معرض الكتاب

الاتحاد

قصة أول معجم للعامية الإماراتية يؤصلها في اللغات الأخرى

جمال الصلاحات

جمال الصلاحات

شـهيرة أحمد (الاتحاد) ـ إذا كانت الكلمات تحيا وتورق وتموت فتسقط من ذاكرة الناس على مستوى الاستخدام اليومي، فإن المعاجم تتسع للحي والميت من الألفاظ.. وفي عصر انحسار الهويات وذوبان الذوات الحضارية تبدو اللغة، وهي هنا العامية الإماراتية، سفن النجاة التي تتحصن بها الدول للدفاع عن حضورها في الزمان والمكان، ولإبراز قسمات وجهها الثقافي. وفي التجربة الإماراتية التي تحرص على الهوية والذاكرة يكتسب العمل على تأصيل العامية الإماراتية دلالات أكثر أهمية.
مناسبة هذا الكلام هو مشروع ثقافي مهم يسعى لإنجاز معجم لألفاظ العامية الإماراتية تتبناه مؤسسة “انجنسيا” في أبوظبي، صدر الجزء الأول منه تحت عنوان: “من معجم ألفاظ العامية دراسةً وتأصيلاً”، وسوف يقام له حفل توقيع في جناح صالون “الملتقى” الثقافي في معرض الكتاب. وهو الحلم الذي سكن رأس الشاعر والباحث الموسوعي صلاح حيثاني منذ تسع سنوات، وها هو يتحول إلى حقيقة بدعم وتبن من صاحبي شركة “إنجنسيا”؛ الدكتور جمال الصلاحات والسيد أحمد الجشي.
يقع المعجم في ثلاثة أجزاء تضم بين أعطافها 360 صفحة تغطي الحروف من الألف إلى الجيم، وهي المرحلة الأولى، كما يقول الدكتور جمال الصلاحات، وسيعقبها صدور باقي الأجزاء التي تضم باقي الحروف قبل نهاية العام الجاري”، لا سيما وقد اكتملت المادة كلها على مستوى الجمع بين يدي المؤلف.
ويضيف: “لقد عثرنا لدى صلاح على ما كنا نبحث عنه باستمرار: الإسهام في الثقافة الإماراتية، وترك بصمة أو علامة مميزة فيها، ليس فقط على سبيل رد الجميل لهذا البلد المضياف وإنما لأن الإمارات، حالة نادرة في التقدم والحداثة، وفيها من الامتيازات ما يضاهي الدول المتقدمة”.
وينفي أحمد الجشي تماماً أن يكون العامل الربحي، أو الكسب، حاضراً في هكذا مشروع، وإلا “لذهبنا الى كتاب تجاري ناجح بألفاظ السوق، لكننا تبنينا الفكرة ونحن نعلم أن العائد قد لا يغطي تكاليف الكتاب بل نصفها حتى. لقد حملنا على عاتقنا هذه المسؤولية تقديراً لبعدها الثقافي وأهميتها ومن دون أن نقوم بأي دراسات جدوى. كان رهاننا، ولا يزال، على صلاح حيثاني وثقافته الواسعة ودأبه وشغفه ودقته المنهجية التي تجبر أي شخص على احترامها والحماسة لها. لو كنا نبحث عن المردود المادي لما دخلنا هذه المغامرة الجميلة”.
ويضيف الجشي: “بالطبع، نحلم ونتمنى أن يكون للكتاب صدى واسعاً بين القراء خاصة جيل الشباب من الإماراتيين الذين يحرصون على معرفة لهجتهم وأصولها”.
ويلتقط جمال الصلاحات خيط الحديث ليؤكد أن البعد العلمي هو الفيصل في هذا العمل، وهو ما يظهره “حرصنا على صدور الكتاب في أفضل صيغة ممكنة، وتأجيلنا لإصداره مرات عدة، فقد كان من المفترض أن يصدر المعجم في شهر مارس من العام المنصرم 2012، لكننا أجلنا الإصدار إلى شهر مايو 2012 ثم الى يناير 2013 ثم إلى أبريل 2013، وكل ذلك رغبة في الإتقان أولاً وحرصاً على أن يكتمل المشروع تماماً في رؤيته وفلسفته وأغراضه، وهذا لا يتوفر بالطبع لأي كتاب يستهدف الربح فقط”.
ويتابع الصلاحات: “نحن نطمح إلى أن يكون الكتاب مرجعاً في المؤسسات العلمية والأكاديمية ومراكز البحوث والجامعات وغيرها، كما نحلم بأن يتواجد في كل سفارات الدولة في الخارج ككائن قادر على تعزيز فكرة الهوية، وأن يوزع في المناسبات المختلفة كمرجع يوثق الروح الإماراتية في بعدها اللغوي”.
من جهته، لا ينسى صلاح حيثاني أن يتحدث عن الفريق الذي عمل معه، كما لا يفوته أن ينوه إلى أهمية الدور الذي لعبته مؤسسة (انسجنيا) من أجل تبني فكرة المشروع بكافة متطلباته، مؤكداً أن قيام فرد أو مؤسسة ما بدعم العمل الثقافي في هذه الأوقات شيء نبيل يستحق التقدير. كما يثني ويشكر كل من ساهم أو دعم هذا الكتاب من قريب أو بعيد ومنهم: إياد منذر عباس الذي كان له فضل التقاء المؤسسة بالمؤلف، و السيدة نادية الخضري شريكته في العمل، والسيد خميس عبيد البدواوي، والكاتب إصلاح عبد الفتاح الذي قام بتصميم وإخراج الكتاب والبروفيسور قاسم السامرائي، والبروفيسور الراحل يان برخمان، والبروفيسور أكرم الجسار، والبروفيسور يان ويتكام، الذي وفّر كل ما احتجته من مصادر في مباحثي المختلفة، والسيدة أسماء صدّيق المطوع التي تبنت توقيع الكتاب في صالونها بمعرض أبوظبي الدولي للكتاب.
وفي فكرة التأصيل، وهي الإضافة العلمية والمعرفية الحقيقية التي يقدمها هذا المعجم، يقول صلاح حيثاني: “منذ سنوات طويلة والشغف لم يفارقني في تأصيل المفردات وإرجاعها إلى سياقاتها اللغوية الأصلية، ثم تطوّر ذلك على نحو مختلف أثناء ترددي طوال خمس عشرة سنة على قسم الدراسات الشرقية والآشوريات في جامعة ليدن العريقة بهولندا، وهو الأمر الذي خرجت منه بحصيلة كبيرة على مستوى التوفّر على أفضل المصادر في هذا الباب والتي لا يمكن تحصيلها في مكان آخر، مثلما أتيح لي في الجامعة بتقاليدها العريقة وريادتها في العناية بالاستعراب والاستشراق وباللغة العربية وآدابها ومعجميتها على وجه الخصوص.
ولعلّ من أهم الأسباب التي دفعتني إلى تأليف هذا الكتاب هي الرغبة الشخصية الكبيرة التي دفعها وعزّزها، لتكون محاولة جادة في الشروع بالعمل، معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع في دولة الإمارات العربية المتحدة، والأستاذ محمد أحمد السويدي الذي التقيته لأول مرة في شهر فبراير من عام 2003 واستمر العمل منذ ذلك الحين على مجموعة كبيرة من المباحث اللغوية والرحلات داخل الدولة. كما أن وجود معجم جديد في الساحة سيعمل على جعل المحكية الإماراتية متاحة بتنوّع واجتهادات أوسع، وبثراء أكبر لأن كل مؤلَّف جديد سيعمل على إضافة مفردات وتعبيرات ربما لم تكن موجودة في المؤلفات التي سبقته”.
وعن منهجه في تأصيل المفردة العامية يقول صلاح حيثاني: “إن المنهج الذي اتبعته في هذا المعجم يتأرجح بين التأصيل الذي يستوجب ملاحقة المفردة في مجموعة من المعجميات بعد أن أقوم ببيان المراد منها في العامية الإماراتية، ثم أسوق بيتا أو مثلا أو كناية أو تعبيراً إماراتياً شائعاً في الغالب، وأحياناً من شعراء النبط من محيط الإمارات لأن الشعر النبطي يشترك في معظمه بالقاموس ذاته، وخصوصاَ الشعر الذي يمكن اعتباره تأسيسيا، أو ما يمكن أن نصطلح عليه بشعر الرواد.. بعد ذلك أذهب إلى البحث عن الأصل الذي تحدرت منه المفردة من خلال المعجم العربي، بعد أن أزيل عنها مجموعة من الظواهر التي ربما تكون قد علقت بها نتيجة لاستعمالات العوام. وإذا لم يكن لها أصل في المعجم العربي، أحاول أن أجد اللغة التي انحدرت منها ثم أضع المفردة في لغتها الأم، وأبيّن التغييرات التي طرأت عليها، وأسوق أمثلة إن وُجدت. وأحيانا أذهب للأبعاد الميثيولوجية عندما تكون المفردة محمّلة بالكثير من الدلالات، واشتركت فيها أكثر من لغة وتنازعها أكثر من قاموس.
ومرات يتم التعامل مع بعض المفردات على أنها معرّبة، وعند التحقيق أكتشف أن لها أصلا في اللغة العربية، فأعيدها إلى جذرها وأبيّن ما طرأ عليها بشواهد من النصوص التراثية الموروثة، ثم أتعقّبها في المعجميات المختلفة وأعود بها إلى بيتها الأول”.
ويرى صلاح حيثاني أن التنوّع في طريقة تناول المفردات وتأصيلها “يجعل القارئ يكتشف أبعادا جديدة ويفكر في الوجوه العديدة التي تتعرض لها المفردات في طريقة حفظها لنوعها من الزوال والانقراض، فتعدد هذه الوتائر والطرائق سيكون عاملا إيجابيا في دفع الملل عنه، لأن العمل المعجمي لا يُصنع من أجل القراءة العادية، بل هو عمل فيه من المشقة سواء على مستوى التأليف أو القراءة ما يجعل العزوف عنه أمرا واردا. لذا، أعتقد أن التنوّع في المنهج سيبعد الملل عن القارئ ولا يجعله يشعر بالنفور”.

اقرأ أيضا