الاتحاد

وضع النقاط على الحروف (1)


كل ابن آدم خطاء، سُنة يسير عليها الخلق، وليس هناك من لم يخطيء أو لم يقصر أو لم يُخفق عبر مسيرة حياته، سواء أكان صغيراً جاهلاً لا يميز ولا يفقه، أو كبيراً عاقلاً يعرف الصواب من الخطأ، أو كان عالماً نال أعلى الدرجات العلمية في تخصص أدبي أو علمي، أو حكيما تعلم من تجارب الحياة، لسنا مثاليين ولكن كفى بالمرء نبلاً أن تُعد معايبه، 'لنضع النقاط على الحروف'، عبارة نسمعها كثيراً، ترى متى وُضعت النقاط على الحروف؟ وما الذي دعا الى ذلك؟
اللغة والكتابة وعاء الفكر وهما الحاويتان والحافظتان لهوية المجتمعات ولتراث الأمم والحضارات، وقد اعتنى الإنسان بالكتابة منذ القدم كونها وسيلة من وسائل التعبير، واستخدم عناصر البيئة أداة لها كالحجر والشجر وكانت البدايات بسيطة مقارنة بأدوات اليوم، وعلى الرغم من ذلك ينبغي ألا ننسى أن هذه الأدوات القديمة التي دون عليها التراث كانت الوثيقة والسجل الذي عرف به إنسان اليوم حياة الأمس·
لقد مرت الكتابة العربية بمراحل بدأت برسم الحروف فقط من دون النقط، لنتخيل مدى صعوبة ذلك، ومع هذا فإنها كانت مفهومة وواضحة عند القارئ العربي القديم، وبمرور الزمن ظهر ما يُعرف بـ 'التصحيف والتحريف ' كظاهرة خطيرة كثرت في المجتمع العربي الإسلامي مع بدايات قيامه الأولى نظراً لدخول العناصر غير العربية فيه، فكان من أوائل من تنبه لذلك وحاول معالجة هذا الخلل فوضع النقط على الحروف هو نصر بن عاصم (89 هـ) وهكذا قام الناس باستخدام النقط ليميزوا بين الحروف في الكتابة والقراءة، وعلى الرغم من هذا الابتكار الفريد من نوعه إلا أن 'التصحيف والتحريف' لا زال جاثماً على صدر الكتابة العربية، فإذا عرفنا متى تم وضع النقط على الحروف، فما هو معنى 'التصحيف والتحريف'؟
عرف الجرجاني (816 هـ) في كتابه التعريفات 'التصحيف' بقوله: 'أن يقرأ الشيء على خلاف ما أراد كاتبه أو ما اصطلحوا عليه'· أما 'التحريف' فهو: تغيير اللفظ دون المعنى'، والبعض من العلماء لم يفرقوا بينهما فيستعملون أحدهما عوضاً عن الآخر·
ولنذكر هنا أشهر وأطرف الأمثلة على التصحيفات والتحريفات في التراث العربي، ننقلها من أحد أشهر الكتب التي تناولت هذا الموضوع وهو كتاب صلاح الدين الصفدي (764 هـ) تصحيح 'التصحيف' وتحرير 'التحريف' فقد ذكر في مقدمته أنه قل من يسلم من التصحيف والتحريف وإن كان من الراسخين في العلم من أهل اللغة أنفسهم أمثال الخليل بن أحمد الفراهيدي (170 هـ)، والأصمعي (215 هـ)، والجاحظ (255 هـ) يقول الصفدي: 'وإن كان مثل هؤلاء قد صح أنهم صحفوا وحرروا النقل انهم حرفوا فما عسى أن تكون الحثالة من بعدهم والرذالة الذين يبتهجون في نقدهم، ولكن الأوائل صحفوا ما قل وحرفوا ما هو معدود في الرذاذ والطل···' وقال: 'وقد عمت المصيبة ورشقت سهامها المصيبة ولبس الناس أرديتها المعيبة وفشا ذلك في المُحدثين وفي الفقهاء وفي النحاة وفي أهل اللغة وفي رواة الأخبار وفي نقلة الأشعار، ولم يسلم من ذلك غير القُراء - للقرآن الكريم - لأنهم يأخذون القرآن من أفواه الرجال، وذلك لأنهم بمثابة أجهزة التسجيل الصوتية الدقيقة التي يرجع إليها إذا ما وقع التصحيف أو التحريف في كلام الله عز وجل، قال تعالى: 'إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) صدق الله العظيم سورة الحجر·
فمن أطرف التصحيفات قول الشافعي: 'ويُستحب في المؤذن أن يكون صبياً' فقيل له: لماذا؟ فقال: 'ليكون قادراً على الصعود في درج المئذنة'، فقيل أن الصواب: 'صبياً' من الصوت، وليس 'صبياً' فمكان النقط على رسم الحروف أوقع اللبس عند الشافعي رحمه الله·
ومن التصحيفات التي استمرت زمناً طويلاً ان أهل البصرة كانوا يروون عن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) أنه قال: 'ألا إن خراب بصرتكم هذه يكون بالريحُ يروونه بالراء والياء، وما تركوا هذا التصحيف إلا بعد مائتي سنة عند خراب البصرة 'بالزنج' وليس 'بالريح' وكان دخول الزنج مدينة البصرة وتدميرهم لها سنة (257 هـ)·
لم يقف الحديث عند هذا الحد·· فللحديث بقية·
منصور محمد المهيدي

اقرأ أيضا