الاتحاد

دنيا

مريم الصيفي تجمع العناقيد في سلال الشعر

حوار - وفاء محمود العلي:
بين مرارة التشريد والغربة عن الوطن، وعذابات الرحيل عن فلسطين في العام 1948 وهي لا تزال في الرابعة من عمرها، والمشاهد التي انحفرت في وعيها وذاكرتها، وما حملته هذه الخبرات المؤلمة من صور اللجوء وبين هموم أمتها العربية والإسلامية التي حملتها على كاهلها، وتحديات الحياة وهمومها والمعاناة التي يعانيها الإنسان في بحثه عن العيش الكريم تشكل وجدان الشاعرة والكاتبة مريم الصيفي، فلم تجد خلاصاً من كل هذا سوى الورقة والقلم اللذين كانا سبيلها لقول ما يجول في خاطرها، وما يعتمل في قلبها· ومن رغبتها المحمومة في سرد الروح في ديوانها الأول 'انتظار' إلى 'العناقيد' التي قطفتها في 'سلال الضوء' حرصت الكاتبة على أن تمارس مديحها الجميل في 'صلاة السنابل'، ولم تنس وهي تكتب إبداعها الشعري أن تلم حولها الشعراء والمثقفين والكتاب في نوع من 'توحيد الهم' في صالونها الثقافي الذي يعتبر واحداً من معالم الحياة الثقافية في الأردن··· عن الحلم والتجربة، والشعر والكتابة، والصالون والوصال الثقافي وغيرها كان هذا الحوار:
قد يبدو السؤال تقليدياً بالنسبة للكثيرين لكنه في تجربتك يحتمل تأويلات نتمنى أن نعرفها··· لماذا؟ ولمن؟ وكيف تكتبين؟
ما دام الله سبحانه قد منحني هذه الموهبة فإنني أحاول من خلالها التعبير عن ذاتي وما يجول في خاطري وأتفاعل مع ما يحيط بي في هذا الكون لعلني أستطيع إضافة سطر جديد في السجل الكوني العظيم··· وأكتب لذاتي من ناحية علني ألقي أحمال ما أحس به على الورق فيريحني ذلك··· وأكتب للقارئ الذي يسعدني أن يقرأ ما أكتب أستطيع التعبير عما يحيط بي مما يهم القارئ من أفكار وقضايا وأحداث ومعاناة ربما نلتقي فيها فيحس انني أعبر عن تجربته أو معاناته أو أحاسيسي تشبه أحاسيسه وأفكار تشبه أفكاره وأن هناك تفاعلا مع الكون قد نلتقي فيه·
حين أكتب الشعر أعيش معاناته ولكن الدفقة الشعرية لا يتحدد لها وقت معين فكثيرا ما تحضرني الكتابة حينما أضع رأسي على وسادتي فأكتب، وكثيرا ما أكتب في العتمة وفي الصباح أجد كتابتي مختلطة فأنسقها وأعيد ترتيبها وفي أحايين أخرى تأتي هذه التدفقات الشعرية وانا أقود سيارتي، فأقف وأكتب ثم أكمل طريقي··· وفي بعض الأحيان أكون مشغولة بأعمال منزلية كالغسيل أو الجلي فتأتي الدفقة الشعرية فأترك ما أنا فيه وأكتب ثم أعود إلى ما كنت فيه، وأنا محظوظة لأن زوجي وأبنائي يعرفون هذه الحالات التي تصدر عني ولا يحاولون معرفة ما أكتب إلا بعد أن يكتمل وأطلب إليهم أن يسمعوا ما كتبت·
مساحة الرواية
يصر الكثير من الكتاب العرب على أن هذا العصر عصر الرواية بامتياز وان الرواية قد باتت ديوان العرب ماذا تقولين في هذا؟
في الرواية مساحة واسعة للتعبير، ويستطيع الكاتب استيعاب المضامين الكثيرة والأحداث والأفكار التي يعبر من خلالها عن الكثير من آرائه وأفكاره وما يؤمن به من خلال شخصيات رواياته وأحداثها، أما الشعر فله خصوصية أكثر ويتميز بتكثيف عال يتيح للشاعر أن يقول الكثير في مساحة محدودة في أقل عدد ممكن من الكلمات، ولأننا في عصر السرعة نحتاج إلى التعبير عن كل ما نريد بتكثيف عال، كما أن لكل مبدع أسلوبه في هذا التعبير، وكل ألوان الابداع يكمل بعضها بعضاً ما دامت تعبر عن معاناتنا وحاجاتنا الإنسانية·
يغلب على أشعارك الطابع الوطني أتعتقدين أن الشعر ما يزال قادرا على القيام بهذا الدور في ظل التغيرات الهائلة التي يمر بها العالم على المستوى الحضاري والثقافي والإنساني؟
الطابع الوطني يغلب على شعري حقاً، فأنا جزء من هذا المجتمع العربي مهمومة به، لكنني في الوقت نفسه جزء من المجتمع الإنساني الكبير، وقضايا وطني وأمتي هي قضايا إنسانية في المقام الأول، فالذي جرى للفلسطينيين لم يجر لشعب آخر على مر العصور، ولم يحدث على مر التاريخ أن اقتلع شعب من أرضه ليستوطن مكانه شعب آخر عن سابق إصرار وقبول من المجتمع الدولي الذي لا يكتفي بالصمت والسكوت عن المعتدي بل ويقف معه مساندا ومدافعا بكل قوة، فإن كنت في شعري أصر على التعبير عن معاناة هذا الشعب، ومعاناة هذه الأمة التي يتدهور حالها وتزداد ضعفا وإذعانا للقوى العظمى المتسلطة في هذا العالم فإنني أؤمن بأن تغيير هذا لا بد أن يكون له اثر على الرغم من التغييرات العالمية المتسارعة، فنقط الماء المتتابعة المستمرة تستطيع أن تحفر في الصخر ندوبا بقدر استمراريتها وتتابعها ولا بد أن يسمعنا العالم يوما ويتعاطف معنا ويساندنا في قضايانا الإنسانية حتى ولو كنا نحاول تغيير المنكر بأضعف الإيمان·
صالون ثقافي
فكرة تأسيس الصالون الأدبي جريئة إلى حد ما، متى ولماذا وكيف فكرت في أن تقيمي صالوناً ثقافياً في بيتك؟
منذ زمن بعيد وأنا معجبة بصالون مي زيادة ومجلس سكينة بنت الحسين ومجلس ولادة بنت المستكفي في الأندلس··· وكثيرا ما راودتني الفكرة في أن أكون صاحبة مجلس أدبي كهؤلاء النساء وغيرهن كثيرات في العصور القديمة والحديثة، وقد تحقق لي ذلك بعد أن نضجت هذه الفكرة وساعدني زوجي في تحقيق هذه الأمنية فحينما كنت أعمل في الكويت كنا كثيرا ما نحضر فعاليات ثقافية أو أمسيات شعرية فنلتقي في هذه الأمسيات، يقرأ الشعراء قصائدهم ويفترقون· فتحدثت وزوجي إلى عدد من الأصدقاء والشعراء الموجودين في الكويت واللذين كنا نلتقي بهم في هذه الأمسيات ودعوناهم إلى لقاء في منزلنا حيث تتم القراءات والحوارات والمناقشات حول النصوص المقروءة، وتطرح كذلك القضايا الثقافية المختلفة، وقد استحسن الكثيرون هذا الطرح وبدأت تلك اللقاءات في منزلنا في الكويت منذ أواخر عام 1987 واستمرت هذه اللقاءات التي يحضرها الكثيرون من الشعراء والأدباء إلى أن عدت إلى الأردن عام 1991 فبدأت أعقد هذه اللقاءات في منزلي في عمان منذ ذلك الوقت· وقد ساعدني على نجاح هذا الصالون والاستمرار فيه أن زوجي كان متفهما لطبيعتي كشاعرة ومساندا لي في إنجاح فكرة الصالون الأدبي واستمراريته وهو إنسان مثقف واع محب للأدب كما أعانني في ذلك أيضا أبنائي المتفهمون لرسالتي التي أؤديها·
تواصل إبداعي
هل هي فكرة نابعة منك ومن رغبتك في التفاعل مع الآخر إبداعياً؟
لا شك في أن الحوار والمناقشة سبيل من سبل التفاعل مع الآخر، فنحن في الكتابة بحاجة إلى من يسمع وينقض ويوجه ويفرز الغث في الثمين· وفي لقاءات الصالون الأدبي مجال واسع لكل ذلك· فالمبدعون يسمعون بعضهما البعض ويتحاورون ويناقشون في قضايا كثيرة تهم الإبداع والثقافة وهذا ما حدا بي إلى إنشاء هذا الصالون الذي حقق نجاحاً كبيراً ،بفضل تشجيع زوجي هذا الإنسان المثقف المتفتح، وأحمد الله على أن هذا الصالون قد أصبح معروفا في الأوساط الثقافية في معظم أقطار الوطن العربي وفي بعض الأقطار الأوروبية، وقد تحدثت في عدة محطات فضائية عربية عن صالوني الأدبي، فضلا عن استمراريته واستضافته لوجوه ثقافية عربية وأوروبية باستمرار·
ألم تواجه هذه الفكرة عوائق على صعيد الأسرة مثلا؟
لم أجد أي عائق من العوائق فالزوج كان نعم المشجع والنصير والأبناء كذلك شجعوني وساعدوني في كل أمر أحتاج إليه، والأقارب والأهل أيضا، وعندما سافر زوجي إلى فلسطين أصر على أن أستمر في لقاءات صالوني الأدبي ويظل على تواصل مستمر··· فكثيرا ما يتصل بالموجودين من الأدباء والشعراء من رواد الصالون أثناء لقاءاتنا الأدبية ويكون كأنه معنا في كل لقاء·
هل تعتقدين أن ما يدور في الصالون من حوارات ومتابعات يتسم بالموضوعية ويفيد الكتاب؟
بالطبع، فالمدعوون من الأدباء والشعراء يقومون بقراءة إبداعاتهم، وبعد قراءة كل نص تدور حوارات ومناقشات بين الحاضرين وهم من المثقفين والنقاد والمتلقين، ثم يتم الانتقال إلى نص آخر، ومن خلال المناقشات والحوارات حول النصوص المقروءة تثار بالطبع الكثير من القضايا الأدبية والثقافية والسياسية وفي العروض والنحو والمفاهيم الشعرية وغيرها، ومن شأن كل هذا أن يثري الجلسة من جهة، ويضيء النصوص المقروءة من جهة أخرى، لا سيما وأن الآراء التي تقال حول أي نص من النصوص تكون بموضوعية تامة ولا مجال فيها للمجاملات، وهذا ما يعطي جلساتنا مصداقية وموضوعية ويفيد أصحاب النصوص المقروءة·
ما الدور الفكري والثقافي الذي يقوم به الصالون في الأردن؟
أستطيع أن أقول - وبشهادة الكثيرين من المثقفين في الأردن- ان هذا الصالون له دور فكري وثقافي كبير، حيث يلتقي فيه الأدباء والشعراء الذين لا يعرفون بعضهم، ومن خلال القراءات والمناقشات والحورات يحدث تلاقح فكري مثمر، كما يفيد الكثير من الشعراء والكتاب في الآراء النقدية الانطباعية التي يستمعون إليها من النقاد· وقد قال الدكتور محمد الوحش وهو احد رواد هذا الصالون وممن يديرون الكثير في جلساته: ' كان لي شرف المشاركة الدائمة في أمسيات هذا الصالون الذي اعتقد انه أسهم وما يزال في إثراء الثقافة وإنعاشها والأخذ بأيدي كثير من الشباب نحو الظهور والتهكن والتعرف إلى أسس الإبداع في الشعر والقصة والمقالة والنقد الأدبي'· وأعتقد أن كثيرا من المبدعين الشباب قد أفادوا من هذا الصالون أيما فائدة وقد أخذت أسماؤهم تبرز في الساحة الأدبية بصورة لافتة للنظر· ومن الجوانب المضيئة التي أرى أن هذا الصالون يؤدي فيها دورا ثقافيا وفكريا جيدا أن الكثير من الأدباء والشعراء والنقاد العرب قد حضروا بعض لقاءات هذا الصالون من تونس والجزائر ومراكش وسوريا ولبنان والعراق ومصر، وتلاقوا مع رواد الصالون في الأردن· وكان لهذا الصالون أيضا شرف استضافة رئيس اتحاد الكتاب الروسي والوفد المرافق له لحضور المؤتمر الأول للكتاب في فلسطين·

اقرأ أيضا