين، لأن الكاتب والمثقف والأديب يعتبر ضمير مجتمعه، وأنا أرى أن التقاء المثقفين ببعضهم بعضا يساهم في إذابة الخلافات بين بلديهم، كما أحب أن أنوه إلى أن الثقافة لها دور في حل الخلافات العربية ـ العربية، لأن ثقافة الإنسان العربي المسلم ترتكز على القيم والمنطق.
وبدروه أهاب وزير الثقافة اليمني الدكتور محمد أبو بكر المفلحي بكل الفعاليات الثقافية ومؤسسات المجتمع المدني والمثقفين والمبدعين والكتاب والفنانين، في كل من مصر والجزائر إلى تحكيم العقل والحكمة في تجاوز الأزمة الأخيرة، وعدم إهدار ما بين الشعبين الشقيقين من أواصر أخوية عميقة تمتد إلى قرون عديدة، معرباً عن ثقته التامة بقدرة وزيري ثقافة مصر والجزائر الدكتور فاروق حُسني وخليدة تومي على العمل لوقف التدهور الحاصل في العلاقات بين البلدين ورأب الصدع وإيقاف الآثار السلبية التي خلفتها مباراة كرة القدم والتي امتدت لتصل ميادين فنية وثقافية.
ودعا وزير الثقافة اليمني نظيريه وزيري ثقافة مصر والجزائر إلى جعل الثقافة هي الدواء والبلسم لما أفسدته الرياضة من علاقات أخوية ضاربة جذورها في القدم، مناشداً الطرفين البحث عن آليات عمل مشتركة تبني ولا تهدم، وتعيد العلاقات المصرية الجزائرية إلى عهدها السابق من الود والاحترام المتبادل.
لملمة الشمل العربي
وثمنت وزيرة الثقافة الفلسطينية، سهام البرغوثي، المبادرة التي أطلقتها وكالة أنباء الشعر العربي، لإجراء مصالحة ثقافية بين الشقيقتين مصر والجزائر، في ضوء التبعات المؤسفة التي نتجت عن اللقاء الكروي الذي جمع البلدين مؤخراً.
وقالت الوزيرة الفلسطينية في لقاء مع الوكالة: “نثمن عالياً مبادرة وكالة أنباء الشعر العربي، وإن دل هذا على شيء فإنما يؤكد الدور الكبير الذي يمكن للمؤسسات الصحفية والإعلامية العربية أن تلعبه في رأب الصدع ولملمة الشمل العربي في كل المجالات”.
وأضافت البرغوثي: “هذه خطوة جيدة تنسجم مع قناعاتنا بأهمية دور المثقفين في مجال الدعوة للحوار المسؤول وتغليب المصلحة العربية العليا”.
وتابعت: “دائما ما نقول إن الثقافة هي أهم وسيلة لتقريب الناس من بعضهم بعضا، فيكف إذا كان هؤلاء الناس أشقاء؟”.
ووصفت وزيرة الثقافة الفلسطينية الأحداث التي رافقت اللقاء الكروي بين مصر والجزائر على أرض السودان وما ترتب على نتيجته بـ “المؤسفة”، ولا بد من إعادة اللحمة ونبذ الفرقة، والمثقفون هم الأجدر والأقدر على لعب هذا الدور.
وقالت: “يجب تقبل النتائج بكل روح رياضية، وهذه دعوتنا لجميع الأشقاء خاصة أن العامل الثقافي مشترك لدى العرب الذين يؤمنون بثقافة التسامح والسلام والحوار”. ودعت إلى أن تكون المصالحة على كافة الصعد والأنشطة وليس الثقافية فقط.
وقال د. رياض نعسان آغا وزير الثقافة السوري: لم أجد أي مبرر لما حدث من خلاف بين شعبي مصر والجزائر فالشعبان الشقيقان يرتبطان بعلاقات تاريخية عميقة الجذور في الوجدان ولابد من تجاوز ما حدث لتعود علاقات الأخوة بين البلدين الشقيقين، ونحن سعداء لأن أجواء المصالحات العربية تزداد إشراقا وقد عرف عن شعبنا العربي في كل أقطاره أنه يحب العفو والتسامح ويغفر الأخطاء التي يجب أن نتعلم منها ضرورة تجنبها والابتعاد عن الانفعال وكل ما يثير مشاعر سيئة، نحيي شعب الجزائر العظيم وشعب مصر المبدع ونريد أن تكون كل شعوب الأمة وكل دولها متماسكة بكل رباط المحبة والتعاون

اقرأ أيضا