الاتحاد

الملحق الثقافي

لوكليزيو مغربيّاً...

ما كان يمكن أن يجد منظّمو دورة المهرجان الأولى هذه كاتباً أكثر تمثيلاً من لوكليزيو لأدب الرّحلات بالمعنى الحصريّ للكلمة، ولحضور السّفر والانفتاح على الآخر في الكتابة عموماً، ولا أشدّ انجذاباً منه إلى المغرب والصّحراء الأفريقيّة، هو الذي جعل من الارتياد المتواتر والعميق لهذه العوالم، مثلما لعوالم الهنود الحمر في أميركا اللاتينيّة، منهلاً رئيساً لنصوصه ومادّة أساسيّة لرؤيته الإنسانيّة التي تقف وراء فوزه بجائزة نوبل للآداب. وليس من قبيل النّادرة التذكير هنا باقتران لوكليزيو بامرأة مغربيّة ما دام وضع بالاشتراك معها أكثر من كتاب. فهي علاقة تنخطّ، كما سنلاحظ، في صلب ممارسته الأدبيّة وعلاقته الروحانيّة بهذه البلاد.
يمكن القول إنّ سيرة الكاتب ذاتها وإرثه الفكريّ العائليّ كلّه كانا يقودانه حثيثاً، وبادئ ذي بدء، إلى هذا العناق وروحانيّةَ الصحراء. ولد لوكليزيو في 1940 في مدينة نيس الفرنسيّة لأبوين موريسيّين من أصل فرنسيّ، بروتونيّ تحديداً، تجنّسا بالجنسيّة الإنجليزية بعدما صارت موريس مستعمرة بريطانيّة. كان الأب غاضباً أشدّ الغضب على الاستعمار، غضب حوّله هو إلى رسالة وإلى منحىً عمليّ، فاختار أن يعمل طبيباً في نيجيريا وأن يعيش في قلب المفازات الأفريقيّة بعيداً عن الأُسَر الأوروبيّة. أمّا والدة الكاتب فقد دفعها الاحتلال النازيّ لشطر من أجزاء فرنسا إلى الإقامة في مدينة نيس، بصحبة والديها وابنيها الصغيرين، حيث عرفوا معاً “البرد والجوع وعمليّات القصف”، هذه المرائر التي وصفها في كتاب حديث العهد: “لازمة الجوع” (2008). وفي غياب الأب في نيجيريا، الذي حُرمَ من فرصة الالتحاق بعائلته أو استقدامها إلى جانبه طيلة سنوات الحرب، تربّى لوكليزيو في ظلّ والدته وجدّته لأمّه، وكان لهما أكبر الأثر في تنشئته الثقافيّة ومحبّته للكتب.
في محاورات عديدة، يصف لوكليزيو الرحلة التي قامت بها العائلة في 1948 إلى نيجيريا لملاقاة أبيه هناك. رحلة بحريّة دامت شهراً ونصف الشهر أمضاها ابن الثماني سنين في كتابة روايتين. وقد عاد إلى هذه الرحلة بعد أربعين سنة ونيّف فاستحضرها في عمل روائيّ عنوانه “أونيتشا” (1991)، حيث تعمّق في فهم أهميّتها التأسيسيّة في تفكيره ومعنى معرفة البحر عن قربٍ وملاقاة الأب والعيش وسطَ الأفارقة. وفي رواية أخرى عنوانها “الأفريقيّ” (2004) يعيد خلق سيرة والده، طبيب الفقراء في نيجيريا، المنحاز لهم والمتشبّث بثقافته الموريسيّة بما يجعله يستحقّ لقب “الأفريقيّ” الذي خلعه عليه ابنه الروائيّ.
وفي غير حوار صحفيّ أُجري في الصّحف الفرنسية مع لوكليزيو بُعَيد عودته من مهرجان “رحّالة مدهشون” في دورته المغربيّة الأولى هذه، ذكّر الكاتب برحلة إلى المغرب قام بها في 1953 بصحبة والده، ينسب إليها هي أيضاً أهميّة تأسيسيّة في تربيته. صرّح بالقول: “عندما كنت صغيراً، جئت لزيارة المغرب برفقة عائلتي. كان ذلك أوّل احتكاك لي بعالَم مختلف وقريب في آن. كان والدي يريد أن يرينا مساوئ الاستعمار فجاء بنا إلى المغرب”. كما أعاد التذكير بدَينه لزوجته المغربية جْميعة (بالجيم الساكنة، أو اجْميعة، تصغير “جَمعة”، وهو اسم للنساء شائع في جنوب المغرب)، التي وضع بالاشتراك معها كتاباً بعنوان “أناس الغمام”، وصفا فيه رحلة قاما بها معاً إلى مسقط رأس الزّوجة وعوالم طفولتها في “السّاقية الحمراء”. وكان مبعث سرور أيضاً أن نعرف من كلام لوكليزيو أنّه، فور عودته من زيارة العائلة تلك للمغرب، كتب باستيحاء منها رواية منحها عنوان “الشّيخ الأزرق” (والتلميح واضح إلى رجال الصحراء الزّرق، أي الطوارق)، لم ينشرها بالطبع كسائر أعمال صباه، ولكنّه كشف عن كونها مكرّسة “لسيرة شيخ يقود تمرّداً على السلطة الاستعماريّة”، وعن كون الكثير من عوالم رواية الصِّبا تلك قد استعاده هو لاحقاً في روايته الكبرى “صحراء” (جائزة غونكور للرّاوية، 1980).
عالَم قديم-جديد
إنّ تصريحات الكاتب هذه لدى عودته من المغرب، بالرغّم من وجازتها، تدفع إلى التساؤل عن البواعث التي جعلت المغرب يحظى بهذا الحضور الواسع في أعماله، وتثير الرغبة في إعمال نوع من الوقفة عند لوكليزيو مغربيّاً.
ذلك أنّ من المهمّ معرفة كيف شكّلت تلك الرّحلات، ومحبّة الاختلاف التي طبعها فيه إرثه العائليّ، وقراءاته المبكّرة النهمة بتشجيع من جدّته، خميرة أولى لأعماله النّاضجة. لقد حفظ عن ظهرِ قلبٍ قاموساً كاملاً للّغة الإنجليزية، لغته الأولى، يوم كان يعتقد أنّ الكتابة مسألة كلمات، وسرعان ما أدرك أنّ المسألة هي بالأحرى مسألة قراءات مغذّية وتجارب حيّة. انطلاقاً من ذلك، بذل كلّ ما في وسعه لتحقيق انسجام رفيع بين الأفكار والسيرة، بانياً كيانه كلّه بمقتضى تلك الرؤية الموروثة من تربيته، رؤية مفادها أنّ العالم الغربيّ ضيّق وذهنيّ، وأنّ الاستعمار شرّ وفساد، وأنّه “ينبغي سماع أصوات أُخرى”. وما إن أكمل دراسته للأدب الفرنسيّ (كان موضوع رسالته الجامعيّة هو “العزلة في عمل هنري ميشو”، شاعر رحاّلة مثله، فهو إذن اختيار مدروس وعلامة انتماء)، حتّى شرع بالترحّل وتعليم الأدب خارج بلاده. بدأ ذلك في بانكوك، التي سرعان ما طردته منها سلطاتها لإدانته دعارة الأطفال، فانتقل إلى المكسيك، التي ستتيح له فرصة استكشاف ما بقي من عوالم الهنود الحمر.
كان الكاتب قد نال في سنّ الثالثة والعشرين جائزة رونودو (منافِسة غونكور) عن روايته “المَحْضر” (1963). في هذه الرواية وأعمال أخرى أعقبتها، أعرب عن مهارات لغويّة وشكليّة عالية منضوية تحت لواء “الرواية الجديدة”، تصف قلق أفراد مهمّشين يتهددّهم الجنون ويحلمون بالهرب والرحيل واكتشاف إمكانات حياة أُخرى. ثمّ، مع تخطّي سنّ الثلاثين، أحسّ، كما يعبّر هو نفسه في حوار قديم أعادت (الماغازين ليتيرير) نشره بمناسبة فوزه بجائزة نوبل، نقول أحسّ “بحاجة إلى صدمة فيزيائيّة”: “كنت أطمح إلى الكفّ عن كوني مجّرد كائن ذهنيّ، وأن أجعل هذه اللّا- ذهنيّة تغذّي أعمالي القادمة”. فانغمس في استكشاف عالم الهنود الحمر بفضل إقامته في المكسيك، مثلما سيفعل بعد سنوات إزاء المغرب والصحراء. وحتّى يكون بمستوى استكشافاته والعالم القديم - الجديد الذي بدأ ينفتح له صار يصلّب كيانه ويمشي طويلاً في الطرق المغبرّة ويتحمّل العطش كسكّانه أنفسهم. كان يصبو بكامل قواه إلى أن يكون الكائن الذي رأى في بداية تكوينه أنّه ينبغي أن يكونه. أي أنّ الكائن الفعليّ ما هو في نظره إلّا تجسيد للكائن الافتراضيّ الذي يرى المرء نفسَه يوماً في صورته. من هنا افتتانه بمقولة لبورخس مفادها أنّ الإنسان ينزع إلى أن يصير ما هو عليه في أصله أو في حقيقته. مقولة جسدّها الكاتب الأرجنتينيّ في قصّة يعدّها لوكليزيو آسرة، عن نمر يمضي حياته في محاولة لأن يكون... نمراً.
وقد طلب لوكليزيو لفترة من ساحر هنديّ أحمر كولومبيّ أنّ يحيطه بأسرار ثقافته. بيد أنّه يرفض أن يجعل من هذه التجربة التلقينيّة موضوع كتاب. فهي تظلّ وديعة هو مؤتمَن عليها، ومن قناعاته الثابتة أنّه ينبغي ألّا يكتب إلّا عمّا خبرَه بنفسه، يرصد ويُعاين ويجاهد من أجل الفهم ولا يرى العالَم بعين سواه.
ما وراء الكلمات
كذلك هي حكايته مع المغرب أيضاً. فلا تصدر مقاربته له عن افتتان سطحيّ ومديح محض، ولا عن إسقاطات لعالمه الشخصيّ يمارسها على الغريب، بل عن مسعىً روحانيّ وعلاقة غير مستلبة بالفضاء. علاقة بالصّمت خصوصاً، وهنا تكمن، والحقّ يُقال، واحدة من أخصب المفارقات الفنيّة: كاتب يتوسّل بالكلمات ليهرب من الكلمات، ليدينها أو ليكشف على الأقلّ عن عدم كفايتها. من هنا لجوؤه إلى استراتيجيّات كتابيّة متنوّعة بها يعوّض قصور الكلمات الذي ربّما كان مؤسِّساً للكلام. استراتيجيّات أو فنون أفاد فيها إلى أبعد حدّ من تصوّر الهنود الحمر وأهل الصحراء للصّمت وحذرهم من أحابيل الكلمات ولا جدواها في أحيان كثيرة. فراح ينمّي كتابة تحتفل بالصّمت والاقتصاد اللغويّ وتعلي من قيمة الإشارات والإيماءات والغناء والرؤية الجوّانية غير المنطوق بها ولكنّها تشكّل ينبوعاً لانثيالاتٍ شعورية وإدراكيّة لا تنضب، ومن أهميّة الرموز والشعائر والصّوَر والخطوط، أي كلّ سبُل التواصل والفيض التي لا تنحصر في الألفاظ.
أدرك القارئ بلا ريب أنّ لوكليزيو بات يجمع حضارة الهنود الحمر وثقافة أهل الصحراء في باقة واحدة. فبالرغم من اختلاف المعطيات التاريخيّة والفضاءات واللّغات، تظلّ هذه الثقافات تعرب عن موقف متقارب من الوجود لخّصه هو بروعة - في حواره القديم المشار إليه أعلاه - سئل فيه عمّا يشدّه إلى هؤلاء النّاس فأجاب ببساطة: “كلّ شيء لديهم مختلف. تصوّرهم للزمن وللنّفس الإنسانيّة وللغاية من الوجود. لسنا على الأرض للتكاثر بالضرورة، أو لنترك لصغارنا إرثاً ماديّاً معتبَراً. بل لعلّ دورنا يتمثّل في عدم تلويث الوسط الذي نعيش فيه حتّى يرثه أولادنا منّا كما هو. أو في أن نوصل إليهم هذه الفكرة البسيطة، وهي أنّ العلاقات بين مختلف أعضاء مجموعة أو عائلة هي أهمّ من مظاهر التقدّم التقنيّ التي يمكن الإتيان بها لهذه المجموعة أو هذه العائلة. بتعبير آخر ليس مهمّاً أن يفتقر هذا المنزل أو ذاك إلى مدخنة، وأن يسقط على أجساد ساكنيه شيء من الدّخان عندما يشوون الذّرة أو اللّحم. ما هو أهمّ هو أنّهم لدى تحضير الطعام يخبرون الجوار كلّه، بحيث يكون جميع أعضاء المجموعة مجتمعين ومدعوّين بفعل وجودهم المحض، وسواء ساهموا في البحث عن الأغذية أو في طهيها أم لا. ولا شكّ أنّ أمامنا، نحن الغربيّين، الكثير ممّا يمكن أن نتعلّمه من تصوّر للحياة كهذا”.
ما يقوله لوكليزيو هنا بلغة المحاورة البسيطة يتحوّل في لغة رواياته وقصصه وأبحاثه إلى فلسفة عميقة، على وضوحها، وحافلة بالتعقيدات الثريّة، على شفافيتها. وفي الحالتين نحن إزاء تصوّر بيئويّ متقدّم يرى هو تطبيقه الحيّ لدى هذه الشعوب التي لم تغامر بالابتعاد عن بدايات الكائن، لا عجزاً عن مواكبة الحضارة الماديّة بل عن إيمان ببطلان أغلب دعاواها ومنتجاتها. هو صفاء لم يُمسّ أكثر منه انحباساً في عقل سحريّ. ألم يُشِر في كتابه “المغرب” إلى كون “المغاربة عرفوا الحفاظ على التضامن الإنسانيّ وعلى التّناغم مع الطبيعة. كيّفوا أنفسهم لعالَم “حديث” واحتفظوا بثقافتهم الأصليّة في آنٍ معاً”؟ هي إجمالاً فلسفة للعيش يعيرها لوكليزيو قدرات إشفائيّة: “لو كنّا، يقول الكاتب، عرفنا مواصلة العيش كما يفعل الهنود الحمر أو أهل الصحراء لما كان علينا أن نكابد كلّ ما تكبّدناه من كوارث”.
ملحمة الجماعة والأفراد
من أجل تقديم جردة أوليّة، لا تغني بلا شكّ عن دراسة طويلة ومعمّقة، لحضور الأفارقة وأهل الصحراء عموماً والمغاربة على نحوٍ خاصّ في كتب لوكليزيو، ودون أن ندّعي الإحاطة بجميع أعمال الكاتب التي يستحضر فيها هذه العوالم، نذكّر بأنّ أفريقيا تسكن عمله عبر سيرتَي جدّه لأبيه وأبيه نفسه، وعبر أسفاره الشخصيّة في “رحلة إلى جزيرة رودريغ” (1986) و”أونيتشا” (1991) و”الكارنتينة” (1995) و”ثورات” (2003) و”الأفريقيّ” (2004). أمّا المغرب والصحراء فيُهيمنان في روايته الكبرى “صحراء” (1980)، ويحضران في بعض نصوص مجموعة قصصيّة سابقة لها عنوانها “موندو وحكايات أُخرى” (1978)، وفي رواية “السمكة الذهبيّة” (1996) وكتاب “أناس الغمام” الذي كتبه بالاشتراك مع زوجته اجميعة لوكليزيو وضمّ صوَراً فوتوغرافيّة لبرونو باربيه (1997)، وفي نصّه المعنوَن “المغرب”، الذي تصحبه أيضاً صوَر فوتوغرافيّة لبرونو باربيه (2003). هذا في حين يحضر الهنود الحمر وشعوب أخرى (الكوريّون، التايلانديّون، إلخ.) في أعمال الكاتب الباقية، تُستثنى منها، بطبيعة الحال، رواياته وقصصه الأولى التي تدور في أجواء غربيّة، سوى أن أغلب شخوصها مجتذَبون، كما أسلفنا، إلى التيه والتسكّع والترحال ومسكونون بنداء الخارج البعيد. بيد أنّ تعداد العناوين ليس بشيء ذي بال، وينبغي أن نتساءل عن مصادر افتتان الكاتب بعالم الصحراويّين والمغاربة هذا، وكيف يفيد منه في تهيئة الخروج من العيش الذّهني المحض ومن بؤس الكلمات.
في “صحراء” (وهي مترجمة إلى العربيّة)، يصوّر ملحمة أو هجرة مزدوجة. أوّلاً رحلة الطوارق يطردهم الجند الفرنسيّون أثناء احتلال الصحراء الغربية في بدايات القرن العشرين فيرحلون عن ديارهم في “الساقية الحمراء”. وإذ تسدّ جميع القرى والمدن أبوابها في وجوههم يعودون أدراجهم إلى فضائهم الأصليّ ويواجهون العسكر الفرنسيّ في حرب خاسرة سلفاً لانعدام تكافؤ القوّتين، فيبدأ بالنسبة إليهم ترحال طويل، يرصده الصبيّ “نور”، الذي يقود شيخاً أعمى، ويرى ويسجّل. وثانياً الملحمة الفرديّة للصبيّة “للّا”، سليلة طوارق “الساقية الحمراء”، تتلقّفها أيدي موظّفي الصليب الأحمر بعد هرب متعثّر في الصحراء، فتعيش حياة المنفى في مدينة صفيح في مرسيليا، ثمّ يبتسم لها الحظّ إذ تغدو، بفضل جمالها الباهر، “موديل” أحد المصوّرين الفوتوغرافيّين. وسرعان ما تثرى، بيد أنّها تتلف ما كسبته بصحبة أفراد مهمّشين وتعاود الهرب إلى الصحراء.
في رواية “السمكة الذهبيّة” يسرد، بلغة بسيطة حتّى إنّ بعضهم عدّها كتاباً للناشئة، بينما هدفها هو قول التجربة على لسان بطلتها وبِلُغتها ووعيها، نقول يسرد ملحمة أُخرى لفتاة هي ليلى، تُسرَق من ذويها في الصّحراء في سنّ السادسة وتُسترَقّ، ثمّ تهرب إلى أوروبا، حيث تجتاز ظافرةً عوالم عديدة، ثمّ تعود إلى صحرائها الأصليّة تستنطق سرّ البدايات. وفي “أناس الغمام” (وينبغي في الحقيقة ترجمة العنوان إلى “أهل المزنة”، لأنّ لوكليزيو وزوجته إنّما ترجَما فيه التعبير البربريّ “أهِل مزنة”)، يرافق اجْميعة في رحلة إلى موطنها الأصليّ في “الساقية الحمراء”، حيث كلّ خطوة على الرّمال هي اكتشاف أثير، وحيث وقفتها المفعمة بالدّلالات أمام ضريح سيدي أحمد العروسي، سلفها البعيد والمتصوّف الكبير. وأخيراً، في “المغرب”، يرافق لوكليزيو صوَر صديقه باربيه ويقول المغرب كما يفهمه، بلغة سرديّة تارةً وانطباعيّة وتقييميّة طوراً.
أبعد من الكلام
أمّا من حيث مهارات الكاتب وخياراته الفنيّة، ففي “صحراء” يركّز على ما لا تقدر الكلمات أن تقوله إلّا بلغة الشعر والطقوسيّة والتعزيم والإيماءات. اللّحظات التي يتصاعد فيها مثلاً غناء الشيخ (ماء العينين)، الذي يقود الطوارق في تيههم، والذي يتناوب معه غناء المجموعة، يتصاعد هادراً كلّما وهنَ صوت الشيخ. أو ذاك الطوارقيّ الذي يقطع مسيرة طويلة في الصحراء ليزور قبر (ماء العينين) ويخاطبه بهذه الشاكلة كما يصفها الكاتب: “كان يخاطبه بكلمات مكتملة تارةً، وبالغناء والهمس طوراً، مؤرجحاً رأسه ومردّداً هاتين الكلمتين البسيطتين”: “أنا جئت، أنا جئت”!”. أو وصول (للّا) في ختام الرّواية إلى مطارح طفولتها، حيث جاءت لتضع طفلها وتعاني آلام المخاض، متشبّثةً بساق شجرة في ملكوت الرّمال، تماماً كما كانت تفعل أمّها عندما تلد. ذاكرة الجسد احتفظت بكّل شيء وأعادت إنتاجه، ذاكرة بلا كلام، “إرث من دون وصيّة” إن أمكن استخدام تعبير لـ رنيه شار. وها هي ذي من جديدٍ في الصحراء، التي علّمها حبيبها الحرطاني أن تتأمّل فيها أوقيانوس الرّمال بلا كلام، هو الذي اعتنق الخرس موقفاً مبرماً في الحياة، لا لعجزه عن النّطق بل عن عدمِ إيمانٍ بجدوى الكلمات. الصحراء التي يعرّفها أحد شخوص قصّة “الرّعاة” في مجموعة “موندو وحكايات أُخرى” بأنّها “المكان الذي لا يجوز طرح أسئلة فيه”. وهو ما يذكّر بوصف السارد لرحلته البحريّة في “أونيتشا”، التي سبق أن قلنا إنّ الكاتب يستحضر فيها الرحلة التي قام بها في سنّ الثامنة بصحبة أمّه وشقيقه لملاقاة أبيه بعد فراق طويل: “لم نكن نتكلّم. كنّا ننزلق بين الماء والانعكاسات الباهرة للسّماء”.
وعندما يحدث للوكليزيو أن يحتفل بالكلام، واصفاً الساحات العامّة والأعياد المغربيّة مثلاً، فليس باعتباره كلامَ حجاجٍ وبرهنة ومناورة لفظيّة أو مراس ذهنيّ، كما هو الأمر غالباً في الغرب الذي عمل هو على الخروج منه، وإنّما باعتباره موسيقى وشعائر و شطحاً ورقصاً وأشياء أُخرى تتضمّن الكلام وما هو أبعد من الكلام. إنّها رحلة تصاعديّة تدفع بالكلمات إلى تلك المنطقة العليا (على كونها أرضيّة تماماً)، التي تصبح فيها اللّغة منظومة إشاريّة كاملة لا تشكّل الألفاظ إلّا طرفاً منها، قد يكون هو الطرف الأفقر، الجانب الاضطراريّ الذي لا يكفي بمفرده ليعبّر عن مكنونات اللّاشعور والوعي.
لا أودّ أن أختتم هذه الوقفة المتواضعة أمام المغرب في كتابات لوكليزيو دون أن أشير إلى عمل آخر له تحضر فيه الذاكرة العربيّة للكاتب. في 1988، أعدّ كاتب هذه السّطور لمجلّة “الكرمل” التي أسّسها وترّأس تحريرها الشاعر الراحل محمود درويش ملفّاً عن ثورة الحجارة نُشِرتْ محتوياته في الأوان ذاته بلغتها الأصليّة في الطبعة الفرنسيّة من “مجلة الدراسات الفلسطينية” التي كان يرأس تحريرها المؤرّخ الفلسطينيّ الياس صنبر ويدير تحريرها المؤرّخ السوريّ فاروق مردم بك. كان لوكليزيو أحد الكتّاب الذين استجابوا لدعوتي للمشاركة فيه. أرسل لي فصلاً طويلاً من رواية كان بصدد كتابتها، نشرتُه بالفرنسية في المجلّة المذكورة بموافقة منه، وترجمتُه إلى العربية في “الكرمل”. فيه يصف مأساة “نجمة”، وهي فتاة فلسطينيّة تُلفي نفسها مقذوفة كآلاف الفلسطينيّين في عالم المخيّمات تحت حماية وكالة غوث اللّاجئين. وفور صدور الفصل ثارت ثائرة أصدقاء إسرائيل، وعلى رأسهم المتفلسف الشهير برنار هنري ليفي. وكما هو متوقّع اتّهموه باللّاساميّة، وهي تهمة جاهزة يقذفون بها كلّ من يجرؤ على نصرة الفلسطينيّين أو التذكير بمأساتهم ببساطة. في العام 1992 صدرت الرواية كاملةً تحت عنوان “نجمة تائهة”. يبتكر الكاتب فيها، بنفَس ملحميّ أيضاً وباستخدامٍ حرّ للتاريخ الوقائعيّ، سيرتين متوازيتين. الأولى هي سيرة إستير، فتاة يهوديّة تعيش في أطراف مدينة نيس الفرنسيّة التي حوّلتها القوّات الإيطاليّة بطلب من النازيّين في 1943 إلى معزل (غيتو) لليهود، وتهاجر في أعقاب الحرب بصحبة أمّها إلى فلسطين بعدما عرفت في فرنسا ظروف الخوف والمهانة والهرب عبر الجبال. في لحظة خاطفة تتعرّف على نجمة، الفلسطينيّة التي تتلقّفها في الآن ذاته تجربة التيه في مخيّمات اللّجوء ومصاعب الهرب إلى الأردن، والتي تظلّ منذ تلك اللّحظة تسكن أعماق إستير، كمثْل شقيقة ينبغي إعادة العثور عليها. ولقد توقّف قرّاء للرواية عديدون، من عرب وغير عرب، أمام لا احتماليّة تعاطفٍ كهذا مع لاجئة فلسطينيّة يصدر عن إسرائيليّة ويسكنها بمثل هذا التأريق المستديم. آخرون وجدوا أنّ البادرة الأساسيّة والشديدة الجرأة والعدل في صنيع لوكليزيو إنّما تكمن في تصويره هذه المفارقة الصّارخة: أنّ وصول إستير إلى ما تعتقد أنّه أرضها لا يتمّ إلّا على خلفيّة خسارة هذه الأرض من قبَل مواطنها الحقيقيّ، ممثَّلاً هنا في نجمة، لاجئة مخيّم “نور شمس” التي تظلّ شاردة في حين تلقي إستير عصا ترحالها وتقيم، إقامة ملغومة إلى الأبد بالحضور الشبحيّ والفعليّ لنجمة.

اقرأ أيضا