الاتحاد

عربي ودولي

بريجيت زيبريس إرث على المحك


السعد عمر المنهالي:
يجد الأوروبيون أنفسهم أمام أزمة أخلاقية كبيرة تضع قيم الديموقراطية وحقوق الإنسان التي يعدونها إرثهم الحضاري العظيم على المحك، وذلك بعد تقارير إعلامية -بعضها وارد من مؤسسات دولية لحقوق الإنسان- تؤكد وجود معسكرات سرية لجهاز المخابرات المركزية الأمريكية، تحوي معتقلين تم نقلهم والعبور بهم في مطارات أوروبية، ورغم الثورة التي بدأت في أوروبا وبرلماناتها والتي حملت انتقادات واسعة للاميركيين والحكومات الأوروبية المتعاونة، يرى البعض أن العجلة في الحكم على الحالة سابق لأوانه، وأننا علينا أن ننتظر ونتروى·· كما قالت وزيرة العدل الألمانية 'بريجيت زيبريس' في السادس والعشرين من نوفمبر الماضي 2005 في عرض تعليقها على التقارير·
ولدت 'بريجيت زيبريس' في السادس عشر من نوفمبر عام 1953 في مدينة 'كاسيل' وسط ألمانيا -كانت تابعة للشطر الغربي قبل التوحيد-، التحقت عام 1972 بجامعة 'غيسن' لدراسة القانون الذي حصلت على درجته عام ،1977 واستطاعت أن تجتاز الاختبار التدريبي منذ عام 1980 والذي كان في المحكمة الاقليمية·
التحقت 'بريجيت' فيما بعد بجامعة 'غيسن' التي درست فيها لتصبح عضوا في السلك الأكاديمي حتى عام ،1985 غير أنها غيرت مسارها الوظيفي بعدما التحقت بالعمل في مؤسسات الدولة في ألمانيا الغربية بـ'هيسين' كمساعدة لرئيس قسم المستشارية حتى عام ،1988 وفي ذلك العام انضمت إلى الهيئة الأكاديمية في المحكمة الاتحادية الدستورية حتى عام ،1990 وذلك قبل أن تصبح رئيسة لقسم المستشارية في ولاية 'ساكسوني السفلى' لمدة أربع سنوات قبل أن تصبح مديرة لإدارة المستشارية عام 1995 في ذات الولاية لمدة عامين حتى عام ·1997
استطاعت 'بريجيت' بعد ذلك التاريخ أن تنضم إلى الحكومة الفيدرالية، وفي نوفمبر عام 1998 التحقت بالعمل في وزارة الداخلية بعد وصول حزبها الديموقراطي الاشتراكي إلى السلطة، وفي الثالث والعشرين من أكتوبر عام 2002 شغلت منصب وزيرة العدل في الحكومة الفيدرالية الألمانية محل 'هيرتا دويبلر-جميلن' وزيرة العدل السابقة بعد تصريحات كانت قد أدلت بها الأخيرة وتسببت في توتر العلاقة بين كل من ألمانيا الاتحادية والولايات المتحدة الأمريكية، وصفت خلالها الرئيس 'بوش' بهتلر، ولعل تلك الحادثة التي تسببت في صعود 'بريجيت زيبريس' إلى مصاف الوزراء واستمرارها في حكومتين حتى الآن (جيرهارد شرودر وانجيلا ميركل) تعد كافية لتأخذ الوزيرة حذرها تماما فيما تقوله حول أمريكا، حتى لو غضبت القارة الأوروبية بأكملها من بوش وإدارته!·
بقع سوداء
ينظر الأوروبيون دوما إلى حقب بذاتها من تاريخهم كان فيها اعتداء منهم على القيم الإنسانية في أي مناسبة بأنها بمثابة البقع السوداء، يبذلون في سبيل محوها الغالي والنفيس، ولذا ما إن خرجت صحيفة 'واشنطن بوست' في صباح الثاني من نوفمبر عام 2005 بخبر وجود سجون تعود للحقبة السوفييتية تستغل من قبل المخابرات المركزية الأمريكية لاحتجاز واستجواب مشتبه بهم، حتى فتحت أغلب دول الاتحاد الأوروبي تحقيقات على مستويات مختلفة للتأكد من صحة التقارير الإعلامية وما أعلنته بعض منظمات حقوق الإنسان الدولية، فتأخر حكومات الدول الأوروبية في فتح تحقيقات حول الشبهة من شأنه في قيم تلك المجتمعات إسقاطها·
ظل ملف حقوق الإنسان دوما في رأس الأولويات على طاولة التفاوض الأوروبية مع أي طرف آخر في العالم في أي شأن، فقد اشترط الاتحاد الأوروبي على الدول الراغبة في الانضمام للمنظومة الأوربية النظر في ملف حقوق الإنسان لديها، وليس أشد دلالة على ذلك من الموقف الأوروبي إزاء انضمام تركيا للاتحاد، ومفاوضات بروكسل الطويلة والحادة مع أنقرة، كما أن معيار احترام حقوق الإنسان كان شرطاً دائماً في أي مساعدات مهما كان نوعها يقدمها الاتحاد الأوروبي، وسجلاً يجب مناقشته مع الدول التي تعد دوليا من المنتهكين لهذه القيمة·
ولهذا استنفر الأوروبيون ما أن أخذت التقارير المشيرة للسجون السرية في الانتشار، لاسيما وأن مصداقية احترام الأوروبيين لحقوق الإنسان على المحك، فقد أظهر الأوروبيون دوماً احتراماً خاصاً لقيم المجتمع الدولي والشعوب الحرة حتى وإن تعارض ذلك مع مصالحهم ومصالح حلفائهم كما حدث من موقف أغلب دول الاتحاد الأوروبي من ضرب العراق كونه قراراً غير قائم على الشرعية الدولية··ولذا جاء فعلها سريعا للتأكد من حقيقة التقارير الدولية حول استخدام مطارات بعض دول الاتحاد الأوروبي في نقل معتقلين من العراق وأفغانستان واستخدام سجون سرية في اعتقال مشتبهين·
كانت المعطيات الأولية حول فضيحة السجون السرية قد بدأت بتقارير حول استغلال عدد من مطارات أوروبية لنقل مشتبه بهم يعتقد أن لهم صلة بالإرهاب -من وجهة نظر الأمريكيين- بصورة غير شرعية، وحسب الادعاءات الصحفية فإن هناك ست مطارات أوروبية تم نقل المعتقلين خلالها واحتجازهم فيها، منها أسبانيا وألمانيا والسويد وايسلاندا والنمسا والبرتغال، وحسب تلك التقارير فإن بعض هذه الدول سمحت بنقل وتسليم ما يقارب من سبعين معتقلاً إلى دولهم، في حين يحتجز ما يقرب إلى الثلاثين معتقلا آخر في سجون سرية لم تحددها التقارير بالدقة·
وإن كانت الولايات المتحدة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 قد وقعت مع دول الاتحاد الأوروبي اتفاقيات مشتركة لتبادل المعلومات لمكافحة الإرهاب، إلا أن هذا الإجراء لم يقره الأوروبيون أبدا على أنه انتهاك للقيم الأساسية لاتفاقية حقوق الإنسان لمنظومة الاتحاد الأوروبي وما وقعت عليه كل الدول الأعضاء والمقدمين لطلب العضوية، والتي تمنع تماما استخدام معسكرات اعتقال سرية· ولهذا جاء نفي عدد من العواصم الأوروبية سريعا لاسيما الدولتان رومانيا وبولندا اللتان اتهمتهما مباشرة منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان الأمريكية 'هيومن رايتس ووتش' وذلك على لسان وزير الدفاع البولندي ووزير الداخلية الروماني اللذين نفيا الادعاءات وأكدا أنها لا تشكل أساساً حتى لفتح تحقيق·
لا نملك الرد
جاء نفي بعض العواصم الأوروبية قاطعاً في احتمال تواطئهم بهذه الفضيحة مع الأمريكيين، في حين كان موقف الأمريكيين غامضاً وغريباً، فما كان رد البيت الأبيض على استفسارات مؤسسات ومسؤولين أوروبيين سوى بالقول 'أعطونا الوقت الكافي··لانملك الرد'، في حين جاء تعليق وزيرة الخارجية الأمريكية أكثر غموضاً، فلا أنكرت ولا أكدت وجود السجون، وإن كانت رحلتها التي من المفترض أنها تقوم بها مطلع الشهر الجاري 'ديسمبر' في عدد من العواصم الأوروبية، تحاول من خلالها الرد على استفسارات الحكومات الأوروبية حول عدد من القضايا وعلى رأسها 'موضوع نقل سجناء عبر أوروبا إلى سجون سرية فيها وخارجها'، كما أنها 'مستعدة للدخول مع نظرائها الأوروبيين في أي مناقشة··'·
يبدو أن الأمريكيين وإنْ لم يعطوا التفسيرات المباشرة لسبر غور حقيقة الفضيحة الجديدة -والتي تضاف إلى سلسلة طويلة من الفضائح المحيطة بإدارتهم في البيت الأبيض في هذه الفترة-، إلا أنهم يولون أهمية مضاعفة لعلاقاتهم مع الأوروبيين، ولهذا كان رد الخارجية الأمريكية بقولها 'لمصلحة علاقاتنا الوثيقة جداً مع أوروبا، ولمصلحة العديد من المنظمات التي تمثل أوروبا، سنفعل أقصى ما نستطيع - كحكومة أميركية - للإجابة على الأسئلة الموجهة إلينا بأكثر ما يمكن من المباشرة والصراحة·'
لم تول الإدارة الأمريكية هذا القدر من الجدية في تعاملها مؤخرا مع بعض الفضائح التي لحقت بها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر استخدام الأمريكيين للفسفور الأبيض في عملياتهم في الفلوجة ديسمبر عام 2004 والذي أعيد إثارة النقاش حوله مجددا، غير أن العلاقة المباشر للأوروبيين بالفضيحة الجديدة تجعل للحادثة بعداً آخر تماماً· فقد اتخذت العلاقات الأوروبية الأمريكية في الفترة الثانية لولاية الرئيس الأمريكي 'جورج بوش' منحاً آخر، يتسم بالوفاق بعد فترة حكمه الأولى والتي شهدت تصدعاً مكلفاً للأمريكيين والأوروبيين على حد سواء·
ظلت أوروبا خلال الفترة الأولى من حكم الرئيس الأمريكي باردة في علاقاتها مع الأمريكيين بسبب عدم احترام الإدارة في واشنطن لقيم الشرعية الدولية، الأمر الذي تصاعد بعد الحرب الأمريكية على العراق وزاد من تمزق روابط الصلة بين طرفي الأطلسي، وأدخلت عودة الولايات المتحدة الأمريكية الجزئية إلى الحظيرة الدولية دفئاً للعلاقة من جديد، غير أن اختراق قيم الديموقراطية وعدم احترام حقوق الإنسان على الأراضي الأوروبية يعد أكثر مدعاة لتجميد العلاقة بين الجانبين وليس برودتها فقط·
عذر وذنب
أعلنت أغلب الحكومات الأوروبية في الخامس والعشرين من نوفمبر 2005 انتظارها تفسيرات من الإدارة في واشنطن حول حقيقة التقارير، ورغم الإلحاح الذي أظهرته كافة المؤسسات الأوروبية الرسمية والشعبية للحصول على تفسير، لم ترد الإدارة الأمريكية إلا في الثلاثين من نوفمبر أي بعد خمسة أيام كاملة كانت كافية لضغط البرلمانات الأوروبية على حكوماتها للحصول على تفسيرات مقنعة، غير أن الأهم هو البدء عملياً في فتح تحقيقات في ألمانيا وبولندا ورومانيا وأسبانيا، في حين قام المجلس الأوروبي -الجهة الرئيسية المسؤولة عن حقوق الإنسان في أوروبا- بتعيين السويسري 'ديك مارتي' للتحقيق في الادعاءات، وهو ما يركز كما يقول رئيس المجلس الأوروبي 'تيري دافيس' على نقطة إنْ كانت الحكومات على علم بتلك الأفعال أم لا!'· ولأن الأمر يهز الحكومات بأعضائها، فإن أغلبها تفضل الانتظار على التعليق لإرضاء المهتمين من شعوبها، وهذا ما علقت عليه 'بريجيت زيبريس' وزيرة العدل للقناة الثانية في شبكة التلفزيون الرسمية، بقولها : 'نحن في انتظار نتائج التحقيقات ونأمل أن يعبر الاميركيون علناً عن موقفهم'، ويبدو هنا أن الانتظار أفضل بكل تأكيد من استعجال غضب الشعوب·

اقرأ أيضا

واشنطن ستسمح بالاحتجاز غير المحدد بوقت لأطفال المهاجرين