الاتحاد

دنيا

مهرجان دبي السينمائي نكهة عربية طاغية


دبي ـ إبراهيم الملا:
حسنا فعلت إدارة مهرجان دبي السينمائي باختيارها فيلم 'الجنة الآن' للمخرج الفلسطيني (هاني أبو أسعد)، كي يكون فرس الرهان وسط العروض العربية والقارية والعالمية، فاختيار (الجنة الآن) يصب وبقوة في مصلحة الهدف العام من المهرجان المعني أساساً بتقريب وجهات النظر المتباينة والمغلوطة أحياناً بين المنطلقات الفكرية والظروف النفسية والاجتماعية التي تحاصر البيئات الشرقية، وبين سوء الفهم القائم على الجهل والانغلاق والأنانية السوسيولوجية التي يعاني منها الغرب، خصوصا فيما يتعلق بتفسير كلمة (الإرهاب) أو (العمليات الانتحارية)، لأن هذا الفهم المغلوط لا يلتفت ولا يدير بالاً للضغوط الفكرية والأيديولوجية الهائلة التي يمكن أن تحول الشخص العادي والبسيط والمسالم إلى شخص مملوء بالشروخ والتمزقات والانفجارات الداخلية، خصوصا عندما يقوم هذا الشخص ذاته بتفجير نفسه والآخرين وتعميق أزمة الكراهية وعدم الفهم بين الضحية والجلاد أو بين الحامل لإرث ثقيل من الظلم والتغييب والقسوة وبين المانح لهذا الإرث المرّ والمنشغل في أغلب الأحيان عن تبعات الاستهانة بالآخرين وما تجره هذه الاستهانة من ذل وازدراء وتصغير ونفي كامل من الذاكرة ومن الوجود أيضا·
فيلم 'الجنة الآن' المرشح ضمن خمسة أفلام للمنافسة على جوائز الفيلم الأجنبي في احتفالات الأوسكار المقبلة، يطرح ما يشبه الدراسة النفسية والتشريحية لدوافع الانتحاريين وبشكل لا يخلو من العمق والجدية والنقاش والتحليل، خصوصا وأن أسئلة الحادي عشر من سبتمبر مازالت تبحث في الغرب عن إجابات شافية ومرضية·
ويبدو من نوعية الأفلام المدرجة ضمن عروض هذه الدورة أن إدارة المهرجان انحازت هذه المرة وبشكل أكبر للسينما المجهولة والبعيدة وللرؤى والتعابير البصرية المخلصة لجاذبيتها الفنية وطرحها الإنساني وخصوصيتها المكانية والجغرافية، فمن قسم (أصداء من آسيا) مرورا بـ (أرض الأفلام الوثائقية) و (الليالي العربية) وليس انتهاء بـ (تكريم أفريقيا) تتجول أفلام هذه الدورة بين مناخات سينمائية متنوعة وبين هويات اثنوغرافية تتقابل أكثر مما تفترق من خلال لغة بصرية واحدة وبمساعدة وسيط ثقافي يخاطب الروح قبل العين، ويعزز المثال المفتقد بين شعوب الأرض، هذا المثال الذي شوهته الحروب الظالمة والانتهاكات العرقية والتمايزات الطبقية وفائض الخوف والفقر والقلق، وعجز العدالة والكرامة والتسامح·
خروج عن الذاكرة
من قضايا الشبان الاستشهاديين، ومرورا بقضايا الفقر وانعدام الحريات الفكرية والتعبيرية، تحاول الأفلام المطروحة في قسم (الليالي العربية) أن تتسلل إلى هذه المناطق المحرمة والقابعة دائما في حزام مغلق من التابوهات، وأن تعبر عنها بلغة فنية وبصرية تخلو من الخطابة السياسية المباشرة والشروط التاريخية المكرورة والثقيلة، ففيلم مثل (باب الويب) للمخرج الجزائري (مرزاق علواش) والمدرج في برنامج (الليالي) يتحدث عن الواقع المزري والأحلام الصعبة لشاب مدمن على الإنترنت، حيث يجد هذا الشاب في محاورة الآخرين الغرباء نوعا من الخلاص والبحث عن طرق بديلة لتغييب الواقع والخروج إلى عوالم افتراضية وفراديس متخيلة ·
وفي فيلم (ذاكرة معتقلة) لجيلالي فرحاتي يتحدث الفيلم عن مجرم سابق يسعى لمساعدة رفيق له في السجن مصاب بفقدان الذاكرة، وذلك عندما يمضيان في رحلة بحث مثيرة للعثور عن إشارات أوشخوص قادرين على إعادة علاقة هذا السجين بالحياة مجددا·
أما فيلم(المذبحة) الوثائقي المثير للجدل والذي يتحدث عن فضائع صبرا وشاتيلا في بيروت العام 1982 ، فهو يغوص في الأعماق الداكنة والمروعة لستة من ميليشيات القوات اللبنانية الموالية لإسرائيل آنذاك، ويقدم الفيلم صورة بشعة عن الذاكرة الحاضرة والتفصيلية لهؤلاء القتلة·
ويتحدث فيلم (آخر قمر) للمخرج التشيلي من أصل فلسطيني (ميغيل ليتين) عن الصداقة التي تنهار فجأة بين يهودي وفلسطيني خلال الحرب العالمية الأولى، وينقب المخرج في الأحداث المجهولة التي قادت إلى زرع بذور الكراهية بين اليهود والعرب بعد قرون من العيش المشترك، ومن خلال كاميرا تغوص في التفاصيل الدافئة يحاول (ليتين) أن يعيد الاعتبار للعاطفة الإنسانية الفطرية بعيدا عن الخلافات الدينية والسياسية·
واحتوى هذا القسم على أفلام مهمة أخرى تراوحت بين الروائي والتسجيلي نذكر منها:
( يوم آخر) و( الحياة البائسة لخوانيتا ناربوني) و( انتظار) و(حكايات من الواد) والفيلم المصري الفرنسي المشترك (دنيا) من بطولة حنان ترك ومحمد منير ومن إخراج اللبنانية (جوسلين صعب)·
كوميديا سوداء
تشتهر الأعمال الأوروبية بميلها وانحيازها القوي لسينما المؤلف وإلى العوالم الداخلية للشخوص، كم أنها سينما مخلصة للحس الأدبي والروائي ، وهي بذلك تمتلك خصوصية تضعها في منأى عن تقليد الأفلام الهوليودية الباذخة والمبهرة والتي لا تتجاوز السطح الفني في أغلب الأحيان، السينما الأوروبية اختارت هذا الهوى وهذا المزاج التعبيري من خلال تراكمات وظروف تاريخية وسياسية عارمة ومفصلية، وهي بذلك تمتلك إرثا فنيا وجماليا لا يمكن التفريط به، فالواقعية الإيطالية أثبتت مثلا أنها حية من خلال الأعمال الجديدة التي أطلقت موجة الواقعية المعاصرة أو الواقعية المتجاوزة، وذلك للتحدث عن الظروف والوقائع الجديدة ولكن من دون التخلي عن تقاليد المدارس السينمائية العريقة، و(تاركوفسكي) كمثال آخر، مازال لسحر المدرسة الشعرية التي انتهجها في السينما تأثيرها القوي والحاضر في أجيال أوروبية شابة تنظر للسينما بحنين فني وباشتغال روحاني يخلص لقيمة الصورة كشكل إبداعي مجاور ومنكشف على الفنون الإنسانية الأخرى·
إن وجود فيلم مثل (مختبئ) للألماني مايكل هانكه بخطوطه الدرامية القاتمة والمشتغلة بدقة على عوالم الجنون والارتياب في قسم ( المقهى الأوروبي)، سوف يثري بلا شك برامج هذا القسم، كما أن تواجد المخرج الكبير(كوستا غافراس) بفيلمه (الفأس) سوف يمنح هذا القسم بدائل أخرى للبحث في السينما الداكنة التي يترجمها (غافراس) بأسلوبه المتجه نحو تحليل الظواهر الاجتماعية والسياسية وإزالة قشرتها السميكة من أجل التحرش بالأعماق ونبشها، سواء كان ذلك من خلال الكوميديا الجارحة، أومن خلال السينما المندفعة والصادمة·
وسيكون جمهور هذا النوع من السينما على موعد مع أفلام تنحو في ذات السياق ، فأفلام مثل:(عواقب الحب) و(البستاني المخلص) و(قتل الكلاب) هي أقرب للأسئلة السيكولوجية التي تحاول الابتعاد عن وضع أجوبة حاسمة وقاطعة، وهي أفلام يمتزج فيها حس البحث والتجريب البصري مع حس الانشغال بالكون الداخلي للإنسان وما يحمله هذا الكون في داخله من قلق وهواجس وذاكرة مجهولة ومندسة في اللاوعي·
أصداء من آسيا
تعاني سينما كوريا واليابان والصين وهونج كونج من ضعف الرواج في الشرق الأوسط، على الرغم مما تتمتع به هذه السينما من أصالة متجددة وفلكلور بصري وروائي ينتمي لتقاليده الشرقية الخاصة ولمرجعياته الروحانية المتصالحة مع شروط الحداثة،وذلك ضمن فهم ووعي مختلفين ومستقلين مقارنة بما تطرحه التجارب الفيلمية الأخرى في العالم، هذه النوعية المستقلة من الطرح البصري والموضوعي جعلت الكثير من شركات الإنتاج الهوليودية تلجأ لاقتباسها وتحويرها بعد ذلك وفق الهوى التجاري والربحي الذي يضيف الكثير من الخلطات الزائدة على الفيلم الأصلي كي يتحول إلى شكل آخر يبدو مبهراً من الخارج ولكنه من الداخل مجرد مسخ وتشويه للأصل!
طرح هذا القسم في برامجه فيلما مهما هو(انتخابات) والذي رشح للمنافسة على إحدى جوائز مهرجان كان، وهذا الفيلم القادم من هونج كونج وتحت إدارة المخرج غزير الإنتاج (جوني تو) يتحدث -ومن دون اللجوء لمشاهد القتال المعروفة والمكرورة- عن تاريخ العنف الدموي في ميراث العصابات الصينية، ويحاول الفيلم من خلال سرد قصة المنافسة على زعامة إحدى العصابات البحث والتنقيب عن الجذور القديمة والمتوارثة للأساليب القتالية وكيفية ترجمتها وترويضها في الصراعات الناشئة بين عصابات المدن الحديثة·ويعتبر فيلم (2046) للمخرج المعروف : ( وونج كار- واي) امتدادا لفيلمه العاطفي الساحر (في مزاج للحب)، حيث يعيد المخرج ذات الظلال والأجواء الحميمية التي شيدها برفق وشاعرية مرهفة في فيلمه السابق، ولكنه يمنح بطل الفيلم هذه المرة فرصة أكبر للتبحر في ذكرياته الماجنة وللخروج والتمرد على واقعه المغلق والمكرور رغم انسيابيته، وبغض النظر عن التغييرات الكبيرة التي أجراها المخرج على شخصيات الفيلم واستدعاءاته المربكة للزمن، إلا أنه ظل أمينا لأسلوبه الخاص المتمثل في إشراك التأثيرات المكانية والتقلبات الطقسية والديكورات الطبيعية في التلاعب بأمزجة وأحاسيس الشخصيات الرئيسية في القصة·
احتوى القسم أيضا على أفلام أخرى مهمة مثل: (المبارز) من كوريا الجنوبية، و(الطاووس) الصيني الفائز بجائزة الدب الفضي في مهرجان برلين السينمائي·
تكريم ناقص
بدا واضحاً أن العمليات التنظيمية والتحضيرات المسبقة لمهرجان هذا العام قد أخذت مسارا احترافيا واضحا، سواء من ناحية الاختيارات أو من ناحية تحديد وتصنيف البرامج، ورغم الجهد الانتقائي الكبير الذي بذله المشرفون على البرامج، إلا أن الهنات التي رافقت الترجمة العربية للأفلام وللتفاصيل المتعلقة بها ما زالت بحاجة للتدقيق وإعادة النظر، كما أن تداخل التصنيف بين بعض الأقسام كان مربكا بعض الشيء، كأن يكون الفيلم أقرب لبرنامج ( تفعيل الجسور الثقافية) ولكنه منضوٍ تحت قسم (الليالي العربية) وكأن يكون الفيلم عربيا ولكنه لا يجد فرصة للتواجد في الأقسام الأخرى ـ (تكريم أفريقيا) لم يشمل أي فيلم عربي من شمال أفريقيا ـ هذا التداخل بين اختصاصات الأفلام كان سببه المباشر ضعف التنسيق و ضبابية التوجيه الصحيح لهوية الفيلم· والانتقاد الكبير الذي يمكن أن يوجهه المرء لإدارة المهرجان تتمثل حول اختيارات قسم (تحت دائرة الضوء) فللسنة الثانية على التوالي يقوم هذا القسم باختيار شخصيات سينمائية من مصر والهند، ومع احترامنا لتاريخ عادل إمام الفني-مثلا- إلا أنه لم يعد بحاجة كي يكون تحت أي دائرة ضوئية، فالهدف من هذا القسم -حسب ما يطرحه عنوانه- يجب أن يكون للسينمائيين الذين ظلمهم الإعلام العربي وغيبهم التجاهل التجاري والإنتاجي الذي يميل لأعمال الكوميديا والإثارة ويهمل أصحاب التوجهات الفنية العميقة والمخلصة للسينما كشكل إبداعي قبل أن يكون أي شيء آخر لا علاقة له بالسينما، نذكر هنا أسماء مثل: المخرج الجزائري الكبير الأخضر حامينا، والتونسي رضا الباهي، وأحمد الراشدي، وناصر خمير، و نوري بوزيد، وتوفيق صالح، ومحمد شويخ··· وغيرهم من السينمائيين الذين يحتاجون فعلا لمساحة من الضوء الإعلامي والاهتمام النقدي، خصوصا وأنهم عاشوا تجارب تشبه المنافي الذاتية والجغرافية والاغتراب والتغييب والإحباط الذي جعل بعضهم ينسحب، وجعل الآخر يقاوم بصمت وبعرفانية مخلصة لتوجهاتها وخياراتها الفنية، ولكن إلى متى···؟ سؤال نوجهه لإدارة المهرجان، ونتمنى أن تكون الدورة المقبلة أكثر إنصافا لهؤلاء المنسيين تحت ظلالهم الباردة والبعيدة·

اقرأ أيضا