الاتحاد

ثقافة

صلاح ستيتية: كل ما جرى في حياتي كَساني بالنَّدى

ترجمة : أحمد عثمان

صلاح ستيتية.. شاعر، باحث وناقد فني بارز. ولد في بيروت عام 1929. درس في باريس، بعد أن تابع، في المدرسة العليا للآداب في بيروت، دروس جابرييل بونور. شغوف بمسائل الشعر المعاصر، صادق خلال الخمسينات شعراء عالميين من أمثال: جوف، ماندرياج، أونجارتي، بونفوا وآخرين. ثم أصدر في بيروت أسبوعية: «الشرق الأدبي» بالفرنسية التي لعبت دوراً مهماً في التقريب والربط بين النزعات الإبداعية الغربية الحديثة، في فرنسا تحديداً، وتفجرات أنواع الكتابة الحديثة في الشرق، والعالم العربي خاصة. في فرنسا، ساهم في الكتابة بمجلات عدة، منها: «الآداب الحديثة»، «ميركور دو فرانس»، «المجلة الفرنسية الحديثة»، «ديوجين».. وكدبلوماسي، عمل في اليونيسكو بباريس، وسفيراً في المغرب، وسكرتيراً عاماً لوزارة الشؤون الخارجية في بيروت، وسفيراً في لاهاي، وهكذا ظل طوال حياته: «المتجول الكبير للحلم والفعل».

في عام 1995 حاز الجائزة الفرنكفونية الكبرى، التي منحتها الأكاديمية الفرنسية، إضافة إلى جائزة الصداقة العربية الفرنسية عن كتابه «حملة النار»، وجائزة ماكس جاكوب عن «تعاكس الشجرة والصمت»، وجائزة المفتاح الذهبي لمدينة ميديريفو في صربيا.
من دواوينه : «حملة النار» (1972)، «الماء المحفوظ» (1973)، «شذرات» (1978)، «الكائن الدمية» (1983)، «ليل المعاني» (1990)، وغيره كثير.
كيف يكتب صلاح ستيتية؟ أين؟ لماذا؟ ماذا تعني له الكتابة؟ هذه الأسئلة وغيرها يجيب عليها حوار أجراه معه بيير آهن ونشره ستيتية مؤخراً على موقعه الشخصي، وهنا ترجمته.

*كيف بدأت الكتابة؟
** مثل كل كاتب، اكتشف ذات يوم قدرته الرائعة على التعبير بالكلمات عن مشاعره. بالمصادفة وبالضرورة. والدي كان شاعراً، ينظم القصائد بالفصحى. يقرأ القصائد حينما ينتهي منها على والدتي التي كانت حساسة إزاء جمال الأشياء المأخوذة إلى شراك الكلمات. وقتذاك، الصبي ينصت، ولا يفهم شيئاً. متحيراً، بدأ يقلد والده. في سن السابعة، يتناول ريشته ويغمسها في الحبر القرمزي. تلك هي بداية مغامرة طويلة، طويلة للغاية، حكاية حب طويلة.
* كيف تكتب؟
** على طاولة واطئة، في مستودع حولته إلى مكتبة وملائم للحلم والتأمل. بيد أنني قادر على الكتابة في أي مكان، وأحياناً على ركبتي.
* الكتابة، هل تعتبر عملاً بالنسبة لك؟
** في بادئ الأمر، لذة نيران الإلهام حاضرة في الشعر، دوماً حاضرة حينما أكتب. ثم يأتي دور العمل: التصويب، إعادة الرؤية، التحديد، سواء عبر النثر أو الشعر، ما أريد فعلاً التعبير عنه. ثم تتبدى الأشياء، واللذة – مكظومة، خامدة – ترجع ثانية.
* هل هناك شعراء شعرت بقربك منهم؟
** حتماً. أمضي عبر الكبار: شكسبير، سربانتث، المتنبي، جلال الدين الرومي، ابن عربي، حيث أجني الكثير من قراءتهم. هناك أيضاً، موريس سيف، راسين، نرفال (آه، نرفال !)، بودلير، مالارميه، رامبو، كلوديل، آندريه بروتون، بيير جون جوف، و(أجيانا) رونيه شار. هناك نوفاليس، هوبكنز. إنهم عظماء. أنهم عائلتي الفكرية. ولا أنسى باشو، نصل الشعر الياباني الدقيق.
* كشاعر، كيف تحيا ازدواجيتك الثقافية، بين الشرق والغرب؟ هل تحيا حول نمط التناقض أم على العكس حول التكامل؟
** أحياها من دون أي صعوبة تذكر. أنا عقل معقد ولكن موحد. أمضي بين الثقافات مثل إنسان يمضي في حديقته من زهرة إلى أخرى، زهور مختلفة وإنما متقاربة بغموض.
* طبعت مؤخرا جزءاً من ذكرياتك التي تذكر فيه عملك السياسي والدبلوماسي. هل تقول إن نشاطاتك في هذا المجال ساهمت في تغذية شعرك؟
** تتحدث عن كتابي «الشطط» الذي صدر قبل قليل لدى مطبوعات «روبير لافون»، أحد ناشري. كتاب ذكريات يغترف من جميع المجالات، الحالمة والمادية، التي اختبرها الإنسان. مارست عملي السياسي والدبلوماسي في ظروف صعبة للغاية في بعض الأحيان: الحرب الأهلية اللبنانية الرهيبة تركت في دواخلي وفي ذاكرتي ندوباً حية وعميقة. بيد أنني أيضاً أحببت، سافرت، التقيت وترددت على أناس رائعين، كتاب من أعلى مستوى أصبحوا من أصدقائي (سيوران، مثلًا)، شعراء راقين للغاية (شحادة، بابلو نيرودا، الذي كان زميلي في اليونسكو)، مسرحيين (اونسكو)، شعراء - روائيين (جوف). كل ما جرى ألهمني، كَساني بالندى، اجتازني لكي يقبع بطبيعة الحال في أعماق ذاكرتي.
* «لا ظهور إلا في التلاشي»، كتبت في «دفاتر المتأمل» (آلبان ميشيل، 2003): الشعر بالنسبة لك، طريقة وجود – عبر الجوهر – ما يتوارى؟
** نعم، موضوعات الشعر لامعة، تتبدى كما الومضة وعلى الفور ترى، متحولة عبر الومضة بطريقة شبه ميتافيزيقية، تغطس في أعمق عتمات الليل. كتب رونيه شار: «إذا سكنا في ومضة، ذلك قلب الأبدية». أبدية مباغتة، أبدية مفقودة.
* بقراءة قصائدك، نندهش بأهمية الإيقاع، ولكن أيَظلّ بالمكانة التي تحتلها الصور. أيهما أهم بالنسبة لك؟
** الاثنان يقومان بدورهما المؤثر في الثنائية الذهنية والعاطفية، خلفهما يتراءى الأوركسترا الغامض والمشمس في العالم.
* في عالم مضطرب، هل يعتبر الأدب موضوع اللامبالاة المتنامية، وبالتالي ما دور الشاعر؟
** الشاعر، في عالم لا يهتم إلا بالاقتصاد، هو مدعّم الجوهري، أي الروح، العقل.
* ماذا تعمل في الوقت الحالي؟
** أعمل على مشروعين بناء على طلب من اثنين من ناشري، ويمثلان – في نهاية حياتي الطويلة – «مسك الختام».


اقرأ أيضا

كريستوف بيترز يشرب الشاي مع المتصوفة