الاتحاد

دنيا

أنفلونزاالطيور أم أنفلونزا المليارات؟


دبي - محمد الحلواجي:
أنفلونزا الطيور··· معركة جديدة يخوضها الإعلام العالمي في مطلع الألفية الثالثة، حرب ضروس بدأت فصولها برفق في فضاء الشرق، لتنتهي بخاتمة مجلجلة في الغرب كالعادة، وصداها يتعاظم يوما بعد يوم، ليس علينا نحن القابعين في قلب هذا الشرق سوى تصديق كل ما يقال لنا عن غيب، ليس من حقنا أن نناقش، ليس علينا أن نفتح باب العقل وإن على سبيل المصادفة، وليس علينا أن نستمع لما يقوله القلب، ولو لمرة واحدة، كل ما يتوجب علينا فعله هو الشعور بالقلق الطافح من أخبار الصحف وأقنية التلفزيون الفضائية والشاشات الكريستالية السائلة عبر طوفان خطاب الشبكة العنكبوتية المنسوجة في جميع طرقات الإنترنت·
ونحن نرى الطيور البريئة ترزح تحت طائلة عنف وجشع الإنسان مرتين لا بد أن نتمعن في المشهد قليلا، فهذا الفيروس لم يهبط من المريخ، ولم ينزل طواعية من سلالة كامنة في علبة الجينات، ولكنه من صنع الإنسان نفسه، عندما صار يطعم الكائنات الحيوانية ويغذيها بأعلاف مصنوعة من دماء فصيلتها، ولحوم وعظام أجساد بني جنسها·
هل نسينا كيف أطل علينا مارد جنون البقر قبل سنوات، ليعقبه وحش الحمى القلاعية العابث بالأغنام، ثم مسخ النباتات المعدلة وراثيا والمصممة جينيا، وأخيرا وليس آخرا يطل علينا غول أنفلونزا الطيور بالطريقة ذاتها، والسؤال ماذا تبقى كي نطحن اللقمة المعكرة تحت أسناننا بهدوء، إن لم يكن بأمان، إذ لم تسلم بصورة جزئية سوى الكائنات البحرية التي قد نفاجأ بعد عام أو أكثر أو أقل، أنها مصابة بداء ذات الرئة القاتل مثلا، فما عسى للمرء أن يأكل ساعتها؟
عمى ألوان إعلامي
كل ذلك يحدث أمام أعيننا بصورة عفوية، يزعم الكثير من الخبراء أنها طريقة 'عفوية جرى التخطيط لها بدقة'! لتتلقفها الماكينة الإعلامية بلهفة تعجز عن وصفها الكلمات في سائر قواميس اللغات التي عرفتها الكرة الأرضية، كأن هذه الماكينة الإعلامية الضخمة، لم تعد مكتفية بقذارات الساسة وسدنة الحرب والإرهاب، كأنها مصابة بضرب حاد من صنوف عمى الألوان، الذي يكاد يثنيها عن مشاهدة نكبات فائقة الوضوح في أجساد قارات الأرض أجمع، لكأن تفاصيل أجساد ووجوه عشرات ملايين ضحايا تجارة الألغام والهجرة القسرية للرقيق البشري بحكم الجوع و'نقص الكرامة المكتسب' والأمراض السارية، تكاد تبدو كلها تفاصيل هلامية شفافة، إلى درجة تجعلها غير مرئية على الإطلاق، ولذلك ليس غريبا أن ينشغل العالم بأعراض جانبية تلهيه عن أمراضه المزمنة، والأمثلة في المقررات التلقينية السابقة للإعلام العالمي الجديد، لا يزال يحضر العديد منها في اكتظاظ الذاكرة: فصول خيانات ومقتل 'الليدي ديانا'، فضيحة السيد 'كلينتون' والآنسة 'مونيكا لوينسكي' مشكلة نهايات القرن العشرين مع كارثة الأصفار والأرقام والتواريخ في سائر الأجهزة الرقمية، عندما تحين اللحظة الأولى من عام ألفين فتصاب جميع المرافق في العالم بالشلل، هل نسينا ذلك؟ هل من العسير أن نتذكر كيف أطل العام ألفين برأسه ومر مرور الكرام دون أن يحدث شيء يذكر، سوى قفز مئات المليارات من دول العالم النامي الفقيرة إلى جيوب الغرب الذي كان السعيد الوحيد بحل المشكلة عبر تسويق برمجيات التقويم الجديد؟
تضليل وأكاذيب
ما حدث بالأمس، هو ذاته ما يحدث اليوم، شركات غربية عديدة تسابقت وستتسابق، لتطرح وتحتكر حق البيع والتصنيع والترخيص للمصل المضاد لفيروس 'إتش· فايف· إن· ون/ ب5خ،'1 لمجرد الاعتقاد بأنه تسبب في وفاة ثلاثة وستين شخصا في أربع دول آسيوية، وأدى إلى إعدام أكثر من مئة وخمسين مليون طائر في سائر أرجاء العالم!! حسب أرقام أدلى بها 'جونج ووك' المدير العام لمنظمة الصحة العالمية في يوليو الماضي، وليس من العسير على أي أحد، معرفة كم من ملايين الطيور قد أعدمت وستعدم بعد ذلك التاريخ· لا أحد يقلل من أهمية صحة الإنسان وضرورة الحفاظ عليها، ولكن لن يقبل المرء بتكرار نشر الأكاذيب المروعة بالطريقة ذاتها، لتضليل شعوب العالم عن المخاطر الحقيقية التي تتهددها بالفعل، بهدف استنزاف ما تبقى من مقدراتها، بوسائل رخيصة وغاية في الدقة والتجديد والابتكار· هل يريد أحد معرفة الأرقام الفلكية للأرباح التي ستؤول لجيوب الشركات الغربية العملاقة المصنعة لأوهام ودواء أنفلونزا الطيور؟ الأمر ليس صعبا على الإطلاق، الرقم بسيط جدا، مجرد: 800 مليار دولار سنويا!! ولفظة سنويا تعني هنا، أن استنزاف الأموال سيستمر لعدة سنوات قادمة، حتى ظهور كذبة أخرى جديدة·
الخوف كل الخوف أن تتحول مناظر طيور الدجاج والحمام والإوز والفلامنجو ومالك الحزين، وهي معلقة من رقابها بالقفازات البلاستيكية لتأخذ طريقها إلى براميل الإحراق وهي حية ترزق، إلى مشهد مفضل، تستهل به نشرات الأخبار عناوينها اليومية المعتادة، الخوف كل الخوف أن تختفي الأجنحة المحلقة من سماء الأرض وضفاف البحيرات والأنهار وأغصان الأشجار، الخوف كل الخوف أن يتحول رمز حرية الطيور وتغريدها العذب، إلى مجرد ذكرى من الماضي الجديد الذي يتم تصنيعه حاليا، تماما كما هو الحال مع الذكرى المثيرة للديناصورات وما تلاها من مئات آلاف الأجناس الحيوانية المنقرضة، الخوف كل الخوف، أن تختفي لحوم الطيور أيضا، حتى من قائمة المشاوي في موائد وجبات المطاعم!

اقرأ أيضا