الاتحاد

دنيا

الإعلام يمارس البلطجة في انتخابات برلمان مصر


القاهرة - محمد عز العرب:
لا يمتلك الإعلام عصا سحرية لتغيير المجتمع وظواهره السلبية بين عشية وضحاها، لأن المشاركة السياسية عملية مجتمعية مستمرة، ولكن الاعلام له دور رائد يسبق المجتمع ويكون طليعة التغيير بدلا من الدور التعبوي والدفاعي عن الدولة الذي ميز الاعلام في سنوات مضت·
وفي حلقة نقاشية لتقييم الاداء الاعلامي في الانتخابات البرلمانية المصرية نظمها معهد الاهرام الاقليمي للصحافة بالتعاون مع كلية الإعلام في جامعة القاهرة طرحت الكثير من القضايا المتعلقة بدور الإعلام، وأدائه خلال الانتخابات وغيرها من الأمور التي نستعرضها في هذه العجالة:
د· محمود خليل -استاذ الصحافة بجامعة القاهرة- قال: 'لفترة طويلة ظلت الانتخابات البرلمانية المصرية تحتكم الى اساليب الدعاية والاتصال الشخصي، حيث يتحرك المرشح في إطار جغرافي محكوم ويعتمد على التواصل مع الناخبين لاقناعهم بشخصه وبرنامجه· وفي حدود ضيقة كان يتم توظيف الصحف في الدعاية لمرشحي الاحزاب المتنافسين على مقاعد البرلمان، إلا ان الامر قد اختلف في انتخابات برلمان 2005 إذ قامت لجنة السياسات الاعلامية برئاسة أنس الفقي وزير الاعلام المصري بتحديد ملامح خطة تتصل بالتغطية الاعلامية للانتخابات البرلمانية ووضع خريطة البرامج التي سيتم بثها خلال فترة الانتخابات وآليات التعاون مع مراسلي اجهزة الاعلام العربية والاجنبية'·
وقال: 'إن القنوات المحلية كانت اللاعب التليفزيوني الاول في هذه الانتخابات اضافة الى قناة البرلمان التي كانت تبث ارسالها بصورة اساسية لإقليم القاهرة الكبرى·
وذكر ان الصحف القومية المصرية اكثر اهتماما بمتابعة الحملات الانتخابية للمرشحين على مستوى اكثر تنوعا يشمل الدوائر الانتخابية المختلفة، في حين غلب الطابع المركزي على المعالجات التي قدمتها الصحف الأخرى خصوصا الصحف الخاصة حيث كان التركيز الاكبر على الأنشطة الانتخابية داخل دوائر القاهرة، لعدم توفر العدد الكافي من المندوبين لهذه الصحف داخل المحافظات'·
واوضح ان شبكة الانترنت شكلت مجالا مهما للتفاعل بين المرشحين والناخبين، من خلال عرض برامج الاحزاب على المواقع الخاصة بها على الانترنت· ورغم اهتمام الاعلام المصري بالانتخابات البرلمانية فانه لم يخلق اهتماما موازيا بالحدث لدى الرأي العام المصري، مدللا على ذلك بانخفاض نسبة مشاركة الناخبين في التصويت 24,9 في المئة وهي نسبة تقترب من المتوسط العام للمشاركة في انتخابات برلمان ·2000
عائد محدود
وقال د· هشام عطية -استاذ الصحافة بجامعة القاهرة- 'إن المعالجات الصحفية المتعلقة بالانتخابات البرلمانية ركزت على المتابعات الاخبارية التي تغطي التنافس بين المرشحين داخل الدوائر المختلفة في الوقت الذي أهملت فيه نسبيا الفنون الصحفية التفسيرية مثل: الحوارات والتحقيقات، مضيفا ان الصحف تعاملت مع الحدث من زاوية الاعلام اكثر من التثقيف لذا كان عائد المادة الصحفية محدودا في تحريض القارئ على المشاركة في الانتخابات'·
وذكر 'ان التليفزيون المصري اهتم اكثر بالبرامج الحوارية لكنها لم تعتمد على التوازن في تقديم ضيوف ينتمون الى الاحزاب السياسية، وكان الاهتمام الاكبر ينصرف الى الضيوف من رموز الحزب الوطني واعتمدت هذه البرامج على بعض الوجوه المكررة والمحفوظة لدى المشاهد'·
واشار الى 'اعتماد بعض الصحف الخاصة او القومية على زوايا الاثارة التي تجاوزت المعارك الكلامية والمشاحنات بين المتنافسين الى نقل بعض الهتافات التي يرددها انصار كل مرشح والتي كانت في احيان كثيرة تنطوي على جرائم قذف وسب صريحة، علاوة على نقل الشائعات ولاسيما المتعلقة بقيام مرشح معين بشراء اصوات الناخبين والتي وصلت الى 800 جنيه للصوت الواحد'·
وقال: 'لم تفرق اي من المواد التليفزيونية او الصحفية عند معالجة شؤون الانتخابات بين ما هو اعلام وما هو دعاية خصوصا فيما يتعلق بتغطية بعض الانشطة الانتخابية لمسؤولي الدولة من المرشحين عن الحزب الوطني، وان الصحف القومية لم تلتزم الحياد حيث بالغت في الهجوم على الافكار التي طرحتها جماعة الاخوان المسلمين·
واكد ان الصحف الخاصة اتخذت موقفا اقرب الى خندق الصحف الحزبية المعارضة، فتوسعت في نشر ما يسيئ الى بعض مرشحي الحزب الحاكم، خاصة اصحاب المناصب والادوار السياسية، وتوسعت في نشر ما يؤكد التدخل الحكومي في الانتخابات لصالح مرشحي الحزب الحاكم'·
وقالت د· ليلى عبدالمجيد -مدير مركز التراث الصحفي بجامعة القاهرة-: 'ان الاساس في التغطية الاعلامية لا بد ان يكون الدائرة وليس المرشح، مع الحرص على تحقيق التغطية المتوازنة بين الدوائر والمرشحين داخل كل دائرة وطبقا للمساحات او الاوقات المتاحة لتغطية الانتخابات'·
واوضح باسم سمير - مدير مركز الاندلس للدراسات-: 'ان الصحف القومية المصرية انحازت بشكل صارخ لمرشحي الحزب الوطني فعملت على ابراز المؤتمرات الجماهيرية التي يعقدها الحزب في المحافظات المختلفة في الوقت الذي لم تحظ فيه الاحزاب والتيارات السياسية الاخرى بمثل هذا الاهتمام· وتربعت صحيفة 'الاخبار' على قمة الصحف القومية المنحازة للحزب الوطني بنسبة 84,1 في المئة بينما حصل الاخوان على 6,2 في المئة وحصلت جبهة المعارضة على 1,41 في المئة· اما صحيفة 'الاهرام' فجاءت نسبة التغطية بالوطني بها 84,1 في المئة في الوقت الذي حصلت فيه جبهة المعارضة على 4 في المئة بينما حصل 'الاخوان المسلمين' على 5,9 في المئة· وفي 'الجمهورية' حصل الحزب الوطني على 76,6 في المئة وحصل الاخوان على 2,08 في المئة في حين حصلت احزاب المعارضة على 3,72 في المئة· وكانت 'روز اليوسف' من ابرز الصحف التي خصصت نسبة عالية من التغطية الاعلامية للاخوان المسلمين حيث حصلوا على 36,9 في المئة، وكانت سلبية جدا تجاههم في حين حصل الحزب الوطني على 45,6 في المئة وكانت ايجابية جدا لصالحه·
أعلى نسبة
وأكد ان صحيفة 'المصري اليوم' المستقلة أولت اهتماما كبيرا بالانتخابات البرلمانية فخصصت صفحة كاملة لعرض التنافس بين المرشحين في الدوائر المختلفة، إلا انها ركزت في تغطيتها على كل من الحزب الوطني الذي حظي بنسبة تغطية وصلت إلى 47 في المئة، وكذلك الاخوان الذين حصلوا على 32,7 في المئة في حين حصلت الجبهة الوطنية للتغيير على 3,1 في المئة من اجمالي التغطية وهي تغطية ضعيفة بالنسبة لحجم القوى السياسية المشاركة في الجبهة· أما صحيفة 'نهضة مصر' الخاصة فقد حرصت على تخصيص مساحات كبيرة لتغطية اخبار المرشحين بمختلف انتماءاتهم السياسية وكانت التغطية حيادية في معظم الاحيان، حيث تمتع الحزب الوطني بأعلى نسبة تغطية وصلت الى 46,93 ، وركزت ايضا على اخبار جماعة الاخوان المسلمين حيث وصلت التغطية الى 34,33 في المئة في حين حصلت جبهة المعارضة على 4,13 في المئة من التغطية الكلية لأخبار المرشحين·
واضاف: 'إن معظم الصحف الحزبية في مصر اتبعت سياسة الهجوم على الحزب الوطني الحاكم وفضح ممارساته وتجاوز مرشحيه لمحددات العملية الانتخابية مثل الحد الاقصى للانفاق واللجوء الى البلطجة، وغلب هذا الطابع المهاجم للحزب الوطني على الطابع الدعائي الذي كان من المفترض ان تهتم به الصحف الحزبية ووصل ذلك الى الدرجة التي لم تنشر فيها صحيفة 'الاحرار' المعارضة اي اخبار تخص مرشحيها او تحركات لجنة التضامن الحزبي التي يشارك فيها حزب الاحرار'·
وقال إن صحيفة 'المساء' كانت من اكثر الصحف القومية حرصا على طرح افكار كافة المرشحين ومنهم المستقلون، وخصصت مساحات كبيرة لعرض التنافس بين المرشحين في الدوائر المختلفة ولكنها حرصت على ابراز الحزب الوطني ومؤتمراته الجماهيرية في المحافظات المختلفة، فخصصت له بشكل شبه يومي خبرا رئيسا بالصفحة الاولى وعدة اخبار بالصفحات الداخلية ولم يتمتع اي فصيل من قوى المعارضة بما تمتع به الحزب الوطني من حيث نشر اخباره وتحركاته بالصفحة الاولى·
أداء تلفزيوني ضعيف
واشار الى اختلاف تناول القناتين الاولى والثانية بالتليفزيون المصري للانتخابات البرلمانية عن الانتخابات الرئاسية، حيث لم تقم القناتان بتقديم نشرة اخبارية خاصة او تقارير عقب الخدمات الاخبارية تتناول الانتخابات البرلمانية ومستجداتها بالشكل المطلوب إلا في اليومين السابقين للانتخابات، بل اكتفتا بوضع شعار خاص بالانتخابات اسفل يسار الشاشة ومن حين الى اخر اذاعة اعلانات في اطار حملة توعية الناخبين بأهمية المشاركة ودور البرلمان في المجالات المختلفة الى جانب اعلانات الحزب الوطني· واوضح ان اداء القناة الثالثة ضعيف جدا، حيث كانت تبث برامج المرشحين على فترات متباعدة في اليوم وبطريقة عشوائية تعبر عن عدم التنظيم والاستعداد الفني والتقني لتغطية الانتخابات البرلمانية·
جريمة
وأكد د· فاروق ابوزيد -عميد كلية الاعلام بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا- ان التغطية الاعلامية للانتخابات البرلمانية المصرية اذا لم تكن موضوعية وصادقة فإن الاعلام يرتكب جريمة في حق المجتمع لأن هامش الحرية المتاح حاليا يسمح للصحافة القومية والحزبية والخاصة بأن تعمل بكفاءة وتؤثر في الوضع السياسي العام· ، كما ان المنهج العلمي استخدم في التخطيط للانتخابات الرئاسية وخاصة مرشح الحزب الوطني من خلال الاستعانة بخبراء ومتخصصين وممارسين للعمل الاعلامي في حين غاب ذلك المنهج في الانتخابات البرلمانية رغم ان المرشح لعضوية البرلمان ينفق اكثر مما ينفقه مرشحو الرئاسة ولكنه يتبع الادوات التقليدية التي تعود الى القرن التاسع عشر·
وسلط ابوزيد الضوء على غياب الموضوعية في التغطية الاعلامية للانتخابات البرلمانية، حيث انحازت الصحف القومية لمرشحي الحزب الوطني، ودافعت الصحف الحزبية عن مرشحيها، وابرزت الصحافة الخاصة من يدفع اكثر علاوة على انتماء صاحب الجريدة، مضيفا ان احد الامور اللافتة في هذه التغطية الاعلامية هو هجوم الصحف القومية والتليفزيون المصري على فصيل سياسي مشارك في الانتخابات هو جماعة الاخوان المسلمين·
واكدت د· هدى بدران -رئيس رابطة المرأة العربية- إن الاعلام المصري مارس العنف في تغطيته لاجواء الحملة الانتخابية للمرشحين لعضوية البرلمان لدرجة تصل الى حد البلطجة، وهو ما يتضح جليا في الهجوم الصحفي والتليفزيوني على الاخوان المسلمين ويدخل في جرائم السب والقذف، مضيفة ان هذه المؤشرات تعبر عن عدم احترام القارئ والمشاهد، وهي جزء من قيمة عدم الاحترام السائدة حاليا في المجتمع المصري·
وقال اسامة هيكل -الكاتب الصحفي- إن الاعلام يتعامل مع المواطن المصري على أنه كاذب في حين يتعامل المواطن المصري مع الاعلام باعتباره مخادعا·

اقرأ أيضا